بين ثورتين (ثورة السودان وثورة 25 يناير في مصر)

رياض حسن محرم
2019 / 4 / 17

يوجد تشابه من جوانب كثيرة بين الثورتين رغم الاختلافات، أول ما هو متفق بين الثورتين هو عفويتهما ومشاركة الجماهير والكتل غير الحزبية أو المؤدلجة في التظاهرات الضخمة والاعتصامات، وإن بشكل نسبى أيضا، فالظاهر أن الجماهير السودانية هي الأكثر وعيا وتنظيما، فقد استوعب الإخوة في السودان تاريخيا للثورتين الشعبيتين اللتين شهدهما السودان في أكتوبر 1964 عند الإطاحة بحكومة الفريق إبراهيم عبود ، أو في ثورة أبريل الشعبية التي أنهت حكم المشير جعفر نميري عام 1965، أيضا فقد شكلت القيادة للحركة المتمثلة في "تجمع المهنيين" درجة أعلى من الوعى السياسي عن المعارضة في مصر أو ما سمى بالإئتلافات الثورية، ولا يغيب عن بالنا كذلك النضج النسبي لأحزاب المعارضة السودانية وعلى رأسها حزب الأمة بقيادة الصادق المهدى وكذلك الحزب الشيوعي السوداني، وأخيرا فإن أهم الاختلافات هو الموقف من تيار الإسلام السياسي الممسك بالسلطة في السودان متمثلا في نظام الإنقاذ الوطني الذي حكم السودان منذ العام 1989وكون الثورة في السودان تواجههم وتسعى الى الخلاص منهم، بينما شكّل الإخوان المسلمين في مصر أحد القوى الرئيسية في الثورة ضد نظام مبارك.
التشابه كان كثيرا ومتطابقا في التكتيكات والشعارات والفعاليات، مع اختلافات هنا أوهناك، فقد استخدمت ثورة يناير آلية الاعتصام منذ اليوم الأول بينما لجأت اليه الثورة السودانية بعد شهور من التظاهر في الشارع، ربما لطبيعة الحركة في القاهرة ولجاذبية ميدان التحرير وتأريخيته بالنسبة لها، وبينما رفع الثوّار في مصر شعار إسقاط النظام منذ اليوم الأول، في الوقت الذى رفعت فيه ثورة السودان شعارات اجتماعية ضد رفع سعر رغيف الخبز لثلاثة أضعاف، ثم تحولت بعدها الى المطالبة بإزاحة البشير، كذلك فقد استوعب ثوار السودان درس الثورة المصرية جيدا وهو عدم مغادرة الميدان بمجرد إزاحة رأس النظام، والبقاء في الشارع للضغط على قادة العسكر لسرعة نقل السلطة الى قيادة مدنية.
الأحزاب المصرية المدنية بكل انتماءاتها دينية أو علمانية، لم تتمكن من التخلص من إرث الماضي وتأثير العمل السرى لعقود طويلة الذى نقل جيناته الى صلب تلك التنظيمات ما جعلها تحمل في بنويتها بذور الإقصاء والديكتاتورية، بينما القيادة الفعلية للثورة في السودان تنعقد لتجمع المهنيين السودانيين، هذا التجمع الحديث النشأة يتكون من مجموعة من النقابات المهنية المستقلة عن الدولة، أبرزها المعلمون والأطباء والمحامون والصحفيون، (أقرب ما يكون الى النقابات والاتحادات المستقلة في مصر)، ولكنه أكثر وعيا وتنظيما ويملك رؤية أكثر راديكالية "تميل الى اليسار" وهو في تقديري الوريث الشرعي " لمؤتمر الخريجين" السودانيين، وعلى الرغم من حداثة تجربته، إلا أنه تحوّلَ في وقت قصير جداً من مجرد تنظيم مطلبي أقصى سقف لطموحاته أن يفاوض السلطة على زيادة الحد الأدنى للأجور، إلى لاعب قوي ومؤثر يصارع على السلطة متقدماً كل أحزاب المعارضة التقليدية، وقد استطاع من خلال تكتيك ثوري من إحاطة نفسه بجبهة واسعة وذلك بتوقيعه مع معظم التنظيمات المعارضة على بيان الحرية والتغيير، وهو وثيقة سياسية للانتقال الديمقراطي للسلطة في السودان، وبذلك أصبح التجمع عملياً هو القيادة السياسية للثورة في السودان، يضم تحت قيادته الأحزاب السياسية الكبرى المعارضة ممثلة في أكبر جسمين سياسيين هما نداء السودان ويقوده حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي ، وقوى الأجماع الوطني بقيادة الحزب الشيوعي السوداني، وربما تمثل ذلك فى الطابع اليساري للثورتين "ولأى ثورة" ما يؤكد ذلك الاستخدام العفوي للشعارات والهتاف والأهازيج المستوحاة من شعراء ومثقفين كبار ارتبطوا تاريخيا بالحزب الشيوعي وحركة الشارع المنتفض مثل محجوب شريف وحميد في السودان وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى في مصر. وثمة رابط آخر يعزز التقاء رؤى جيل الشباب والحزب الشيوعي وغيره من القوى التقدمية يتمثل في القناعة القوية والإيمان الراسخ بأن المخرج من تلك الأزمات لن يتم سوى بإقامة دولة مدنية قائمة على حكم القانون وتحترم الأعراق والمكونات القبلية وثقافة الاخر والتوزيع العادل للثروة.
ربما أدى مرور وقت طويل على حركة الثورة في الشارع السوداني (حوالى 18 أسبوعا في مقابل 18 يوما في مصر) قد دفع باتجاه مزيد من التعلم والوعى لدى الجماهير وقيادتها معا، واصبح كل يوم يمر على السودان يزداد فيه اليقين لدى السودانيين بأن صفحة حكم الرئيس السوداني عمر البشير تطوى عمليا . لم تعد أمام الرئيس تلك المساحة الكبيرة التي ظل يتحرك فيها طوال ثلاثة عقود والى ما قبل الثورة الشعبية في 19 ديسمبر الماضي أصبح الزلزال الشعبي الرافض للحكم يضرب كل مدن السودان من أصغرها الى أكبرها وهتاف واحد يوحدها “تسقط.. بس". ومع مرور الوقت ليس فقط تتداعى جدران الخوف بل ينتقل الخوف الى صفوف القوى المشكلة للنظام والتي تتهاوى صفوفها وترتبك خطاها تباعا، ومع هذا السقوط تزداد الجموع جرأة وتخف القبضة الرادعة عن خناق الشعب، ولم تعد الوعود التي أطلقها الرئيس البشير بالإصلاحات، ولا التهم التي كالها عن الخونة والمندسين والمخربين تغير شيئا في الواقع. لقد حسم الشعب السوداني أمره في مواجهة الحكم المنفرد للأخوان المسلمين في السودان الأكثر دموية والأكثر تدميرا والأكثر ايلاما للسودانيين شهدت فصلا لجنوب السودان، وحروبا دامية في المناطق الثلاثة في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. واذا ما انتهت هذه الحقبة الكالحة تكون قد انقضت التجربة الأولى الأكثر فشلا في حكم السودان، والأسوأ لحكم الإخوان المسلمين على مستوى العالم العربي.
لعل الشعار الذى رفعته الثورة السودانية “حرية سلام وعدالة” يتحدد فيه الطابع السياسي صريحا ومباشرا وهو متقدم نسبيا عن شعار ثورة 25 يناير "عيش حرية عدالة اجتماعية"، المشترك بين الثورتين هو طغيان العنصر الشبابي والحضور اللافت للمرأة في الثورتين، على أن التواصل عبر وسائط التواصل الاجتماعي والرسائل القصيرة كان أكثر حضورا في الثورة المصرية، ربما يكون المتغير الأكبر هو تواجد حركات مسلحة في الحراك السوداني لطبيعة الإحتراب الداخلي في معظم مناطق السودان، العامل المشترك أيضا بين الثورتين هو غلبة العناصر المدينية والقوى الأكثر وعيا على حساب بقية العناصر الريفية ومهمشي المدن.
الاختيار الحقيقي يتمثل الآن أمام ثوار السودان هو في استمرار صمودهم لأيام أخرى، فالسقوط في رهان العسكرة وارد وملح بقوة وهو في النهاية استمرار لنظام حكم السودان لمدة 30 عاما، نعم قد يجد ثوار السودان حلفاءً لهم بين الجنود وصغار الضباط، ولكن المؤسسة العسكرية السودانية فاسدة حتى النخاع وقياداتها ذراعٌ ضاربة لصالح البشير، وقد اختارت التضحية بالبشير لإنقاذ النظام، مثلما فعل نظرائهم بالمجلس العسكري في مصر في 11 فبراير 2011، نتمنى أن تستفيدوا من تجربتنا لأقصى درجة. السلام عليكم.