فرنسا ونبوءة الجسر بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية

حاتم الجوهرى
2019 / 3 / 9


سارتر وأصل الداء
حينما ترجمت كتاب سارتر: "نأملات في المسألة فى اليهودية" عام 2016م الذي حُجب عن العربية لمدة سبعين عاما، كان من أبرز ما حذرت منه في دراستي النقدية المصاحبة للكتاب التي عنونتها: "سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجودي للفلسطينين"، أن سارتر في أطروحته الفلسفية لتحرير يهود أوربا من اضطهاد النازية ومسيحية العصور الوسطى ربط بين معاداة السامية بسياقها الأوربي النازي والمسيحي، وبين دعم الصهيونية كأبرز أفعال التحرر الوجودي والوعي العام بالذات الجمعية عند اليهود.

بيان صحيفة لوفيجارو
وفي العام الماضي حينما أصدرت صحيفة لوفيجارو الفرنسية بيانها الشهير ضد ما أسمته معاداة السامية الجديدة، كتبت مجددا محذرا من أن الربط بين معاداة السامية ودعم الصهيونية متجذر في الثقافة الفرنسية والأوربية منذ كتاب سارتر وأطروحته في المسألة اليهودية، وأشرت لضرورة تطور خطاب عربي للرد على ادعاءات الثقافة الفرنسية والربط بين ما أسمته بمعاداة السامية الجديدة وبين دعم الصهيونية والعداء للعرب والجاليات العربية في أوربا وخلقث صورة نمطية جديددة لهم.

السترات الصفراء على الخط
وها أنا ذا أكتب هذا العام للمرة الثالثة في موضوع الربط بين معاداة السامية وبين دعم الصهيونية الكامن في نسيج الثقافة الفرتسية والأوربية، والذي ينتظر أى فرصة ليطل برأسه ويعلن عن نفسه، والذي جاء هذه المرة في خضم احتجاجات "السترات الصفراء"، ففي يوم السبت الماضي 16 فبراير وعلى هامش التظاهرة الأسبوعية الرابعة عشر على التوالى لـ"السترات الصفراء" في فرنسا، تم توجيه هتاف عدائي للكاتب الفرنسي اليهودي الصهيوني آلان فينكل كراوت (صاحب المواقف الصهيونية العنصرية من أطفال فلسطين)، على خلفية موقفه الذي انقلب من تأييد حركة السترات الصفراء وتظاهراتها، إلى إعلان رفضه لاستمرارها ووصفها بالسخافة على حد قوله وأنها لا تعلم متي تتوقف، وكان مقطع مصور متوافر على الإنترنت قد سجل هتاف بعض المتظاهرين ضد كراوت وهم يصيحون بشعارات مثل: "ارحل.. صهيوني قذر.. نحن الشعب.. فرنسا لنا".

الخلط بين معاداة السامية القديمة وواقعة السترات الصفراء
لكن ما أثار رد الفعل ودفعه لأقصاه لم تكن مجرد تلك الواقعة مع كراوت، إنما تواكب ذلك مع واقعة أخرى حدثت مساء الاثنين بعيدا عن الشانزليزية وتظاهرات السترات الصفراء في باريس، وذلك في مدينة كاتسنهايم بمنطقة الألزاس شرق فرنسا حيث تم تدنيس عدة مدافن يهودية بأن رسم على شواهدها الصليب المعقوف، رمز المرحلة النازية في فرنسا التي شهدت اضطهاد الألمان ليهود فرنسا، في واقعة ليست هى الأولى من نوعها مؤخرا إنما سبقتها حوادث مماثلة كما في منتصف ديسمبر الماضي 2018 في منطقة هيرليشايم قرب مدينة ستراسبورج شمال شرق فرنسا أيضا، وكانت مدينة ستراسبورج ذاتها قد شهدت وقائع مماثلة في العام 2015.
حيث جاء رد الفعل قويا للغاية يوم الثلاثاء 19 فبراير الماضي، ومن رأس الدولة الفرنسية إيمانويل ماكرون، الذي توجه بنفسه إلى منطقة الألزاس منددا بالحادث، وقام في دلالة رمزية بوضع حجر على إحدى المقابر التي تم تدنيسها بالصليب النازي المعقوف، ثم عاد بعدها إلى باريس ليشارك في تظاهرة بميدان الجمهورية الشهير، ضمت معظم أطياف المشهد السياسي الفرنسي الرسمي والحزبي والنقابي والشعبي، تحت شعار "كفي" لرفض ممارسات معاداة السامية، ورغم أن الدعوة الأساسية لتظاهرة ذلك الثلاثاء ضد معاداة السامية كانت قد انطلقت الخميس الذي يسبقه، قبل واقعة كراوت يوم السبت وواقعة المدافن ليلة الاثنين، إلا أن الواقعتين هما ما أعطاها كل هذا الزخم.

في مواجهة صورة نمطية جديدة للعرب
لكن ما يعنيا نحن كعرب في المسألة هما نقطتان بين الفعل ورد الفعل الفرنسي إزاء معادة السامية هناك، التي هى إرث مرحلة الاحتلال النازي لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، النقطة الأولى ألا يتم الربط معاداة السامية وبين معاداة الصهيونية، والنقطة الثانية ألا يتم الربط بين المعادين للسامية من النازيين الأوربيين وبين الجاليات العربية الأوربية في أوربا وموقفها الداعم للحق الفلسطيني في مواجهة العنصرية والإرهاب الصهيونيين وحرية التعبير عنه.
أو بشكل أكثر وضوح في هذه النقطة ألا يتم خلق صورة نمطية جديدة للجاليات العربية في أوربا كخطر محتمل على الجاليات اليهودية هناك، وإن أردات جالية يهودية ما أو بعض المنتمين إليها دعم الممارسات العنصرية للصهيونية في إسرائيل بشكل علني، فيجب التأكيد على أن ذلك ليس فعلا دينيا إنما هو فعل سياسي قائم على العنصرية والاحتلال والكراهية، يحق لمن يتظاهر ضده علانية ويعلن رأيه فيه من جالية عربية ما كلها أو بعضها أن يقوم به ويدعو له، دون أن يصفه أحدهم بان ذلك فعل ديني عنصري مدعوم بالكراهية الإسلامية ونصوصها المحرضة ضد الآخر، كما ادعى بيان صحيفة لوفيجارو الفرنسية العام الماضي، عن معاداة سامية جديدة ضد يهود أوربا وربطها بالمسلمين هناك ونصوصهم الدينية.

السياسي والديني في المسألة
يجب هنا الفصل في الخطاب بوضوح بين ما هو سياسي وما هو ديني بالنسبة لأوربا والجاليات العربية واليهودية المقيمة بها، عداء أوربا لليهود من سكانها كان على أساس عرقي ديني عنصري عُرف بمعاداة السامية، في العصور الوسطى كان دافعه ديني بحجة خيانة اليهود للسيد المسيح عليه السلام، وفي العصر الحديث كان دافعه عرقي بحجة تفوق الجنس الآري الأوربي واضطهاد النازية الآرية لمن وصفتهم بالأعراق الأدنى ومنها اليهود.
في حين ارتبط عداء العرب لبعض اليهود بما هو سياسي قائم على الاحتلال وممارساته العنصرية فيما عرف بالمشروع الصهيوني، فموقف العرب بالأساس هو ليس ديني ضد اليهود إنما ضد المؤمنين بالصهيونية من اليهود ومشروعهم السياسي القائم على اغتصاب حق العرب الفلسطينيين في الوجود كجماعة سياسية مستقلة، من حقها وجود منظمات معبرة عنها وببنية سياسية واضحة بحدود مُرسمة، وهو ما ترفضه الصهيونية ودولة إسرائيل، وترفض الاعتراف بالعرب الفلسطينيين كبشر لهم حق تقرير المصير، كما نص مشروع القومية اليهودية العنصري الذي طرح العام الماضي في إسرائيل، ورفض الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، وكأنهم فئة دنيا من البشر وحض على الكراهية ضدهم.

توظيف فرنسي رسمي لحصار السترات الصفراء
والخطورة في المشهد الفرنسي الآن هو ما يمكن أن يستغله ماكرون داخليا وخارجيا في محاولة الخروج منتصرا في المواجهة مع السترات الصفراء وتوظيفه لموضوع "معاداة السامية" والربط بينه وبين وصف بعض المتظاهرين كراوت بـ"الصهيوني القذر" كنقطة إدانة ضدهم، مستغلا حالة التعاطف مع يهود فرنسا، والتناقض التاريخي لدى الفرنسيين في ظل أن حكومة فيشي الفرنسية الموالية للاحتلال النازي لفرنسا آنذاك، كانت تدعم سياسة اضطهاد اليهود النازية رسميا وربما يوجد بقايا لهذا التوجه داخل الدولة الفرنسية للآن.
ورغم أن ماكرون قال في تصريحاته يوم: "لا أظن أن تجريم معاداة الصهيونية يمثل حلا"، إلا ان التصريح ذاته وطرحه على المائدة من جانبه فيه نوع من التهديد المضمر لربط السترات الصفراء بمعاداة السامية بالعداء للصهيونية، في فاتورة لابد للعرب من الانتباه لها جيدا، وإلا دفعوا ثمنها غاليا جدا فيما بعد، حيث طرح بعد ذلك مشاريع لتجريم العداء للصهيونية ووضعه على قدم المساواة مع العداء للسامية.

توظيف صهاينة فرنسا للمسألة
لم يفوت الصهاينة من يهود فرنسا المناسبة حيث استنكر رئيس المجلس الكنسي ليهود فرنسا جويل مرغوي أن تظاهرات ذلك الثلاثاء لم تهتف بـ" لا لمعاداة الصهيونية" إلى جانب دعوته المجتمع المدني الفرنسي لاتخاذ خطوات ضد معاداة السامية، كما ان نتنياهو ووزراء حكومته لم يكونوا بعيدين عن انتهاز الفرصة أيضا، للربط بين معاداة السامية في أروبا ودعم الصهيونية في دولة إسرائيل كواحة سلام وخلاص ليهود أوربا من نير الاضطهاد، فقد نادى وزير الهجرة الاسرائيلي يوآف جلانت اليهود الفرنسيين بالقدوم إلى الوطن إسرائيل، فيما وصف نتنياهو ما حدث للمقابر بالوحشية، كما أن بعض أحزاب اليمين الفرنسي في تعليقها على الأحداث الأخيرة ربطت بين معاداة السامية، وبين نمو الجاليات المسلمة في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى.

ضد معاداة السامية
لذا فإن الوعي العربي يبرز في القدرة على المواجهة الهادئة والتعبير عن الموقف الحاسم من مسألة معاداة السامية بسياقها الأوربي ومعاداة الصهيونية بسياقها العربي، وذلك من خلال إبراز التأييد والدعم اللا محدود والرفض لممارسات الكراهية تجاه يهود أوربا، التي تتم بدافع عرقي وديني كالذي حدث في واقعة المقابر بالألزاس شرق فرنسا في سياق معاداة السامية النازية، ويجب على الجاليات العربية الحضور في تلك المناسبات بقوة والتعبير عن رأيهم ضدها بوضوح مطلق.

مع إدانة الصهيونية
وفي الوقت نفسه إدانة الممارسات الصهيونية العنصرية التي تحدث بدافع الكراهية ضد عرب فلسطين، وضد من يدعمون الصهيونية من يهود أوربا، نحن مع دعوة رئيس المجلس الكنسي ليهود فرنسا ضد ممارسات معاداة السامية النازية، ومع مشاركة الجاليات العربية ورموزها فيها بقوة، لكننا في الوقت نفسه سنعلن رفضنا التام لاستخدام الدين اليهودي وتوظيفه سياسيا، من جانب رئيس المجلس الكنسي ليهود فرنسا لدعم الممارسات السياسية العنصرية للصهيوينة في إسرائيل والدعاية لها، والدفاع عن حق الجاليات العربية في التعبير عن موقفها هذا ضده.

الخطاب العربي الغائب
مرارا وتكرارا أعيد القول؛ العرب في حاجة للوقوف على الجذور الفكرية لدعم الصهيونية في حاضنتها الأوربية، ورد التمثلات الفكرية الحالية مثل ظاهرة معاداة السامية الجديدة في فرنسا إلى أصولها التاريخية لبيان كيفية مواجهتها، مراكز الأبحاث العربية يجب أن تطور من خطابها لتستبق خطاب الكراهية الأوربي الجديد الموجه للعرب ومحاولته لخلق صورة نمطية جديدة للجاليات العربية هناك كخطر محتمل على الجاليات اليهودية، وفي الوقت نفسه التأكيد على الفصل بين ما هو سياسي يتعلق بالصهيونية والتصدي لها، وبين ما هو ديني او عرقي يرتبط باليهود ورفض العداء العنصري لهم، يجب أن تستبق المراكز العربية الأحداث بخطوة وتطور من خطابها وتقدمه للعالم، وإلا سندفع ثمن التقصير غاليا.