هاشم مطر - فتنة الكتابة وأدب الرسائل- الحلقة الثالثة

فاطمة الفلاحي
2019 / 4 / 4

هاشم مطر " فتنة الكتابة وأدب الرسائل" الحلقة الثالثة من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، ومن صناعة الترسل– أدب الرسائل-" حوارنا مع الأديب هاشم مطر في "بؤرة ضوء"

"العقل رائد الرّوح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم"*1
تعددت فنون الكتابة وطرائقها، ضمت كل فنون النثر من الخطب ، المقامات، المناظرات، والرسائل تطورت وأصبحت قادرة على استيعاب أكثر الموضوعات التي عبّر عنها الشّعر العربيّ قديماً، وكان من نتيجة هذا التطوّر أصبح فن الرّسائلُ بخاصّـة يطـرق أبـواب الأدب وعمد كتّابه إلى ابتكار أساليب جديدة في نصوصهم ، تعكس الملكة التي يتمتعون بها، وتفضي إلى معاجمهم اللغوي، وثقافتهم، ومقدرتهم على الكتابـة، فأخرجوا الرّسـالة عـن الصورة التقليديّة الّتي ظلّت تلقي بظلالها على الرّسائل الإخوانيّة، والرّسائل الدّيوانيّة، سواءٌ في الشكل أو المضمون، ففتنة الكتابة تعتمد على قوالب فنيّة مبتدعة، تنأى عن القالب التقليديّ الذي درج عليه فنّ الرّسائل زمناً طويلاً؛ من حيث الصحة والفصاحة، وإكثارهم للغريب من الألفاظ.
وكأنه يقرؤني وكيف سيكون سؤالي الثاني له ، فضمن إجابته سؤالًا هو لكم :
" لكاتب الرسالة مجساته كون رسالته ستصيب من يقرأها وكأنها موجهة إليه تحديدًا، أو كتبت بلسان حاله، على الرغم من إنها موجهة بشأن خاص أو على نحو مماثل، ربما نعود لهذا الأمر في سؤال آخر، فخ عشبي آخر لا أعرفه." هاشم مطر*2
فبنيت قاعدة سؤالي على أن التحليل الأسلوبي يتعامل مع ثلاثة عناصر: العنصر اللغوي والعنصر النفعي والمؤلف، والموقف، والقارىء، وهدف الرسالة وغيرها.

3- كيف للعنصر الجمالي الأدبي يكشف عن تأثير النص في القارىء والتفسير والتقييم الأدبي له، فتغويه قراءة الرسائل دون أن تشعره بالملل؟

قلت في الحلقة الأولى من الحوار بأنني سوف أنأى عن الجانب النظري في إجاباتي، وسأضيف شيئا آخر هو كل ما هو مختلف عليه لحد اللحظة، فالشعر العربي مثلًا لم يستوعب كل فنون الكاتبة، بل ذهب د. طه حسين إلى أبعد من ذلك في كتابه "في الشعر الجاهلي" لينتهي إلى ما معناه أن (الشعر الجاهلي) لم يتأثر بالبيئة التاريخية الخارجية كما نراه في ملاحم الأغريق والفرس التي لم يعفها من الانتحال أصلًا. أقول هذا ليس من باب اختلافي أو اتفاقي معك في تقديمكِ للسؤال، إنما لكي أقفز بعيدًا عن هذا وذاك من الموانع الصارمة إلى ما هو أكثر رحابة، وهو ما انطوى عليه سؤالك ذاته في جانبه الحسي. أما إذا ما تبعت النتائج، وهي عرضة للفحص بحد ذاتها، فسأرغم نفسي على الانصياع التام والإلتزام بقوالبٍ لست راضٍ عنها تمامًا، ولا تمنحني دافع الخلق ومكنة التعشيق المعرفي لإنتاج مادة مرغوب بها. أقول هذا تيسيرًا للقارئ للمساحة التي نشتغل فيها. وسأفعل مثلما تسألين لتكون إجابتي مفتوحة قابلة للرأي والتأويل.

إنّ ما يجعل كاتب الرسالة شديد العاطفة فيكون تأثير رسالته قويًا ونافدًا، ويصيب بلا حدود، هو في الحقيقة مشاركة إنسانية حسية صرفة تحكمها الإرادة المطلقة ولا تثنيها كوابح، يضاف إليها عاطفتها وحُنُوٌّها ورِقتها مما يجعل ميلها تصاعديًا ودافقًا. فهل استغربنا مثلًا كيف استطاعت رسائل مارتن لوثر كينغ وكيندي وغاندي وعشرات آخرين غيرهم، وحتى الأفكار الذاهبة للغيب بمعناها الإنساني، أن تصيب الملايين من بني البشر، ما الذي جعلهم يستمرون بمغامرتهم وينجحون؟.
إنها بطبيعة الحال روح المشاركة الوجدانية والذات المغامرة لتغيير العالم، ولهم من المشتركات ما يغذي مساهمتهم كوقود مشتعل، ولا علاقة لذلك بزمن وجغرافيا، أو بداية ونهاية، هذا «منفعة وموقف» بالطبع. فما بالك أن تشتعل تلك المؤثرات في قلبٍ عاشقٍ، لا أقصد العشق بمعناه الفرداني إنما الوجودي المطلق. ولكن هل جعل كاتب الرسالة هدفًا لذلك؟ شخصيًا لا أظن ذلك، فالنجاح لا تحده الأهداف، والإنسان لا يبحث عن هدف إنما عن معنى حسب د. فرانكلين صاحب كتاب (الإنسان يبحث عن معنى)، وهو على حق بذلك. إنه السعي، المساهمة، المحاولة وتكرارها، والإصرار على تحويل الهزيمة والمعاناة إلى عامل مجدٍ ونافع، مواصلة إنسانية وتجربة مستمرة غير موجهة لشخص بحد ذاته.


لنأخذ مثالًا أقرب:
ما الذي جعل غسان يكتب رسائله إلى غادة؟ وهو الغارق لحد أذنيّه بأذى الحروب والهزائم والحياة المتقدة في كل إتجاه. وعلى الصعيد الشخصي لم ينقصه شيء سواء أن تعلق بالمال، فهو من رفض ميراث أبوه، أو أن تعلق الأمر بالشهرة فهو الأكثر حضوة من بين زملائه وأقرانه أو حتى في الحب والعلاقات.
بالقطع؛ وهذا خارج إلتزامي بالقول حرفيًا، كان تحت أفقه وجه آخر، ليس لإنسان بالتحديد، شيء لم توصّفه اللغة المتداولة، ولم تعنه على نحته، لا أقول صوفيًا كان، إنما ذلك النوع من الانشغال بمادة الوجود السامي الذي يهيل شذاه وعطره من نَزعات صامته فتلهم العاشق الأثيري (المشتبه به دائمًا) لشيء لا يعرفه نفسه على وجه التحديد. فلم يأت بيت الشعر القديم لأبي نؤاس (حامل الهوى تعب، يستفزه الطرب) إلا في هذا المشغل الروحي السامي، حتى جاء، بموشح (مضمّن) لصفي الدين الحلي، مع فارق الزمن، (و حقّ الهوى، ما خلت يومًا عن الهوى... و لكنّ نجمي في المحبّة قد هوى، جاء على نحو بذار شق طريقه إلى الأعلى كما وصفه الراهب الفينامي (Thich Nhat Hanh تكنوت خان) إبان الحرب، كونه بذار المحبة الأثيرية التي تنمو بطابقها الأعلى، وهي دلالة على كيفية التعامل الإيجابي مع المحيط في جانبه الحسي والشاعري ومحمولاته الإنسانية حتى وأن بلغت الحرب من قسوتها لحد لا تستطيع معها التنفس. إنّه تداخل كوني مثير.

اما المقابل فله دوره بالمشاركة، أحيانًا صامتة، كالتي فعلتها غادة بإرسالها رسالة إلى غسان كتبت إسمها في أولها واسمه في نهايتها وما بينهما تركته فارغًا!! فملأها غسان بإجود نثر عاطفي عرفناه. جاءت ردود معظم النقاد هُزوًا وشماتة أو أي شيء من هذا القبيل، أما ردود فعل القراء العاديين فهي الأكثر صدقًا. والحال لدى غادة هو مشاركة بـ(المؤامرة)، لتبقي على قوة الدفع الذاتي والضخ الوجداني ليصل إلى ذروته، فجاءت رسالته المعنونة بإسم "فائزة" وهي اخته، دقيقة الإصابة للآلاف إن لم تكن الملايين. شخصيًا لا أظن أن كل منهما يمتعهما اللقاء أكثر من كتابة الرسائل، فهل كان ذلك ساديًا؟ لا أبداً، إنما معرفة مضافة أسست وأغنت هذا النوع من الأدب الرفيع، وعلّمت الناس قيمة التعلق الإنساني بجانبه الحسي، لا الجسدي، الذي يذهب بالمعنى المتشظي من موشور المحبة وفتنتها، والخارج من سياقه الذاتي للعام، الإنسان، ومن ثم الأثيري قاطع الزمن والحدث معًا.

وهنا أعرج على (لعبة) ليست على غرار الألعاب التي نعرفها، هي لعبة الغياب الدائم أو المتكرر التي كلما انحسرت باعدها الاختيار ذاته. كيانان لا يلتقيان، شخصان منتجان، ملاحقان بيومية بائسة مغلّفة بالمألوف من النعوت يرطن بها المتندرون والصحافة المتذاكية. وهذا بالذات هو الفجوة بين المستَخدم الطبيعي كلغة وكنشاط إنساني بسيط، وبين ورطة الجموح بالخيال إلى ما هو أبعد، بل قل هو أثيري فلكي وغير متنه.
أما السؤال بـ لماذا؟ فعلى ما يبدو أن هناك طاقة لدى المبدع تلح عليه بترك بصمة وأثر يشتغل في العمق وليس في الركود والضحالة التي تمحي نفسها بنفسها بعد قليل من الزمن، أو هي كقطعة اسفنج شافطة للعواطف وإنشاء لا فائدة ترتجى منه. المبدع يشتغل في مساحة اسميها (الوخز) بين المتخيل والحاضر الطبيعي، ولو أردنا أن نستشهد فستكون رسائل إنسي الحاج الأحادية الجانب ضمن هذا السياق، كذلك شعراء الأغنية عظيمة الوجدانية من الشعراء المصريين، والحسية للشعراء اللبنانيين على وجه التحديد، هي الأكثر قربًا للإصابة المليونية، وأكثرهم لم يمر في حياته بتجربة عاطفية واحدة.

مثالًا آخر: أنا لا أكتب جوابًا على رسالتك، إنما أكتب (لك) في غياب التأثر الموضوعي المحدد، إلى ما يجعلني، في البعد والقرب، مستحيل المسك معهما حتى بخيط دخان، هذا شرط الإصابة الأول.
ربما تسألين أو أحدهم يسأل: ولماذا كل هذا العناء؟ ولماذا تفضيل الغياب على اللقاء؟

حسنًا؛ بالنسبة للمبدع الحي هنالك، لبنات أساسية، شخصية، ومنافذ محددة للكمال التي تضخ فيه إرادة الوصول إلى أبعد ما يراه في أفقه المنظور، وهذا ينطبق على مفاهيم الإبداع جميعها. فمن قال إن الباحثين عن قيمة علمية إنسانية لا يعانون أو يحزنون أو لا يخذلون؟. نجد هنا في مراسلات العلماء فيما بينهم ما يدعم رأينا فهم متصارعون وشكاؤون، جذلون بأقل من خطوة، وليس في التعقيد هنا ما يثير الحزن إلا على سائل الحقيقة المطلقة. وهكذا الأمر في جانبه الحسي الإبداعي كذلك في الأدب حتى جعل الشاعر القديم يقول «ليس لي في الجنان والنار رأي / أنا لا أبتغي بحبي بديلًا». وبذلك يضع المبدع كل ما ملكه في سياق الإصابة الدقيقة للمعنى، بما فيها إطلاق أكبر قدر من العاطفة وتحريرها ذاتيًا.
ولكن، ما الذي يحصل في حال تنتهي العواطف إلى نتائجها الطيبة باللقاء الدائم، على نحو مفرغ من أسباب ديموته؟ الكل سيجيب ستفرغ العلاقة كذلك من عوامل اندفاعاتها، بل من مجساتها التي حبستها مشتعلة لإنتاج غضب العلاقة ونورها، فتصاب بالضمور والإنتهاء إلى رتابة تكون (قاتلة) في أغلب الأحيان. لكن هذا كله لا يلغي الحميمية إذا قُدر لها أن تفعل فعلها في ذات الإتجاه فتصيب كذلك. فالفتنة الوجودية علاقة ملامسة وشعورية كيانية للمحبين، وظافرة بالمعنى في مضامير أخرى، لكنها ليست شرطًا بالنسبة للمنتج الأدبي.
وبقدر تعلق الأمر بإجابتي كذلك على سؤالك الذي لا أعتبره سؤلًا بقدر ما هو مواربة ذكية مقلقة لفتحه أكثر من إجابة من مصادر مختلفة، كما ذهبتُ إليه، وتتوحد في سهم مصيب واحد هو قلب القائل ذاته . أولًا لتتنقل بمزيج من ليونة وجموح وعنفوان فيصبح مشروع العظماء واقعًا، وأدب الكتّاب زاخرًا بلطفه ليصيب قلب المتلقي. إذن هو سياق يشبه هيولية المواد، وإن ازدت فهو من صلبها، ترى كيف جعلنا من الحديد والحجر مواد حسية ناطقة؟.
إنّه الحب فقط بما فيه على صعيد الفلسفة وأركانها الصامتة، وسحرية مدمجة بالمكنة الحسية في الروح بإطلاق سحرها الرابض الذي يمتلكه الجميع من دون استثناء، وحتى الجماد. فهل فكرنا في هذه الرحلة المشتركة الرائعة يا ترى ونحن نكتب!.
لذلك اشتقت اللغة إلى مستويات ما اصطلح عليه قديمًا بـ (الحب الإلهي) بين حب ووجد وصبابة وهيام وشوق وجزع وعشق ووله وشوق وغرام وهيام ودهش وشجى وهوى...، ومازالت بمجملها ناقصة، وما زالت النفس تتوق إلى إحداثيات يحث عليها العقل الباطن بسبب أن العقل المفرد (غبي) إلى درجة لا يفهم سوى المفردة ومعناها، فلا ينتج ادبًا. فإذا كنت كاتبًا أو تريد ذلك، عليك باستخدام لغة أخرى لا تخضع للتصنيف، لغة بين السمع والجسد والحس والعاطفة إلى ما الى ذلك لإنتاج نص يعنى فقط بالشرط اللإرادي التلقائي. وأنا اعتصر ذهني فلا أنجح بإرسال هذه الرسالة/الفكرة إلى القارئ، ولكن حينما أترك مشغلي للمطلق، إلى فسيح التأمل والمواربة التي منحها لي سؤالك استطيع فعل ذلك بأمان.
ومع مصداقية الحال برمته في هذه المادة نستطيع إيجاز القول بأن فردانية المعنى تتجه بإصابتها نحو الشامل منها، ومن دون قارئ مهيأ بذات الشروط ستصاب بالعمى فتخطئ الطريق، وهذا الاحتباس يفكه نص الكاتب/المصدر ليفعل فعله مستخدمًا جميع العناصر التي ذهبنا إليها في هذه الرسالة، وهي ضمانة جودة النص وإصابته، كذلك الحال نوع السؤال الذي نسأله ونتركه في مشغل العقل الداخلي/اللوعي subconscious، ربنا نعود لهذا المشغل الغريب في إجابة أخرى. فأتمنى أن يشاركني القارئ اللمّاح برأيه، فسيجد نفسه أكثر براعة.

شيء آخر عليك باستخدام لغة ومفردات ميسرة غير قاموسية مفبركة ومعقدة أو مسجعة كثيرًا ما نراها حتى في أدب (كبار) الكتّاب والشعراء، فلا تبخل بإطلاق النار عليها، وكن واثقًا بذلك، فكل شيء جانَبَ في توازنه مع الحياة أصبح منبوذًا ولا خير فيه. وفي هذا توالدية سيميائة، أساسية وملهمة، لإنتاج لغوي جديد دائمًا. أورد مثلًا لذلك كثير من الشعراء (الكبار) لا تتواصل أشعارهم مع أفكارها، بل هناك أما قافية ظالمة في العمود، أو الغموض في الحديث/الجديد منها. كثير من النثر ما أن بدأنا بقراءته حتى تركناه، وضاعت علينا قيم الموازنة الجمالية وروح المغامرة التي نبحث عنها.
أعرف ستقولين إن هذا جزء من الموضوع! حسنا لنستمر نحو الخاص.


________________
*1 ابن عبد ربه، (أحمد بن محمد)، العقد الفريد، تحقيق: عبد الحميد الترحيني، مفيد محمد قمحية، بيـروت، دار الكتـب 1 .123 /2 ،العلمية
*2 من إجابة هاشم مطر في الحلقة الثانية

انتظرونا عند "ما تأثير التصوير البياني على أخيلة وتشبيهات واستعارات الكاتب في رسائل المراثي" في شيء يشبه الحكايا، وسنان ينظر من خرم الإبرة!؟" من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، ومن صناعة الترسَّل– أدب الرسائل-" "الحلقة الرابعة من حوارنا مع الأديب هاشم مطر في"بؤرة ضوء"