سبل الانتصار على ترامب وصهيونية الاحتلال الإقصائي

حاتم الجوهرى
2019 / 4 / 1

انتهت منذ ساعات قليلة القمة العربية العادية رقم (30) التي عقدت في تونس الخضراء، وكان يشغلها موضوع رئيسي وهو دعم القضية الفلسطينية في مواجهة توقيع ترامب على وثيقة تعترف بسيطرة إسرائيل على هضبة الجولان السورية وتجعلها أمرا واقعا، وقبلها أعلن ترمب نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل وأن المكان الوحيد الذي يستطيع الفلسطينيون إقامة دولتهم فيه هو أرض سيناء، بالإضافة إلى أنه يعلن صراحة أن ذلك كله تحت اسم صفقة القرن.

دعوية حروب العصور الوسطى
وفي واقع الأمر صفقة القرن وتفاصيلها التي آخرها ملف هضبة الجولان السورية ليست سوى الوجه الحقيقي لمركز الحضارة الأوربية المعاصرة في شكلها التوسعي الاستعماري الذي واكب مرحلة الحداثة/ النهضة الذي يعبر عنه ترامب..
لنبسط الأمر تمييزا له عن مرحلة حروب العصور الوسطى الدينية التوسعية نحو الشرق؛ سنقول أن الحروب الصليبية مهما وقعت في أخطاء ومزج بالدوافع الدنيوية في سياقها، فرغم كل شيء ظلت حربا دعوية عند مستوى ما تسعى لرفعة العقيدة الدينية المسيحية وتتحرك باسمها ولو صوريا، ربما قامت ببعض أعمال الإرهاب الجماعي والترويع لبلاد المسلمين في أثناء ذلك، لكنها لم تكن احتلالا استقصائيا يقوم على إبادة الآخر، بل ظلت في النهاية –ورغم كل التجاوزات – تزعم هداية البشر لنور المسيح عليه السلام.

حروب الحداثة الإقصائية/ غير الدعوية
لكن بيت القصيد هنا هو رصد الاختلاف بين حروب أوربا في العصور الوسطى خارجيا باسم الصليب، وبين حروب عصر الحداثة/ النهضة وفكرة الاستعمار التوسعي غير الدعوي القائم على إقصاء الآخر أو قتله أو استعباده والتصفية الجماعية للشعوب، ترامب يعود بنا بوضوح لعصر التفوق العرقي الأبيض أسوأ منتجات العقل الأوربي في مرحلة الحداثة، وهى القاعدة نفسها التي اعتمد عليها هتلر وطبقها الاستعمار الأوربي قبله في أمريكا حينما أبادوا قبائل الهنود الحمر، وحينما هاجموا شواطىء القارة السمراء وأسروا رجالها وانساءها واستعبدوهم كعرق أدنى ليقوم بالأعمال اليدوية الشاقة بدلا منهم.

أمريكا/ الصهيونية: حضارة الإبادة الجماعية والاحتلال الإقصائي
ترامب يعبر بوضوح عن هذه العقلية، حيث أن الصهيونية ودولتها العنصرية إسرائيل تقوم على الفكرة نفسها للحضارة الأوربية في عصر النهضة/ الحداثة، الصهيونية ليست احتلالا دعويا للعرب (باستثناء خرافات الصهيونية الماركسية عن احتلال تقدمي لفلسطين)، هى هنا تلتقي مع العقلية الأمريكية في فكرتها عن الحضارة والاحتلال الإقصائي للآخر كما فعلت مع الهنود الحمر والقتل الجماعي للشعوب، وكما فعلت في مواجهة اليابان في الحرب العالمية الثانية، حيث كان يمكن كسب الحرب على الجبهة اليابانية بالطرق التقليدية ، ولكنها كانت في حاجة لممارسة قدرتها على القتل الجماعي مرة أخرى مرتين وليس مرة واحدة في هيروشيما ونجازاكي.
الاحتلال الصهيوني يعيد لترامب ذاكرة القتل الجماعي والاحتلال الإقصائي التي قامت عليها أمريكا وحضارة العرق الأبيض المتفوق في عصر الحداثة/ النهضة، حروب أمريكا في القرن الماضي كانت كلها من أجل التفكيك ولم تكن أبدا حروبا دعوية، كل البلاد التي دخلتها أمريكا تفككت، انظروا للصومال والعراق وأفغانستان وغيرهم.

الصهيونية كامتداد لعنصرية تفوق الرجل الأبيض/ الحداثة
الصهيونية ليست سوى احتلالا إقصائيا نافيا للآخر، لا وجود لخرافة السلام مع الصهيونية ودولتها لأنها جاءت بفكرة التفوق العرقي/ الديني مع هدف إزاحة العرب الفلسطينيين لتكون كل الأرض لهم، وتستخدم لذلك كل أساليب الاحتلال الإقصائي من عمليات ترويع وقتل جماعي، تلتقي الصهيونية مع حضارة الغرب/ الحداثة في انها جعلت المسألة اليهودية تتحول لمنتج عقلاني آخر من منتجات الحداثة الأوربية الحاضنة لها، قبل الصهيونية كانت المسألة اليهودية هناك مجرد شوكة في الضمير الأوربي يتمنى الخلاص منها.

البنية المزدوجة للصهيونية
مع الصهيونية السياسية لهرتزل تحولت المسألة لشيء يمكن لأوربا الاستفادة منه وظيفيا، ومع الصهيونية الماركسية كانت مرحلة قدمت المسألة اليهودية في ثوب فلسفي دعم خروج يهود أوربا المنظم نحو فلسطين باسم الاحتلال التقدمي/ الحداثة، ومع وجود الاحتلال على أرض الواقع في فلسطين عادت الصهيونية لمركزها في عقلية الاستعمار الإقصائي للحداثة الأوربية، معتبرة نفسها امتدادا للرجل الأبيض المتفوق من جهة، ووريثة الثقافة القومية اليهودية عن تفوق أحفاد إسحاق ويعقوب (بني إسرائيل) عليهما السلام، على أحفاد إسماعيل (العرب المسلمين) عليه السلام من جهة أخرى.

سياسة "القفز للأمام في فترات التناقض"
ترامب يمثل المرحلة الامبراطورية للحضارة الأمريكية ويعبر عن عنجهية القوة وغرور الهيمنة ويرى في المرحلة العربية الحالية فراغا سياسيا في علاقته مع قاعدته الجماهيرية، ترامب يعرف المسافة بين الدول العربية وشعوبها بسبب القطيعة مع معظم مطالب الثورات العربية في دول الموجة الأولى، وسيطرة التناقض التقليدي بين حماس/ السلطة على فلسطين ومنعه نشوء بديل جديد يعبر عن توحد فلسطين مع مطالب الثورة العربية، وإسرائيل/ نتنياهو تعلم ذلك أيضا وتعتمد سياسة يمكن تسميتها بـ"القفز للأمام في فترات التناقض" العربي، ولولا صمود الوعي الفلسطيني شعبيا لنجحت هذه السياسة في ملف القدس تحديدا، حيث أوقف المد الشعبي غير المنظم أو المُسيس المخططات الصهيونية.

الذات الصامدة/ غير القابلة للإقصاء
لن تتكسر أوهام ترامب وسياسة إسرائيل عن "القفز للأمام في فترات التناقض" إلا حينما يتأكدون من أن الذات العربية غير قابلة للإقصاء/ النفي/ الإزاحة، مشكلة الاحتلال الصهيوني أنه احتلال إقصائي عنصري يتمركز حول ذاته ويرى فيها التفوق على الآخر لحد النفي والإبادة تماما، ومشكلة العرب غياب مشروع مركزي للنهضة واستعادة مقومات الذات العربية ومتطلبات ذلك..
ليظل الحراك الشعبي الذي يتفجر كالعنقاء في أوقات بعينها هو حائط الصد الأخير ودليل الحياة الأبرز في الجسد العربي العتيق، الدليل الذي يستمر في الإثبات كل مرة ورغم كل الظروف أن الذات العربية ليست قابلة للإقصاء، وذلك إلى أن يحدث التوحد بين حراك الجموع العربية وبين مشروع عربي للنهضة تتجاوز به الذات العربية مرحلة الصمود، وتنتقل لمرحلة الدفع الحضاري للصهيونية/ أمريكا للوراء.

الاتكاء على مساحة التناقض الأمريكي الأوربي
وحشد التأييد الدولي
في هذه الإثناء هناك الكثير مما يمكن للعرب أن يقوموا به؛ هناك تناقض ما بدأ يتشكل داخل المركز الأوربي الحاضنة التاريخية للصهيونية، دول المركز القديم في فرنسا وبريطانيا لم تعد تسيطر على كامل أوربا، ظهرت بعض المراكز الفرعية تحاول تبن يوجهة نظر اكثر عدالة، لكنها في حاجة لخطاب عربي موضوعي يعرض وجهة نظر الفلسطينيين وحقوقهم العادلة، ويبرز الصهيونية كامتداد لوجه أوربا القبيح العنصري/ الحداثي/ النهضة، حينها يمكن للقضية العربية أن تكتسب زخما شعبيا وسياسيا، يوقف أوهام ترامب وعنجهيته، على أن يتواكب ذلك مع الجهود الدبلوماسية خارج المركز الأوربي في الصين وروسيا وأوربا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا والهند، لحشد التأييد للحق الفلسطيني وحصار الصهيونية، إضافة لتفعيل المواثيق الدولية في المؤسسات الأممية التي تشارك بها الدول العربية وما أكثرها، واللجوء لوسائل الضغط الدبلوماسي المعتعارف عليها في مثل هذه الحالات.
يجب وجود رؤية فكرية للصراع تقدم الصهيونية كامتداد لوجه أوربا الاستعماري الإقصائي القبيح، يدفع لتفكيك الحاضنة التاريخية الأوربية لهم هناك ووضعها أمام مسئوليتها التاريخية، ثم تتحول هذه الرؤية الفكرية لخطط عملية دبلوماسية وثقافية يتحرك من خلالها السياسيون العرب في أروقة المؤسسات الدولية.