الأيام الأخيرة في حياة -وفاء-

رياض حسن محرم
2019 / 4 / 8

شعور شديد بالألم لم يفارقه منذ ذلك اليوم، رغم جروحه البدنية العميقة التي أوشك أن يبرؤ منها فإن آلامه النفسية تكاد تقتله كل يوم، ورغم أن ما حدث جاء رغما عنه لكن إحساس فظيع يناوبه ويدخله في نوبات بكاء تصل الى حد التشنج والرغبة في الموت، ذلك الحادث الذي فقد فيه والى الأبد القلب الحنون والصدر الدافئ الذى يعطيه الأمل المتجدد في الحياة.
حدث ذلك منذ عامين وكأنه البارحة، كان دائما حريصا في قيادته، في ذلك اليوم اطمأن مسبقا على حالة السيارة، حرص على قياس ماء الردياتير والزيوت وهواء الدواليب قبل يرتقي بهم الطريق الى المدينة، كعادته أول كل شهر يصطحب أسرته للتسوق من المول الأشهر بالمنطقة، المسافة تستغرق حوالي الساعة ومثلها في العودة، كان حريصا أن يعود قبل حلول الليل من باب الحيطة، رغم مناشدة زوجته وابنته أن يبقوا لفترة أطول لكنه لم يوافقهم وقرر أن يعودوا أدبارهم.
في بداية طريق العودة ومثل كل مرّة عرج على محطة بترول في أول الطريق، أكمل تموين السيارة بالبنزين واطمأن على الهواء والماء، وتناولوا مشروبا ساخنا، بعدها استأنف رحلة العودة الى البيت، في أول منحنى لمح سيارة نقل ثقيل في الاتجاه المعاكس مسرعة، عندما اقتربت منه مالت بشدة وكادت أن تقع على عربته الصغيرة، اندفع بالسيارة يمينا، انحرف المقوّد في يده وفقد السيطرة على السيارة، بعد أن اصطدمت في شجرة طارت في الهواء لأمتار ثم انقلبت مرتين وارتطمت في ألأرض بشدة بينما هو متشبث بالمقود، فقد الوعى، ثم أفاق في المستشفى.
عندما فتحّ عينيه شاهد وجوها غائمة لم يتبين منهم أحدا، أغمض عينيه ثانية وغاب عن الوعى، لم يدر كم من الوقت مضى، حين فتح عينيه ثانيا، كان يشعر بالألم، لاحظ وجه ابنته حزينا ينظر اليه، تكاد الدموع تطفر من عينيها، طلب منها أن تقترب، طبع قبلة خفيفة على شفتيها، انهمرت دموعها غزيرة، سألها:
- ماذا حدث. أجابت:
- لا أستطيع أن أخفى عليك كما نصحوني:
- ما الذي لا تسطعين أن تخفيه عنى، ومن هم.
- أبى.. أمي ماتت.
كانت الصدمة شديدة، لم يستوعب الموضوع بسهولة، أشاح برأسه الى الناحية الأخرى وأطلق لدموعه العنان، يا إلهي، إذن ماتت حياة، لن يراها ثانية، رأسه تؤلمه لكن الشريط بدأ يكرّ أمامه.

2
كانت في السنة النهائية من كلية الآداب عندما التقي بها لأول مرّة، كان قد تخرج لتوه من كلية الصيدلة، كان لقاؤهما بمعهد جوتة في شارع البطالمة، فريق موسيقى زائر، كان برفقتة أحد الأصدقاء جالسين في الصف الأخير ينصتا بخشوع لأحد سيمفونيات "بتهوفن"، لمحها تجلس في الصف الثاني بجوار سيدة وقور، خمن أنها أمها، في الاستراحة واجهها في الكافيتريا، حدقت أمها اليه، حياها بإيماءة من رأسه، طوال الجزء الثاني من الحفل ضبط نفسه يتطلع اليها دون قصد.
في الأيام التالية كان ملتهيا في أمور الدنيا، عرض عليه أحد الأصدقاء أن يتدرب معه في صيدلية والده برشدى، في اليوم الأول فوجئ بها تدخل الصيدلية تطلب دواء، حدث معه نوع من الارتباك لم يعلم سببه، لكنه ابتسمت وهو يسبق زميله متناولا منها الروشتة، بعد أن جهز العلاج سألها من سيتناوله، علم أنه لجدتها وأنهم يسكنون بجوار الصيدلية، شكرته وذهبت، ظلت رائحة عطرها تعبق في أنفه بقية اليوم.
تكررت زيارتها للصيدلية، وتكرر حديثه معها، وجدها تسأله في أحد الأيام إذا كان ممكنا أن يذهب معها لإعطاء حقنة لجدتها المقعدة، لم يتردد في الموافقة، كانت المرة الثانية ليلتقي بوالدتها التي أصرّت أن يتناول شيئا، وجدها فرصة لمزيد من التعارف، طلب قهوة وجلس يستحيها على مهل، وقد اتخذ قرارا.
حدث كل شيء بسهولة ويسر، تم الزفاف في قاعة على البحر، تم التآلف بين الأسرتين سريعا، أثناء شهر العسل كان منشغلا بتجهيز صيدليته الجديدة، سماها (صيدلية الحياة)، كان افتتاح الصيدلية بعد الاحتفال بسبوع ابنتهم "وفاء"، مر أكثر من عشر سنوات على ذلك التاريخ، الأسبوع الماضي كان حفل عيد الميلاد العاشر لوفاء.
3
قضيت بالمستشفى حوالي الأسبوعين، لم أتحمل العودة الى شقتي الخالية من الحياة، ألحّت على وفاء أن أذهب معها لبيت الأسرة بشارع سوريا، لم أمانع وإن كنت أعرف أنى لابد أن أرجع الى بيتي والى الصيدلية سريعا، فالحياة لابد أن تستمر رغم الألم.
مرّت الأيام بعدها ثقيلة، ما بين الصيدلية والبيت وحضور بعض الأمسيات الثقافية، بينما أفرغ عواطفي الحميمية في تلك الثمرة الناضجة التي تركتها لي حياة، لم أفكر في تجربة زواج جديدة بعدها، لم أتصور يوما أن أنام بجوار امرأة أخرى سواها، مرّت حياتي رتيبة الى أن زلزلها ما حدث.
بدأت المشكلة بارتفاع طفيف في درجة حرارة وفاء، تعودت معها على إعطائها بعض مخفضات الحرارة، مع استمرار الحالة وشعورها بفقدان الشهية والهزال قررت عرضها على أحد الأطباء المتخصصين.
بدأت بعرضها على طبيب أمراض باطنية، فآخر، تضاربت أراء الأطباء، منهم من شخّص حالتها على أنها درن صدري وبدأ علاجها على هذا الأساس، بينما شخص طبيب آخر الحالة على أنها تيفويد واختلطت الأدوية والتحليلات.
نصحه صديق بالذهاب بها الى طبيب حميات عجوز في كامب شيزار، طلب تحليلا متخصصا في أمراض الدم، وكانت الصدمة الحقيقية حين أخبره د. ميشيل أنها مصابة بسرطان الدم "لوكيميا".
كانت الصدمة قاسية جدا، كثفت من إحساسه بالفقد، وشعوره بتأنيب الضمير وكأنه من قتل حياة، ترك عمله تماما وتفرّغ لرعاية ابنته، قرر أن يتبرع بنخاعه لها ولكن لم تساعده الفحوصات، عموما فقد قرر الأطباء المبادرة بالعلاج الكيماوي قبل أي تدخل جراحي، كان يعلم من دراسته ومن قراءاته حول المرض "التي لم تتوقف منذ علمه بطبيعة مرضها" صعوبة الآثار الجانبية للعلاج الكيماوي، صاحب تلك العقاقير علاج مركزّ لتسكين الآلام الناشئة عن المرض.
استمر العلاج الكيماوي لفترة أطول من المفترض وذلك لمقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وبسبب توقف العلاج الكيماوي لفترات لعلاج الآثار الجانبية ومنها التهاب الكبدي الوبائي، ما أدى في النهاية الى تفاقم الوضع وزيادة إنتشار المرض، والدخول في حلقة مفرغة.
لم يكن هناك بد من استخدام مسكنات قوية كمشتقات الأفيون من المورفين وغيره، وكانت وظيفته هي السهر الى جانبها منفذا تعليمات الأطباء دون زيادة من عنده، فقط، كان يحسب جرعات المخدر بدقة شديدة ثم يحقنها به، ويعاود الجلوس بجوارها لمتابعتها.
مع استمرار العلاج لفترة أطول فقد بدا تأثيره الأدوية المخدرة في التناقص، ولم يكن في حل من أمره بزيادة الجرعة، كل ما يستطعه هو أن يحاول صرف ذهنها من خلال قصصه لها وأغانيه لأطول فترة، كان شعور الحنان متبادل، كانت تتحامل على نفسها قدر استطاعتها كي تخفف عنه.
ساهرا الى جوارها في تلك الليلة وبعد شديد معانتها من الألم اتخذ قرارا، سوف يضاعف الجرعة فهو لا يتحمل معاناتها لعلها تنام نومتها الأبدية في هدوء، عموما فإن الله رحيم بها وسيكون مثواها جنة الخلد، عبأ الحقنة بالمخدر وحقنه في وريدها ببطيء، وما أن انتهى حتى جلس الى جوارها حتى الصباح.
مشغول طوال الوقت بالتأكد من وظائفها الحيوية، النبض والتنفس وضغط الدم، كان يسجل تلك القياسات كل خمس دقائق، في البداية سجلت تلك المؤشرات تراجعا حادا، وبعد ما يقرب من أربع وعشرون ساعة وهو بجانبها لم يذق النوم بدأت تلك المؤشرات في الانتعاش مرة أخرى، ورويدا رويدا بدأت حالتها في التحسن حتى سمعها تناديه "بابا".
لم يصدق أذنيه، فذلك عكس توقعه تماما، فقد كان في انتظار النهاية لكن ما حدث كان المعجزة، فتحت عينيها، كانت عيونها تبدو أصفى من السابق، سمع صوتها الواهن: - بابا أنا جوعانة.. لم يصدق نفسه، أسرع الى علبة العصير ليصب لها كوبا، فإذا بها تقول له: بابا أنا عايزه أكل، مش عصير.
سعادة غامرة نزلت عليه، أكلت كثيرا، رنّت في أذنيه عبارة سمعها كثير، "صحوة الموت"، لكن تلك الصحوة طالت دون أن يعقبها الموت، واستمرت حالتها في التحسن الأيام والأسابيع التالية. (انتهت)