مرض التجنب

جمشيد ابراهيم
2019 / 4 / 11

مرض التجنب
يتجنب انسان اليوم زميله و صديقه و جاره لا بل احيانا حتى اخوته في عالم يكثر فيه التحرش و المضايقة و العداوة و الاستهزاء و النزاعات و الخلافات و الحسد و الغيرة و المنافسة و التقييمات. تسمي الانجليزية ظاهرة التجنب بمرض الفرص الضائعة Illness of lost oppotunities - يتجنب الانسان الاخرين احيانا بسبب الخجل او لان التجنب طريقة سهلة و مريحة بالمقارنة مع المواجهة التي هي كفيلة بتدمير اعصابك الا اذا كنت ترى في المواجهة تحديا ميدانيا لك تريد ان تتعلم مواجهته.

اذا كنت لا تختار التجنب لانك تمتاز بشخصية قوية للمواجهة و لك خبرة في العلاقات الاجتماعية او قابلية كبيرة للتحمل فان صحتك بالتأكيد ستدفع ثمنا باهضا لتستطيع العيش و التكيف وفق معطيات صعبة و هناك من يتخلص من منافسيه ببساطة و يلجأ الى الاسلوب القاسي بقتل او ازالة الخصم من طريقه و لكني لا افهم كيف يتمتع بالراحة النفسية و لا يحس بتأنيب الضمير بعد ارتكاب جريمة كبيرة من هذا النوع.

طبعا تستطيع التجنب بترك مكانك و تهجر الى منطقة منعزلة تقل فيها الاحتكاكات البشرية اذا كانت لديك على الاقل امكانية مالية و لكن المريض او الضعيف او المعوق او الكبير بالعمر او الانسان العادي عادة لا يستطيع الهجرة بسهولة لذا لا يبقى الا محاولة التجنب على قدر الامكان بالابتعاد عن الاختلاطات الاجتماعية و الحفلات و الدعوات و الانزعاجات الاخرى لتتعرض لمرض العزلة القاتلة.

يهاجر عدد لا يستهان به من الشرقيين الى الغرب لا لاجل تجنب الحروب او المشاكل المالية بل لاجل تجنب الانزعاجات و المضايقات و المشاكل مع مواطني بلدانهم لاعتقادهم بان حياتهم في الدول الغربية بعيدا عن هؤلاء ستستقر و لكن الناس تنسى بان لكل احتكاك بشري مشاكله اينما كنت و اني واثق باننا جميعا نشكو من مرض التجنب بدرجات متفاوتة. نحن اليوم بحاجة كبيرة اكثر من اي وقت مضى الى ثقافة التعاملات البشرية لاننا لا نستطيع ان نعيش على القمر.
www.jamshid-ibrahim.net