تهويمة في الوجود والموجود.

عبد اللطيف بن سالم
2019 / 4 / 17

الوُجود والمَوجود ، هل بينهما حدود ؟

لابد في الأول من وضع المفهوم في موضعه :
أليس الموجود مشيرا عندنا إلى كل شيء في هذا العالم والوجودُ مشيرا عندنا إلى كل تلك الموجودات مجتمعة le monde ؟ أليس مَثَلُ ذلك كمثل أي كائن حيّ تعيش به مليارات من الخلايا الحية وبها يعيشُ ؟ لكن لابد من الانتباه إلى المعنى الثاني للوجود المقصود به الكينونة " l êtreالذي نعرفه بواسطة الإدراك .
يقول باركلي الإيرلندي في كتابه " مبادئ المعرفة الإنسانية ": (الوجود إدراك)être :c est être aperçu والاتفاق بيننا ومعه على هذا الرأي يُؤدي ضرورة إلى القول بأن ما لا نُدركه لا وجود له وإلا وقعنا في تناقض واضح مع ما اتفقنا عليه ، والمعروف بداهة بأن عملية الإدراك لا تتم إلا بواسطة الحواس والمعروفُ عن الحواس أنها محدودة الإمكانية ولا تَقوم بوظيفتها إلا في حدود مَا مُختلفة في قدرتها باختلاف الأشخاص وباختلاف الظروف الموجودة فيها ولعله من حسن حظنا في هذه الحياة أن الإنسان متطوّر على الدّوام كما تُؤكد لنا علوم الحياة وعلوم الأنتروبولوجيا وفي نفس السياق الذي يتطور فيه الكون كله كما يؤكد لنا ذلك الكوسمولوجيون أيضا ومَن منا يدري ماذا عسانا نكون غدا بعد بضعة أحقاب أخرى من الزمن ؟ وبالتالي فإن علمنا بأي شيء يبقى دائما محدودا وموغلا في النسبية رغم كل ما نحصل عليه من التطور ومن اكتساب للمواد التكنولوجية واعتمادها في تطوير ما لدينا من إمكانيات في جميع المجالات .
هذا بالنسبة ل " الوجود " في معناه المضاد ل " العدم"
أما الوجود في معناه العام والمقصود به العالمُ بأسره والمتداول عادة في حديثنا والمسيطر دائما على إحساسنا بحكم علاقتنا به وعلاقته بنا فإدراكه صعبٌ علينا كصعوبة إدراك السمك للبحر الذي يعيش فيه لو كان عاقلا ويريد إدراكه لأنه لا يخرج منه أبدا وإذا قُدّر له بسبب من الأسباب الخروجُ منه أدركه الموت في الحال .
هذا الوجود العام مطلق في الزمان غير محدود المكان وغير معين وما هو كذلك لا يمكن أن يخضع بأي شكل من الأشكال للملاحظة الحسية المباشرة وبالتالي فلا يمكن أن يكون موضوعا للإدراك وما لا يُدرك لا يمكن تعريفُه ولا يُمكن معرفة من كان سببا في وجوده أيضا ولا حتى التفكير فيه ، ومن قديم الزمان ومنذ العصر اليوناني الأول والعديد من المفكرين يقولون بعدم إمكانية إدراكه لأنه غير معين ولامحدود ولا يبدأ ولا ينتهي ولا يُوصف بأي وصف من شكل أو لون أو تكوّن .
يمكن الرجوع في هذا الصدد إلى بارمانيدس من القرن السادس قبل الميلاد والذي ظهر قبل سقراط وقبل أفلاطون وأرسطو والذي يقول :"من الضروري إذن إما أن يوجد الوجود وجودا مطلقا وإما أن لا يوجد على الإطلاق " والقول هكذا بالوجود المطلق لابد أن يعني أيضا انتفاء الحدود وامتلاء الوجود ولم يعد للإنسان فيه من إمكانية أن يرى منه شيئا أبدا لأنه جزء منه وغير منفصل عنه ويمكن القول بأنه لا شيء غيره وكل ما نراه أو نسمعه أو نتصل به بأية حاسة من حواسنا ما هو إلا وهم من أوهام المعرفة الناتجة عن العادة والتكرار اليومي وخداع الحواس ، وبالتالي فإن هذا الوجود لا يُعرف إلا عن طريق العقل فقط إن قدر له أن يٌعرف ولا طريق آخر غيره وما دام الوجود هكذا واحدا متوحدا ولا يتكرر ولا يتعدد فهو عن العدم لا يختلف .
فالمهم لدينا الآن ليس هو الوجود في معناه العام المطلق أو الوجود في معناه الخاص المتميز بقدر ما هو المهم لدينا الآن معرفة العلاقة الممكنة بين المُدرك والمدرَك ( الفاعل والمفعول به ) قبل ضرورة التفكير في ما عسى أن تكون العلاقة بينهما في الأصل ومن منهما الأسبق في التكون ومن ترى يكون منهما السبب في وجود الآخر أم لا علاقة سببية بينهما على الإطلاق أم هما معا الوجود برمته الواحد الأحد الأزلي السرمدي والذي كل ما نعرفه فيه أو عنه ما هو إلا مجرد وهم من أوهام المعرفة .

الوجود - في رأينا – إذن غير موجود إذا كنا بالفعل منه وغير منفصلين عنه وما دمنا غير قادرين على إدراكه ...
فهل بهذا الاستنتاج سنُعلن أيضا عن عدم وجودنا أحببنا ذلك أم كرهنا ؟؟؟
لكن يبقى السؤال دائما يلاحقنا : من أين لنا إذن بهذه الكلمة ؟