موقف القرآن ممن لم يؤمن بالإسلام 9/18

ضياء الشكرجي
2019 / 3 / 12

موقف القرآن ممن لم يؤمن بالإسلام 9/18
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
www.nasmaa.org
نشرت كمقالة باسمي المستعار (تنزيه العقيلي).
«إِنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ، وَما اختَلَفَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ إِلّا مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلمُ بَغياً بَينَهُم، وَمَن يَّكفُر بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَريعُ الحِسابِ، فَإن حاجّوكَ، فَقُل أَسلَمتُ وَجهي للهِ، وَمَنِ اتَّبَعَني، وَقُل لِّلَّذينَ أوتُوا الكِتابَ والأُمّيينَ أَأَسلَمتُم، فَإِن أَسلَموا فَقَدِ اهتَدَوا، وَّإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ، واللهُ بَصيرٌ بِالعِبادِ».
لا أطيل هنا، فقد أوردت ملاحظاتي في مكان آخر. على النحو العام يمكن عدّ هذا النص من النصوص الأكثر تسامحا، أو الأقل تشددا تجاه الآخر. لكنه يقرر «إِنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ»، وبالتالي فأي دين آخر غير معترف به إلا بحدود. قد يذهب بعض التنويريين أو بعض التبريريين إلى القول بأن المقصود بالإسلام هو معناه الأعم، وليس معناه الأخص، فمصطلح (الإسلام) في القرآن، ومشتقاته (مسلم)، (مسلمون)، (أسلم/ـموا)، (يُسلم/ـمون) يأتي تارة بمعنى الدين الإسلامي، وتارة بمعنى الإسلام لله، أي التسليم له، وهو معنى قد ينطبق على بعض المسلمين، دون وجوب انطباقه عليهم جميعا، وعلى بعض غير المسلمين من المؤمنين بالله المسلمين له، وإن اختلفت طرق وسبل وصيغ الإسلام له، فهما وأداءً. ولكن إذا علمنا أن هذا المعنى في هذا النص بالذات - حسب معظم المفسرين - هو الإسلام بمعناه الخاص، وإذا قرن هذا النص بالكم الهائل من القرائن القرآنية والنبوية الأخرى، لم نجد فيه إلا معنى دعوى احتكار الحق والحقيقة والصواب والهدى واستحقاق ثواب الله. وذيل الآية يدل على أن المقصود بالإسلام هنا هو الدين الإسلامي: «وَقُل لِّلَّذينَ أوتُوا الكِتابَ والأُمّيينَ أَأَسلَمتُم، فَإِن أَسلَموا فَقَدِ اهتَدَوا، وَّإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ، واللهُ بَصيرٌ بِالعِبادِ».
ويتأكد أكثر هذا المعنى، أي حصر الدين المقبول من الله في الإسلام في نفس السورة آل عمران 85-89 بالنص الآتي:
«وَمَن يَّبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ ديناً فَلَن يُّقبَلَ مِنهُ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ، كَيفَ يَهدِي اللهُ قَوماً كَفَروا بَعدَ إيمانِهِم وَشَهِدوا أَنَّ الرَّسولَ حَقٌّ، وَجاءَهُمُ البَيِّناتُ، وَاللهُ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ؛ أوُلائِكَ جَزاؤُهُم أَنَّ عَلَيهِم لَعنَةَ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ، خالِدينَ فيها لا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذابُ وَلا هُم يُنظَرونَ، إِلاَّ الَّذينَ تابوا مِن بَعدِ ذالِكَ وَأَصلَحوا، فَإِنَّ اللهَ غَفورٌ رَّحيمٌ».
أولا «وَمَن يَّبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ ديناً فَلَن يُّقبَلَ مِنهُ»، وثانيا فإنه «فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ»، ثم يبرر النص عدم إمكان هداية الله لهؤلاء، لأنهم يمثلون «القَومَ الظّالِمينَ»، ثم يصب «عَلَيهِم لَعنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجمَعينَ»، هذه اللعنة التي تعني العذابات التي سيكونون «خالِدينَ فيها»، وبعد كل هذا «لا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذابُ وَلا هُم يُنظَرونَ»، ولكن يعطف القرآن على هؤلاء، فيستثني منهم «الَّذينَ تابوا مِن بَعدِ ذالِكَ وَأَصلَحوا»، أي الذين عادوا إلى حضيرة الإسلام، بقناعة أو من غير قناعة، فيقرر عن الله: بأنّه عندها «غَفورٌ رَّحيمٌ»، فالله يغفر لمن يغفر له القائل بهذا النص، ويرحم من يرحمه، ولا يستحق المغفرة والرحمة إلا من ألغى عقله وقناعته وإرادته، وأسلم لصاحب النص، ولدينه، من حيث دعوى أنه يمثل إسلامه لله. فلنتأمل في مدى التأزم والتوتر والاحتقان من صاحب الدعوة الإسلامية تجاه من لم يصدقه، أو من صدقه، فتبين له غير ما اقتنع به ابتداءً، فأعاد النظر في دينه الجديد، فتخلى عنه. وهناك العديد من مثل هذه النصوص، لا يسع المقام استقصاءها جميعا. فللعلم إني أكتب [المقالة في حينها] باسترسال ودون جهد استثنائي لعدم توفر الوقت لي، وإلا فلو أريد لهذا الموضوع أن يكون دراسة مستفيضة وبحثا شاملا معمقا، لخرج بغير ما خرج به، ولكن ما لا يدركه المرء كاملا، فليدرك الممكن والمتأتي منه.