- ثقافة المقاومة - من فعلُ الكتابة، يلازمه وعيه الأنطولوجي حد تخوم اللغة . . الحلقة الرابعة من حوارنا مع الأديب جواد غلوم في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي
2019 / 3 / 15

" ثقافة المقاومة " من فعلُ الكتابة، يلازمه وعيه الأنطولوجي حد تخوم اللغة . . الحلقة الرابعة من حوارنا مع الأديب جواد غلوم في "بؤرة ضوء"

"نموت كي يحيا الوطن يحيا لمن؟
لابن زنى يهتكه .. ثم يقاضيه الثمن؟!
لمن؟
لاثنين وعشرين وباءً مزمناً لمن؟
حتى يرعوي عن غيّه ويطلب الغفران من عند الوثن؟!
لاثنين وعشرين لقيطاً يتّهمون الله بالكفر وإشعال الفتن ويختمون بيته بالشمع"
__________

يا قمة الأزياء
سوّدت وجوهكم من قمة
ما أقبح الكروش من أمامكم
وأقبح الكروش من ورائكم
ومن يشابه كرشه فما ظلم
قمم ... قمم .. قمم...

4. مظفر النواب وأحمد مطر فضحت أشعارهم الواقع السياسي العراقي . هارولد بينتر (يهودي الأصل) ترك كتابة المسرحيات وانتهج مبدأ السياسة وثقافة المقاومة في كتاباته ؛ عارض سياسة أمريكا وبريطانيا وإسرائيل في حروبهم وانتهاكاتهم اللإنسانية بحجة العولمة . ، هل ستضيق الخناق على الشعر وتولي بوجهك شطر الكتابة لمن أُثقلت أدمغتهم بالمفاهيم المغلوطة، علمًا بأنك تأمل في " غودو آتٍ لامحالة "* أم ستقيد النار في غابات شعرك ، ويتسرب الشعر من كفك صفعات ؟

سيدتي الاديبة اللامعة الكريمة ان الشعر رفيقي منذ صباي وضع كفّه في كفي وعقدنا صداقة وثيقة وحززنا رقبتينا قسَما غليظا الاّ نفترق ؛ وذمّة لا انفصام فيها ان نعيش معا حياة مشتركة في السراء والضراء وفي الضيق والسعة وفي حالات الهدأة والجلجلة والصخب والسكون وان نشد وثاقنا بحبل متين ونتعاهد الا نفترق سواء في الايام الحلوة والمرّة .
نحن مثل (مالك وعقيل صديقان لا يفترقان ) ؛ كما يقول مثلنا العربي عقدنا صداقة وثيقة واحيانا اهجره أمدا لا يطول كثيرا بسبب انشغالات الحياة فأراه يأتيني ليلا خلسةً ويزاحمني سريري بل ويتلبس جلدي فآنس وأسعد بوجوده رغم ثقل دمه وعنته وصبيانيته في أحايين كثيرة ؛ انه مثل حبيبة غريبة الاطوار تصدّ آنا وتردّ آنا آخر .
رافقني الشعر في فتوتي بمدينة قدّسوها وشرّفوها ولكن بشكل مشوّه فنزعوا عنها جمال الفن سواء كان تشكيلا او عروضا مسرحية او تمثيلية ؛ انها مدينة تخلو من كل وهج فني حيث لا مسرح ولا حتى دار سينما ولا معارض رسم او غالريهات فلم أجد غير واحة الشعر ملاذا والكتاب ملجأً .
غير اني افلت من اسار هذا الشعر الذي يتلبسني احيانا كثيرة فاكتب عما يجري لنا من اوضاع سياسية مربكة وأحوال اجتماعية متدنية لابد من تسليط الضوء على سقطاتها عسى ان اشعل عود ثقاب وسط محيطنا الكالح الذي نعيشه ولا اخفي يأسي المديد وكأني انفخ في قربة مخرومة وهذا هو قدرنا ان اهلي محكومون بالاذعان للعِمّة والجبّة والعقال المعتمر في راس شيخ القبيلة ويخضعون لأمراء الحروب ومثيري النزاعات وأسافل السياسيين ويهزأون بهندام التحضر والمدنية والمساواة والمواطنة بسبب النعرات العرقية والاصطفافات الطائفية التي وضعت لنا عمدا وقصدا من اجل ان نتنازع وتعمى عيوننا ويضيع رشد عقولنا من استبيان الطريق السويّ الذي يوصلنا الى مرابع الخير والسلام والطمأنينة حالنا حال بقية الشعوب التي ادركت اخطاءها وتجاوزتها باتجاه الأصوب
ولاكون صريحا واقول بملء فمي اننا رضعنا من ثديين سامين هما الثدي الديني والثدي القومي
وهما مازالا يغذيان هذه الحشود من المحيط الى الخليج بلبن فاسد يودي الى التخلف والجهالة والنرجسية الفارغة من أي منجز فكري متقدم وخطوات الى الامام بل اننا نفعل العكس فنضع العقبات والعثرات الجسام والمطبات من اجل ان يبقى انساننا مشدود الخطو ولا يجرؤ على تخطي الموانع الفكرية بذريعة الحرام والحلال وممنوع التجاوز والعيب واحترام العرف والاّ فالقتل والجلد والسجن وكاتم الصوت مصير من لا يرعوي ومن لا ينصاع للخرافة والهذر والمرويات الكاذبة

كيف لي ان اخون رفقةً تقارب الخمسين عاما مع صديقي الشعر ؟

من اين لي الجرأة على حرق اوراقي الشعرية وهي التي اصطبغت من دمي ودمعي ومن ادخنة احتراقي الداخلي حين ارى محيطي اضحى رمادا وخرابا ؟

قد اعتب وألوم وأتحسر وأشقى ولكن محال ان أنحر شعري وأحزّ رقبته
ففي ليلة موحشة طويلة من لياليِّ النابغية بطيئة الكواكب وانا اعيش الوحدة كتبت قصيدة طويلة نسبيا أسميتها " عتاب الى جدّنا المتنبي " وقد اكون خرجت عن طوري وفقدت اتزاني بسبب ما ارى من غرائبية وفقدان المعايير والخروج الطائش عن العقلانية لأختم اجابتي لك ، ومعذرة لصلافتي ووقاحتي التي لم اعهدها فيّ ولكن طفح الحزن والهمّ والخيبة واليأس جرّني الى كتابتها

قلت في بعض أبياتها :

يـا جــدّنـا المُــتـنَــبّـــي هــاجَـنــي هَــلَــــعٌ

قَـــومِــي هَــوانٌ عَــريْــض مـا لـه زخَـــمُ

الخَــيْــل والــليْــل والــبـيْــداء تَـعْــرفــهُــم

شَــعْـــبٌ خَـنُــوعٌ ورعْــديــد ومُـــنْــهَــزمُ

هــذا الــذي نــظــر الأعـمى بــه خَــطــلٌ

فَــعَــابَــهُ ، وتَــوارى مــن بــه صَــمَــــم

مــا لـي اكَــتّــم شـعْــرا فــيـه مَـفْـــسَـــدة

ولا يُـــطــبــبُ داءً مَــــن بِـــه سَــقَــــــم

ما ينـفـع الــشعــر جُـهّـالاً بـهـم سَــفَــــهٌ

ان كــان قــائِــدُ شَـعْــبٍ شــكْلُــهُ صَـنَــم

جَــهْــلٌ تَــفَـشّــى بهـم في كـل زاويـــةٍ

وغــادر الحبْــر والــقــرطاس والقلَـــمُ

هي العزيمة ضاعَــت من ضمائِـرهُــم

واسْــتَــوطَــن العقْــم والتبديد والهَــرم

لا يــظْــلم الله أقْــوامَــا بــلا سَـــبَـــبٍ

إنّ الـرعــاديْـــد لا نُــبْــلٌ ولا كَــــرم

فلتنظروا كيف هذي الناس قد نهضت

الـى المكارم صعْــداً ، فـالـعلا شَـمَــم

ونحـن نسْــفل قــاعـاً بعْــد مُــنْـحَــدرٍ

يَــسوقُــنا الوهـم والتضليْـل والحـلُــم

نعــيْــش وسْــط ظلام حـالِــك أبَـــدا

رفـيـقـنا الشّــؤم والخـذلان والقَـتَــم

تسمو الشعوب بناءً ، رفعةً ، خُـلُقا

ونحن نهْــدم عمرانا كما هَــدمُــوا

نُروى بـبول بعيـرٍ ، ننتشي نجسَــاً

كما يَـبـول وراءً ، عكْـسهُ الغَـنَــمُ

أبـا مُــحسّـد قُــلْـتَ الشعــر أعجبهُ

أمـا سكَــتَّ ؛ فـماذا ينـفـع الكلــــم

هي العقول تـناءت والعيون قَــذى

فــلم نَــعُــدْ لسليم العـقـل نحتكـــم

أضحى الحقير شريفا والدنيء أباً

وضاعت القيم السـمحاء والشيَــم

الليث حَــنّ علينا واختلى حَـزَنــاً

صار الزّنيمُ بـديلاً عـنه يـبـتســمُ

نشكرك رفقتكم وإيانا مع الأديب الرائع جواد غلوم الذي تفضل مشكورا على اقتطاع جزءًا من وقته الثمين وكان معنا في هذا اللقاء .