كاسات المختلف

عبد العاطي جميل
2019 / 4 / 7

كاسات المختلف
......................
إلى القاص أحمد بوزفور .. مع متمنياتنا له بالشفاء العاجل ...
.......................................................................

ــ 1 ــ
كأس طافحة بالحزن ، مغموسة فيه .. ما يستقر على جدار القلب ينأى عن العين بعيدا بعيدا .. ذاك البعيد عن سراب الماء أو أكثر ..
وذاك العصفور الذي هو روحي ، كيف له أن يصحو ويلهو بين يديك ؟؟.. كيف له أن يسكر ويثمل حتى ؟ .
ماء أنت ياكاسة عشقي التي غافلتني في رمشة عشق ثم تبخرت. شديد هذا الأسف هنا لأنك كأس طافحة بالحزن .. مغموسة فيه ..
... أفتح سماوات قلبي لعصفوري الذي أضحى عاجزا.. أرجوك لا تقل لي بلغة العشق يا سلطان السكارى ما قد يجوز وما قد لا يجوز ..
أرجوك كن عكازة ما عشش فيك من تعب لأنها لا ولن تخاطبني لغة اليأس لتقول لي : أثوب ..
أرجوك ، كن واضحا فاضحا حتى غيابات القبر. لأنه لا يستساغ أمرنا .. لا لنا .. ولا لله بغير ذنوب .. إذ كلما أخفى الآخرون عهرهم ، إلا وكشفت عريي جهارا .. لأنها خمرة الحب لا تسقى إلا بالعلن .. فيطفو حديث العاشقين شفافا دونما حاجة إلى رموز ..
اسقنيها إذن يا سلطان بنات الكرم . يا مليك خليلات العنب .. يا عصفوري العاجز ..
أرجوك يا تقل لي ما قد يجوز .. وما قد لا يجوز ..
كانت أشجار نيسابور حول قلب الشيرازي كثيفة حتى حجبت عني الرؤيا .. وكان لا بد لي من سهر حتى يكشف الضياء طيوفها .. كان الانتظار مترادفا مصاحبا غصة الترقب .. كان طويلا ..
آه ، كم طال الانتظار يا ربي حتى تتوضح معالم الطريق صوب أشجار نيسابور ..
أريج الكمثرى التي غادرت على ما يبدو من أريجها ، والنرجس الذي مال إلي مصوبا تابعا بل أنا الذي يتبعه . كيف جد لي تيهاني خلف فساتينها العذراء ؟؟ . وكيف أضاعتني في لغة العشق دروبي ؟؟ .
آه ، كم انتظرت يا الله .. ونيسابور من خلفي ومن أمامي .. وهي موجودة حتى في بعيد البعيد ، وأنفاسها مهما بعدت بدت طيفا يجول بقربي ..
القلب في قفص الشيرازي متقلب والإجابات عبث والحلول أسطورة .. وأنا من التيه فاقد طريق ، أستقصي كسر شوكة العشق وألم الوخز على جدران الروح . أبغي توسل الشيرازي إخراجي من معضلة الورطات وها قد طال بباب الله انتظاري حتى استحلى مني الجسد الوقوف .. مازلت أطلب الغفران . أنتظر المفتاح ، مفتاح القلب عنيد كجدران نيسابور وبساتينها .. مفتاح نيسابور وأريج حدائقها هما متروكات الله .. رهينتا ابتهالات .. وتوسلات .
وسواء كان .. أم لم يكن ، ستظل الترهات .. وسيظل الله في الظل يراقبني وأنا تحت عمود نور في درب مولاي عبد القادر .. أراقب هذا الشيخ الصوفي على ضوء مصباح البلدية وأسمع الشيرازي .. بين رجلي قنينة " أسكود " مسحت بها عشية رديئة ، وكلفت نفسي كثيرا لأقرأ شاعرا اسمه نورالدين ، منبوذا هذا المنزوي الذي يدخل مسودة قلبي بلا شوار .. هو نفسه الذي يصبغ بنبل قراءاته للشيرازي على واقفات روحي . أشياء من تعب التذكار .. ولوعاتي التي دارتها الحقب البائدة .. وأرغمتني على القرفصاء قرب الأطياف .. أطياف الحضرة العتيقة التي غدت مجرد فلكلور ..
فيا أيها " البومسوس " الذي بوق ،
ويا أيتها الإسمنتيات الغاشمة ،
ويا أيها " الكيف " السيد الأمين ،
ويا أيتها الكاسات اللاسعة على الجوف ،
قد حان الوقت أن نتفارق
لحيز من الزمان سنتفارق
لحيز من الزمان سأسألني :
أين كنت ؟؟ ...
20 ــ 03 ــ 2019


ــ 2 ــ
ــ أين كنت يا خياط الشؤم وعصارة المراحيض الغاملة ؟؟ .. أنا أعلم أن هذا الذي يخاطبني سبابا لاذعا لا يعدو أن يكون سوى السيد أنا .. فلا تخش أنت تكون أنت المقصود .. لا تخش شيئا أيها المرعود .. أيها الذي عرض نفسه لمآسي الذكريات .. الذي ابتدأت حكايته حين أقحمته أمه زجرا دكانة الخياط .. سيتعلم .. طبعا سيفعل . طالما أنه ما أفلح في مدارس الأمة .. ومادام لم تلاحقه صروف الدنيا التي لا مناص سوى اتخاذ أعلى درجات الاستعياط لكل ما تنوء به نوائب الدهر ما أكثرها .. أقلها الانحراف ..
... لا شيء يشبهني يا عمود نور أوقفته البلدية ليضيء بوابة الزاوية الصوفية .. ولا شيء يشبهك أيضا .. إذ ألفيتني في واد من خانته السوائل ، وألفيتك قمرا وهاجا بلا عشاق ...
تلك هي الحكاية يا عزيزي الخياط .. انتهى بك الأمر ها هنا متخصصا في معاينة ومقايسة خاصرات النساء .. أنت لم تحتج أبدا إلى " السنتيم " المقايس ..
لعينيك فقط استجلاب شديد الدقة لا يخيب .. أبدا .. لا يخيب ..
انطفأ الليل عليك وعلى قرعتك .. وضوء قمرك المغشوش المقتحم شجع رغبتك في الرحيل مغالبا هذا الصمت الماطر..
وأنت تمشي أيها الخياط الظريف وتخيط برجليك المبللتين بالوحل أطوار آخر الدرب .. ها أنت تمشي دربك .. قلبك هو العكاز .. أما الحوذي فهو حدس القصيدة الذي يتأجج داخل صفحة روحك ممتزجا مع خبال الحاج نشوان الدراز .
أنت تمشي أيها المختلف .. لا شيء يشبهني .. لا شيء يشبهك .. يكفيني منك هذا اللقاء على ضوء عمود النور .. ثم فراق بغير ندم ترافقه نظرات متحسرة تصوبها إلى قنينة بلاستيكية فارغة .. لم تكن كذلك قبل قليل ...
23 ــ 03 ــ 2019
..................................................................................................................................
التوقيع : عبدالرحيم الرزقي
................................