صباح الخير ياأمى

حمدى عبد العزيز
2019 / 3 / 24

في هذه الأيام وفي كل أيام عمري كنت ولاأزال فخوراً باسم أمي نسيمة أحمد قطب دويدار ..

تلك الفلاحة المصرية التي كانت وستظل أستاذي الأول في هذه الحياة ..

وهي حتي هذه اللحظة في عداد الأحياء بالنسبة لي ..
لدرجة أنني لم أعد اهتم بما إذا كانت قد رحلت أم لا ..

ودائماً ماأحدث نفسي..
إذا لم تكن هي موجودة بالفعل دائماً ، فما الذي يعنيه الوجود ، وماهي فكرتي عنه إذاً ؟

، هاهي الآن عاكفة علي تبديد جهلي العظيم ، فتلقنني درسها البليغ عن ماهية الرحيل والحضور

ثم أنها أمي التي ماان علمت بإلقاء القبض علي في يوم فتح السفارة الإسرائيلية في القاهرة حتي اخذت أخي الصغير عصام الذي كنت قد وعدتها أنني سأذهب به إلي الطبيب عند عودتي من العمل ، وذهبت هي به إلي الطبيب دون أن تطلب من أحد المساعدة ، وعادت إلي منزلنا لتفاجأ بعدد من النسوة الأقارب والجيران يقابلنها علي باب شقتنا داخلين معها إلي حيث صالتنا التي ترتص فيها "الكنبات" ليبدأن في الندب علي أبنها وعائلها وعائل أخوته الشاب الذي ضاع مستقبله والعين الوحيدة التي انفقعت كنوع من المجاملة المعتادة في المجتمعات الريفية وشبه الريفية الشعبية ..

هي أمي التي نهضت واقفة في قلب صالتنا ناهرة هؤلاء قائلة لهم
ـ "اللي جايه هنا عشان تعملها مندبه تتفضل مع السلامه ، ومتشكرين..
إبني مش ممسوك ف سرقه ولااختلاس ، ولاحاجه وحشه لاسمح الله .. إبني ممسوك ف قضيه تشرفني وتشرفه " ..

وهي التي قال لي الدكتور سينوت حنا - فيما بعد - أنه عندما زارها ليطمئنها علي .. كانت مرفوعة الرأس وفخورة بابنها البكري الذي دخل إلي مصاف الرجال وأصبح له زملاء ورفاق يأتون له من دمنهور وكفر الدوار والأسكندرية والدلنجات ورشيد من صنف الدكتور سينوت حنا ومجدي شرابيه وعبد المجيد أحمد وتيسير عثمان وعبد المجيد الدويل وسعد قنديل وعلي عبد الحفيظ وثروت سرور ، وزهدي الشامي وغيرهم

أبنها الذي يترافع عنه حسين عبد ربه وأحمد نبيل الهلالي وعطيه شعلان وخيري قلج هو بالتأكيد قد مشي في طريق لايشوبه البطلان ، ولابد أن تقف في ظهره كصديقة وكاتمة أسرار حيث أن فارق السن بينها وبين هذا الولد الذي أصبح رجل لايتخطي الأربع عشرة عاماً ..

هي كانت تعرف أن ابنها البكري يخبئ حزم من الكتب والمقالات والمنشورات الممنوعة في بطن الكنبة التي ينام عليها ، والتي دخلت هي بها ككنبة وكسحارة أمينة لأغلي مقتنيات العروس حسب تقاليد الريف القديم ، قبل ان استخدمها أنا كمخبأ للكتب والكتابات والمنشورات المعارضة لنظام السادات ..

كانت تعرف أن ابنها يفتح لضيوف متعاقبين باب حجرة الجلوس وكانت تعرف أنها اجتماعات لشباب ورجال حالمون بغد أفضل وتحرر حقيقي للإنسان من إستغلال الإنسان ..

هي أمي التي كانت تجلس علي كنبتها في صالة المنزل في مواجهة باب البيت لتفتح للرفاق التي كانت تعرفهم جيداً ، وكانت أثناء الإجتماعات إذا ماطرق أحدهم الباب تخبره بأنني قد خرجت إلي مكان ما لاتعرفه وأنها لاتعرف متي أعود حتي ينصرف الطارق الطارئ ..

كانت لاترهب السادات ، وكانت تسميه "الراجل أبو زبيبة" وتبتسم في سخرية حين يخصص جانباً من خطابه كل مرة ليتوعد الشيوعيين بالديمقراطية ذات الأنياب والأظافر ، ويشهر بهم ، ويحذر منهم .. فقط كانت تضحك قائلة :
"جهز شنطتك وخلي اصحابك يجهزوا شنطهم ياحلو .. استلقي وعدك بقي .. أبو ذبيبه ناولكم خلاص" ..

هي أمي
التي كانت تحب رفاقي ، وتتعامل معهم علي اعتبار أنهم أصحاب حق وفضل علي أبنها ، فلولا معرفته بمجدي شرابية وعبد المجيد أحمد ومحمد هبة الله ، وتيسير عثمان ، وسينوت حنا ، وزهدي الشامي .. لولا معرفته بهؤلاء ربما لكان ولداً تافهاً لاقيمة له عند الناس ، وهي التي كانت تتمناني رجلاً تمشي إلي جواره ليعوضها عن ذلك الزوج الذي التهمه فيروس الكبد الوبائي ، ويشد ظهرها في مواجهة الزمن مع إخوته الصغار الذين تركهم الأب وأكبرهم كانت علي باب التعليم الجامعي ، والثلاثة الباقين توزعوا مابين المدارس الإعدادية والإبتدائية ..

هي أمي التي سندتني ، وكنت عوداً طرياً ربما كنت في طريقي لأكون خائب الرجاء وخيبة من خيبات الأمل ..
فجعلت مني الرجل الذي تولي أمر أخوته الصغار ..
رغم أنها في الحقيقة هي من رفعت الحمل علي ظهرها لا أنا ..
وهي من دبرت ، ووفرت ..
وماأنا إلا رجل صنعته بإرادتها الفولازية كريفية لاتحب أن تهزمها الحياة ..

صنعتني عبر سهرها ، ودموعها وصبرها وجلدها ، وحنينها وحنانها ، والآمها ، تضحياتها بكثير من مباهج الحياة المشروعة ..
ألم أقل لكم انها أستاذي الأول في هذا العالم ؟

أمي التي لم تشهد اختراع الغسالات الأتوماتيكية، ولم تمتلك الغسالة الكهربية إلا في آواخر أيامها ..

اذكر صحوها المبكر مشمرة عن ساعديها وساقيها ، لتجلس علي كرسي خشبي لايرتفع عن الأرض إلا لخمسة سنتيمترات تقريبا ، أمام طست كبير وكومة كبيرة من ثيابنا المتسخة ، وتشعل وابور الجاز (موقدنا الذي كان يعمل بالكيروسين) علي وعاء الماء الضخم (الماجور المعدني) الذي ماان يغلي فتلقي فيه بقطع مركب الصودا الكاوية (البوتاس) ..
ثم تلقي بثيابنا البيضاء والفاتحة اللون في هذا الماجور وتقلبها بعصاة كانت تسميها (عصاية الغلية) ثم تخرجه ساخناً إلي الطست لتبدأ علي الفور فركها، ودعكها وعصرها ثم بيديها ثم تعيد الكرة مرات في ذلك الطست الذي تختلط مياهه برغاوي الصابون ومساحيق الرابسو أو السافو ..

ثم يأتي الدور علي الملابس الملونة إلي أن تتأكد من نظافة ونصاعة ملابسنا نحن أبنائها الأربعة بالإضافة لملابس أبي المتنوعة وملابسها هي أيضاً

، ولتنتهي من كل عمليات الفرك فالدعك فالعصر المجهدة ، وهذا الإنكفاء المضني علي طست الغسيل قبل أن تأتي شمس الظهيرة التي تتكفل بتجفيف ماعلقته أمي علي حبال الشرفات من ملابس مبتلة مابين أبيض وملون ، وداخلي ومنزلي وخروج ..

كنت أري يديها بعد هذا الغسيل الذي يتكرر مرتين من كل اسبوع وقد التهبتا من جراء استخدام البوتاس والمسحوقات الأخري ، لدرجة الإدماء ..

لم ينتهي هذا المشهد الذي كان يشعل الغصة في قلبي كطفل ثم كصبي إلا عندما صرت رجلاً ، وحصلت علي فرصة عملي فاشتريت لها الغسالة الكهربية كأول هدية عيد أم اتقدم لها بها .. بعد أن كنت أقدم لها كروتا ملونة بها ورود وزهور لاتنفعها ولاتضرها في كل عيد أم من كل عام ..

لم تكن أمي فريدة بين ملايين الأمهات المصريات اللواتي عشن هذه الظروف قبل أن تصل آياديهن إلي الغسالة الكهربية ..

صباح الخير لذكري أمي التي شقيت في حياتها كثيراً ..
وصباح الخير لذكري هؤلاء الأمهات اللواتي شقين مثلها..

وصباح الخير
لأولئك، الأمهات اللواتي امتهن هذه الأعمال المنزلية كمهن تعين علي الرزق ، ليرحن الهوانم من زوجات وامهات علية القوم الذين دائماً مايسكنون وراء أسوار تخبئ الأشجار الوارفة المزهرة التي كنا نحن الصبية نضرب افرعها بالحصي ونحن نتراهن علي اسقاط أزهارها الملونة ..

صباح الخير لجميع الأمهات ..