-الربيع العربي- بعد ثمان سنوات، الأسباب والنتائج !

عبدالله صالح
2019 / 2 / 28

" الربيع العربي " مصطلح شائع استخدمته وسائل الاعلام منذ انطلاقه في تونس يوم 17 كانون الأول عام 2010 وتعني تلك الاحتجاجات السلمية التي اندلعت في معظم الدول العربية. باكورة " الربيع العربي " بدأت من تونس إثر التظاهرات العارمة التي اندلعت هناك بعد أن أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه بعد استهداف مصدر رزقه من قبل الشرطة حيث كان بائعا متجولا، على اثرها بدأت التظاهرات واستمرت حتى يوم 14 كانون الثاني عام 2011 حين تجمعت حشود كبيرة من التونسيين أمام وزارة الداخلية حاملين ومرددين شعار (ارحل) فهرب الدكتاتور زين العابدين بن على وعائلته الى السعودية.

الأسباب
إذا كانت جملة من الأسباب الآنية لتلك التظاهرات هي انتشار الفساد وسوء الأحوال المَعيشية وانعدام الخدمات والبطالة وارتفاع أسعار السلع الأساسية باستمرار إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وخنق الحريات السياسية والفردية واضطهاد المرأة وفقا للتشريعات الاسلامية. فان الأسباب الرئيسية تكمن في تبني هذه الأنظمة لسياسة النيوليبراليزم التي أدت الى تراجع دور الدولة في الاقتصاد وتسريح العمال من القطاع العام بعد خصخصة مشاريعه وتحفيز العمل الوقتي وغير النظامي مما ادى الى حالة تحوّل فيها جزء كبير من سكان المدن الى مواطنين مهمشين مضطرين لتلبية الشروط القاسية للعمل من أجل تأمين ابسط متطلبات العيش وتحمل عبء الرفع التدريجي لأسعار السلع الأساسية لدرجة أدى بجزء منهم الى العيش خارج فضاءات الدور السكنية والتوجه نحو العيش في الشوارع ، وفي الوقت الذي كان يجب على الدولة تأمين مستلزمات الحياة للمواطنين ، تحولت الى شاهد يقف على الهامش من تلك الاحداث بحيث انحصر دورها في المراقبة وعقاب المخالف ( تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا هذه الأيام نموذج لهذه الحالة ) تلك هي من جملة الأسباب الرئيسية لاندلاع تلك التظاهرات والاحتجاجات . هذه الأسباب تعود الى الواجهة يوما بعد يوم وهو ما أدى وسيؤدي الى استمرار تلك الاحتجاجات والتظاهرات كما هو الحال الآن في العراق والسودان.

النتائج

احدى النتائج المباشرة لتلك الاحتجاجات هو كسر حاجز الخوف لدى الجماهير وارتفاع مستوى وعيها مما أدى الى امتداد هذه الموجة من التظاهرات العارمة لتشمل معظم الدول العربية التي كانت تعاني من نفس المآسي التي تسببت في اندلاع " ثورة الياسمين" في تونس، فقد أطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك ومن ثم بالرئيس الاسلامي الاخواني محمد مرسي والعقيد الليبي معمر القذافي والرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي تنازل عن الحكم ثم وصلت الى سوريا التي سرعان ما تحولت الانتفاضة فيها من سلمية الى انتفاضة مسلحة أدت الى اغراق البلد في موجة رهيبة من الحرب الاهلية التي تسببت في الدمار والخراب وقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ المعاصر، كذلك الحال في اليمن وليبيا ، كما وشملت هذه الاحتجاجات بدرجات متفاوتة كل من العراق و لبنان والبحرين والسعودية والجزائر والمغرب وموريتانيا .
هنا إذا لا بد لنا من الاشارة الى العناصر التي ساهمت في تراجع هذا " الربيع " لا بل وانتكاسته الى حد ما.
لا شك بأن هذه الموجة التي تبنى تفجيرها والمشاركة فيها وقيادتها العمال والكادحون والمهمشون وفقراء المدن والنساء وأقشار مجتمعية أخرى، كان يقف في طليعة هؤلاء وفي الصفوف الامامية الطيف الشبابي ،نساءً ورجالاً، قبل أن تسقط زمام الأمور في حبال الإسلام السياسي وقوى الثورة المضادة. لقد كانت هذه الاحداث بالقطع انتفاضات جماهيرية لكنها بدون قيادة، وبدون برنامج واضح، وبدون امتدادات شعبية منظمة ومهيكلة. أما الأحزاب الموجودة فيها وعلى الأرض، كانت إما متواطئة مع السلطة بدرجة أو بأخرى، أو بدون قاعدة جماهيرية يُعتمد عليها.
ركزت هذه التظاهرات على مسائل حقوق الانسان والحقوق الفردية وحقوق النساء والأقليات، ورغم أهمية هذه المطالب، إلا انها أدت الى نزع الطابع السياسي عنها وعدم ربطها ربطا جدليا وموضوعيا مع القضايا الاجتماعية والطبقية مما تسبب في عدم الانقطاع الراديكالي عن الأنظمة الحاكمة الموجودة وعدم التعامل معها كمنظومة واحدة، اقتصادية، اجتماعية سياسية. إذا ما كانت تلك الاحتجاجات قد انتشرت بسرعة مدهشة، من المشرق الى المغرب، موقعة بأربعة ديكتاتوريين في ستة أشهر، فإنّها لم تشهد ولا حتى طالبت بهذا القطع الراديكالي الثوري مع الأنظمة السابقة باعتبارها (باكيجاً) واحدا سلة واحدة لا يمكن تجزئتها وفي التحليل الأخير فان الإصلاح، رغم أهميته، يبقى اصلاحا والثورة تبقى ثورة.
الجماهير لم تخرج ولم تضحي من اجل تغيير شكل النظام والاوجه الحاكمة فيه واستبدال دكتاتور بآخر، بل كان حلمها هو القضاء النهائي على هذه الأنظمة، ولكنها، وفي الطريق نحو تحقيق هذا الهدف، افتقرت الى قيادة راديكالية شيوعية تستهدف هذه الأنظمة الطبقية من جذورها وليس من اشكالها، هذه الأنظمة التي لم تكن سوى أنظمة طبقية تعمل وفي كل الأجواء والمناسبات، على الحفاظ على مصالح الطبقة البرجوازية وديمومة نظامها السياسي بغض النظر عن قيامها ببعض الإصلاحات، كل ذلك أدى الى انتهاز قوى الثورة المضادة الفرصة للظهور من جديد والانقضاض على مجمل المكتسبات التي تحققت جراء هذه التظاهرات برحيل بعض من الحكام ثم ظهور بدلاء عنهم بلباس وشكل آخر كما حدث في مصر أو عسكرة الانتفاضة واغراقها في محرقة الطائفية والحروب الداخلية كما في اليمن وليبيا وسوريا.
ان ظهور قوى الثورة المضادة ناجم عن عدم قدرة تلك الاحتجاجات على ان تكون ثورية بالدرجة الكافية ، تقودها طبقة ثورية بأيديولوجيا ثورية بحيث تمنع مخاطر الارتداد من ظهور قوى الثورة المضادة، فغياب الايدولوجيا الثورية عن هذه الاحتجاجات كان من اهم أسباب انتكاستها لدرجة أفلت زمام الأمور من يد قادتها الأصليين وتحول ليد قوى إسلامية او حتى علمانية تشمل اجندتها تبني اقتصاد السوق وعلاقات الملكية و"العقلانية" النيوليبرالية وهو ما أدى الى نزع الطابع السياسي عنها وجعلها احتجاجات تطالب بإصلاحات لا غير.

ان من اهم أسباب انتكاسة هذه التظاهرات والاحتجاجات هو انعدام الأفق الطبقي الثوري وانعدام حزب الطبقة العاملة المسلح بالأفق الماركسي وغياب دور القادة الميدانيين المنبثقين من رحم نضال هذه الطبقة وحزبها وهو ما يجب التأكيد عليه مستقبلا من أجل توفير مستلزمات النجاح للمراحل اللاحقة من هذا النضال الثوري والاستفادة من دروس الانتكاسة التي حدثت.
28 / 2 / 2019