دولة ما بعد الاستقلال والموجة الثانية من الثورات العربية

حاتم الجوهرى
2019 / 3 / 18

أثار تحرك الجزائر والسودان في الآوانة الأخيرة نحو الشعارات والمسار ذاته للموجة الأولى من الثورات العربية مطلع هذا العقد؛ التساؤلات حول مستقبل حلم التغيير العربي بعيدا عن الأبنية التاريخية للسلطة العربية وكذلك بدائلها الحزبية والسياسية المطروحة، إذا استبعدنا الحديث عن التفاصيل الصغيرة الخاصة بتجربة كل بلد سنجد بيت القصيد حاضرا كمشترك يجمع الدول العربية منذ أواسط القرن الماضي.

منظومة قيم ما بعد الاستقلال
في حقيقة الأمر نحن بصدد تَشكل منظومة قيم جديدة في مواجهة منظومة قيم أقدم وتلك سنة الحياة وصيرورتها، المنظومة العربية القديمة تتمركز حول دولة ما بعد الاستقلال من الاحتلال والنفوذ الأجنبي المباشر في القرن الماضي، وما ارتبط بها من شعارات قومية ووطنية تحررية، حيث تحولت شعارات فترة التحرر الوطني في العالم العربي إلى بنية اجتماعية متكلسة، وسيطرت على بناء التراتب الاجتماعي وتوزيع الخدمات والمنافع السيادية والأراضي في معظم الدول العربية، وتحولت لفكرة المزايدة والتخوين تجاه كل فكر نقدي أو إبداعي جديد يطالب بإصلاحات سياسية أو بيروقراطية أو بالعدالة في توزيع الخدمات والمنافع السيادية وأراضي الدولة، كوسيلة لإعادة تشكيل وتفكيك التراتب الاجتماعي المتكلس الداعم لمنظومة القيم تلك.

منظومة قيم العدالة والفرز الطبيعي البديل
منظومة القيم الجديدة ترتبط بوجود تراتب اجتماعي بديل وموازي يعتمد على مهارات فردية خلقت وجودها بعيدا عن آليات الدمج والتسكين الاجتماعي التي سيطرت عليها دولة ما بعد الاستقلال، فشَكل ذلك التراتب الاجتماعي الموازي في الدول العربية منظومة قيم نقدية تقوم على ضرورة الفرز الطبيعي ومنح أفضل العناصر في كل مجتمع الفرصة لتقوده، كبديل عن الفرز وفق الولاء، وقامت على تجاوز شعارات مرحلة التحرر التقليدية لتقارن نفسها بالدول المتقدمة ومشاريعها النهضوية، وبحثت عن مساحة أكثر من التعبير عن الذات لا تكتفي فقط بتحررها، إنما تقوم على نهضتها وتفوقها، حقيقة الصراع هنا بين المنظومتين يقوم على الهدف والغاية من وراء كل منهما.

مركز عسكري قوي وأطراف مدنية هامشية
دولة ما بعد الاستقلال في معظم الدول العربية قامت على بنية عسكرية تنتظم حولها مجموعة من المؤسسات المدنية الضعيفة لحد بعيد، والبنية العسكرية أوقفت نفسها على شعارات الفخر والاعتزاز بالذات وتحررها التاريخي القديم كمبرر لسيطرتها الأبدية على السلطة، وظلت تبرر كل عجز أو فشل أو جمود بتلك الشعارات وتستلهم منها شرعيتها ووجودها، لكن منظومة القيم الجديدة في الثورات العربية تطالب بنهضة الذات العربية وتفوقها لا الاكتفاء بالتشدق بشعارات دولة ما بعد الاستقلال، التي أوقفت البلاد العربية محلك سر قرابة قرنا إلا ربع الآن.

معارضة جامدة وعجز البدائل القديمة
الثورات العربية ومنظومة قيمها تختلف كذلك عن مشاريع المعارضة السياسية التاريخية في الدول العربية يمينا ويسارا، فضغوط وحصار الأنظمة السياسية ذات البنية العسكرية للتمثلات الحزبية العربية جعل الأحزاب تصاب بحالة من الجمود أيضا وتجاهد في سبيل مجرد البقاء على قيد الحياة، لكن كان الثمن أن ابتعد المفكرين السياسيين والمجددين الاجتماعيين عنها، وسيطر عليها المستوى التنظيمي في كل حزب الذي اعتقد بدوره أنه في معركة عسكرية من أجل البقاء، فانفصل شيئا فشيئا عن الجماهير، وأصبحت الأحزب العربية ظاهرة منغلقة على ذاتها تمارس خطابا للاستهلاك الذاتي كطائفة دينية منعزلة.

خلق التناقضات وإدارتها وضرورة الحركة خارجها
ناهيك عن أن المهارة الرئيسية التي تستخدمها أنظمة ما بعد الاستقلال هى خلق التناقضات السياسية وإدارتها وتشكيلها، فتعمد إلى أن ترعى فرق الدين السياسي حينا وتوظفهم لضرب المد الشعبي والحراك الطلابي غير المُنظم، وفي حين آخر توظفهم في مواجهة الأحزاب السياسية مثيرة أبرز تناقض عربي بين التراث والحداثة أو الدين والعلمانية.. بما يجعل الحل يكمن في تطور بديل سياسي وفكري جديد خارج الأبنية التاريخية يمينا ويسارا، يعبر عن طموح الثورة بعيدا عن تناقضات القرن الماضي بجدليتها العبثية حول ثنائية التراث والتحديث.

فرادة النموذجين الجزائري والسوداني
النموذجان الجزائري والسوداني يختلفان بعض الشيء، من جهة إدارة التناقضات وتوظيف فرق الدين السياسي؛ تحديدا يختلفان عن النموذج المصري والسوري واليمني، ففي هذه البلدان الثلاثة تم استخدام فرق الدين السياسي لتفكيك الموجة الأولى من الثورة العربية، فتم تقديم الإخوان كبديل سياسي تحالف مع البنية العسكرية لدولة ما بعد الاستقلال في مصر إلى حين، وفي سوريا تم توظيف فرق الدين السياسي كفزاعة للإرهاب تبرر لدولة ما بعد الاستقلال في سوريا استمرارها في السلطة، وفي اليمن انتهى الأمر لتوظيف تمثل جديد لفرق الدين السياسي الشيعي المحسوب على إيران لخلق تناقض استمرار دولة ما بعد الاستقلال هناك.
لكن النموذجان الجزائري والسوداني يختلفان بعض الشيء في البحث عن بديل لتفكيك الموجة الأولى من الثورة هناك، لأن تمثل فرق الدين السياسي في الجزائر احترق في علاقته بدولة ما بعد الاستقلال من خلال فظائع جبهة الإنقاذ الجزائرية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كما أن المسألة في دولة ما بعد الاستقلال في السودان أكثر تعقيدا لأن النظام هناك تزاوجت بنيته العسكرية مع فرق الدين السياسي من خلال الرئيس عمر البشير كرجل عسكري ينتمي لفرق الدين السياسي.
الموجة الثانية من الثورة العربية في الجزائر والسودان ستبحث عن بدائل أخرى من خلال التناقضات السياسية المتاحة للتحايل على استحقاقات المرحلة، إنما قد لا يكون ذلك عبر التوظيف المباشر لفرق الدين السياسي – رغم احتمالية ذلك – كما حدث في دول الموجة الأولى، لاحتراق المساحة بينهما في الحالة الجزائرية ولتوحد المسافة بينهما لحد بعيد في الحالة السودانية.

أحلام أم أوهام: ما بدأه سوار الذهب
لكن يبقى الدرس ملحا؛ دولة ما بعد الاستقلال العربية وبنيتها العسكرية في حاجة لمبادرة تكمل الطريق الذي خطه الجنرال سوار الذهب في السودان عندما تنازل عن السلطة عن طيب خاطر بكامل إرادته، ستظل الثورة العربية في حالة حراك وتدافع مستمر وموجة تلو أخرى حتى الوصول لبديل سياسي يدعم منظومة القيم الجديدة.
دولة ما بعد الاستقلال في حاجة لأن يبادر أحد مراكزها الكبرى ربما في مصر أو الجزائر أو غيرهما، للتخلى عن السلطة وطي مرحلة ما بعد الاستقلال الموروثة من القرن الماضي من مسيرة البلاد العربية، من خلال تأسيس نظام سياسي واجتماعي حقيقي يعمل كضابط لدولة النهضة الجديدة واستعادة الذات وهويتها، اكتفى المشير سوار الذهب بتسليم السلطة لحكومة مدنية غير عسكرية، لكن دون تغيير في بنية التراتب الاجتماعي وتركة الخدمات والمصالح السيادية القديمة، دون تأسيس لمنظومة قيم أو نظرية جديدة تفكك التراتب الاجتماعي القديم.

احتمالات مفتوحة: للأمام والخلف معا
تجاوز دولة ما بعد الاستقلال في الحالة العربية قد يكون طواعية من خلال مبادرة رومانسية مثالية ما كما فعل سوار الذهب، لكنه قد يمر عبر الطريق الطويل للموجات الثورية المتوالية وتبادلها بين الدول العربية، ربما لن تكون الجزائر والسودان هما آخر محطات القطار، ربما يعود القطار للوراء قليلا ليستكمل شيئا ما قد تركه في محطة سابقة، لكن الأكيد أن الجزائر ومعها السودان ألهبت طموح التغيير والأمل عند المواطن العربي.