ذكريات ولد كوردي 21

جمشيد ابراهيم
2019 / 3 / 4

ذكريات ولد كوردي 21
كان عندنا في الثانوية عدد من الطلاب الكورد الفيليين باسماء تجدها بكثرة عند الشيعة الكورد في ايران و العراق مثل رضا علي و علي اكبر و عجم جوهر (جوهر كوردية - فارسية من گوهر: المجوهرات) وغلام يتكلمون بلغة عربية طليقة جدا و لربما لم يتعلموا الكوردية الا القليل او بعبارة اخرى استعربوا و كان هناك طالب كوردي فيلي ينظر لي و يقول: انا عربي و سخرية القدرهنا هي انهم بالذات هم الذين تعرضوا الى الابعاد الى ايران من قبل الحكومة البعثية العنصرية بتهمة كونهم ايرانيين و هم الذين يعيشون في العراق من اب عن جد تركوا ثقافتهم الكوردية و ساهموا في اغناء التراث العربي العراقي اكثر من العرب.

لايمكن بالتأكيد ان نتجاهل مساهمات الفنانات و الفنانين الكورد مثل الفنان الكوردي الكبير (رضا علي) في الموسيقى و الغناء العربي العراقي رغم تعرضه الى التفرقة العربية العنصرية و رغم ان العرب كانت هي المحتلة للعراق بعد الاسلام (راجع اصل اسم العراق و بغداد في مقالاتي على هذا الموقع) . كان هناك ولد اسمه غلام يبيع اللواشه (نوع من الخبز لربما كوردية الاصل) و يصيح باعلى صوته (لواشه) في درج الشقق عندما كنا نسكن في الشقة فوق كراج لتصليح السيارات في بغداد.

لابد ان اتوقف هناعن ارهاب الخوف: الذي عاش و يعيش في العراق لابد ان يعاني من الخوف و يخاف من العين في بلد جمهوريات الخوف و لكن و لربما بدرجات متفاوتة اما بالنسبة لي شخصيا فان الخوف زرع في نفسي من الطفولة و زاد حدته بسبب الابعاد و التغيرات الجذرية خاصة اللغوية و الثقافية من محيط كوردي الى محيط شيعي عربي و الى محيط سني عربي و اخيرا الى المحيط الالماني الانجليزي. تحول الخوف من السلطات الى الخوف من الانسان الشرقي نفسه بملامحه الخاصة لدرجة لا ازال اشعر بعدم الارتياح كلما وقعت عيني على وجه شرقي بعقلية تضحك على كل شيء - عقلية تسخر من الانسان المعوق - لا تحترم الطبيعة و المرأة و الحيوان - لا تحترم حرية و كرامة الانسان - تتدخل في شؤون الناس - تربى على الواسطات و الرشوة - عقلية متناقضة بين الدين المتعصب و الاخلاق المنحطة و بين الوطنية المزيفة و الفساد و بين المتدين و الغشاش او باختصار عقلية فاسدة كليا من الرأس الى اخمص االقدم. لاحظ ايضا ان القرآن نفسه يتكلم عن الفساد بكثرة و هذا يعني بان الفساد له تأريخ طويل يرجع الى قبل الاسلام. كان هناك نوع اخر من الخوف من عين الحسد اصله اعتقد ديني لتجد اطفال علقت على ملابسهم علامة تسمى بـ (النزر) لربما من العربية نظر.

و لكن ورغم كل هذا الفساد المتفشي في الحكومة و الشعب - في الصغار و الكباركانت هناك جوانب كثيرة احبها لا استطيع العيش بدونها حتى في الغرب لارجع الى شرب الشاي الاسود من السماور و القوري بالاستكان و ابحث عن الاكلات و المطاعم الشرقية و استمع الى الاغاني القديمة و احن الى السبحة و بيوت الطين والعفوية الشرقية at random بسذاجتها و خربطتها و بازارها و مقاهيها و نرجيلتها و صمونها و بناتها و شمسها و حرارتها كما يمدحها Sir William Jones و انا في محيط غربي منظم منتظم مقيد و كاني انسان آلي ينجز و ينجز و ينجز - يعيش ليعمل - لا يعمل ليعيش - لاحسد الطبيب اليهودي العبقري Dr. Abraham في رواية الكاتب الانجليزي William Somerset Maugham الذي قرر ان يضرب مستقبله الباهر كافضل طببيب في لندن عرض الحائط و يترك الشهرة و المادة ليعيش حياة طبيب بسيط في الشرق يداوي الفقراء مقابل مبلغ رمزي بسيط و يقضي حياته مع ام لعدد كبير من اطفال ممزقة و وسخة ملابسهم - في بساطة يحسد عليها دون ان يندم و لا دقيقة واحدة.
www.jamshid-ibrahim.net