في تونس حوار من نار

عبد اللطيف بن سالم
2019 / 2 / 22

جريدة " الصباح " التونسية تكشف عن احتدام جديد للصراع الثقافي في تونس بعد إقالة وزير الشؤون الدينية السابق الدكتور عبد الجليل بن سالم على خلفية تصريحه بأن المذهب الوهابي المدعوم من طرف المملكة السعودية وراء كل الحوادث الإرهابية التي وقعت أخيرا في البلدان العربية وفي كامل المنطقة ودعا فيه إلى ضرورة مراجعة هذه المدرسة ، المدرسة الوهابية وإصلاح برامجها : "أصلحوا مدرستكم فالإرهاب تاريخيا متخرّج منكم "مضيفا إلى ذلك قوله " التكفيرُ لم يصدر من أيّ مدرسة أخرى من مدارس الإسلام، إلا من المدرسة الحنبلية والوهابية". فكان لهذه الإقالة من المؤيّدين وكان لها أيضا من الرافضين كما جاء في مقال ل( الصباح ) في هذا اليوم 06/11/2016 وهذا في رأيي مؤشر خطير وإيجابي في نفس الوقت لما ستمُرّ به تونس لاحقا من نقاشات وحوارات ساخنة قد تُفضي بالغافلين إلى معرفة الحقيقة والاستفادة منها في إصلاح ما فسد في تونس على كامل الأصعدة ونفرح عندئذ بعودة الوعي إلى أصحابه في تونسنا الجميلة المعروفة دوما بالاهتداء إلى الحكمة اللازمة في الوقت المناسب ولعله من واجب التونسيين اليوم أن يحمدوا الله ويشكروه على سلامة الدكتور بن سالم الذي لم يُصبه إلى حد الآن ما أصاب الأستاذ جمال خاشقجي .
حول الحرية في البلاد التونسية
وهل من الحرية أيضا اختراق القوانين ؟
أليس من يعتدي على مواطن كمن يعتدي على كل المواطنين في البلد ؟
خطر آخر صار يهددنا اليوم – بعد خطر الإرهاب – الخروجُ عن القوانين تعمّدا وتحديا .( قتل شخص في صفاقس ،الاعتداء على أملاك الغير في منوبة وفي قصور الساف وغيرها من المواقع هذا إلى جانب التهريب والتجارة الموازية ؟ ومن يدري ماذا ينتظرنا غدا)
من أفضل ما تحقق لنا من ثورتنا الموصوفة ب" المباركة " هو اتساع هامش الحرية عندنا وهذا ما يُسعدنا ويرفع من شأننا ونزداد به بين الأمم فخرا لأنه سيُساعدنا على المزيد من الخلق والإبداع دائما
لكن " الحرية " هذه هي قيمة إنسانية لا تُمنح ولا تُهدى ولكنها تُكتسبُ اكتسابا ولا يحصل عليها المرء اعتباطا دونما شعور بالمسؤولية نحوها أما هذه الحرية التي نخترق بها القوانين ونعتدي بها على غيرنا ونخرب بها ديارنا هي حرية من يُعرفون بالبلطجية وبالغوغائيين والبلهاء والأغبياء . أما الحرية الحقيقية فهي تلك التي نكتسبها عن وعي وعن شعور بالمسؤولية وتلك هي الحرية التي نرقي بها عن باقي الكائنات الحية والتي هي من صفات النبلاء .

رأي في السياسة التونسية
أنا لست سياسيا لكن من واجبي الوطني أن يكون لي رأي في السياسة:
المرأة التونسية" الحرة " لا تُلدغ من جُحرها مرّتين .
_ لما ظهر في تونس حزبُ " النداء " كان للتونسيين بمثابة صرخة مدوّية في طلب النجدة لإنقاذ تونس من خطر انتشار الفكر الظلامي فيها وتخليصها من حكم " الترويكا " الذي كان فاشلا على كل مستوى وكان النساء أكثر عدد من الرجال في تلبية هذا " النداء " لأنهن كنّ الأكثر تضررا من الرجال في حكم "الترويكا" التي عبثت بالبلاد وعاثت فيها فسادا.
لكن هذا " النداء" الذي استنجدنا به قد نقض العهد وغدر بنا هو أيضا في سبيل مصلحته في تأكيد ذاته في الحكم واستمرار البقاء وذلك بواسطة التحالف مع " النهضة " والوقوع في قبضتها ليتعاونا معا على الإطاحة بنا والانتقام منا كما تأكد ذلك بالفعل لاحقا . وهكذا قد وقع الغدر بالشعب التونسي مرتين منذ انطلاق هذه " الثورة - الطفرة " التي شوهت وجه تونس داخلا وخارجا :
الأولى لما صوّت هذا الشعب للنهضة أملا منها في خير جزاء في الدنيا اليوم وفي الآخرة غدا فغدرت به وانقلبت عليه انتقاما منه عوضا عن رئيسه الذي هرب ولم تنهض به كما كانت تدعي فعله لاحقا بدا .
والثانية لما عوّل على حزب " النداء " ليُنقذه من مخالب " النهضة " هذه ويأخذ بيده إلى شاطئ الأمان والرخاء والسؤدد فأسلم نفسه إليها عساه يمنع نفسه هذه هو أيضا من الأذى ، لهذا فإن ما صرح به السيد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية التونسية الحالي أخيرا حول مساواة المرأة مع الرجل في الميراث ( وتاليا في كل الحقوق والواجبات ) لا أظنه ينوي به سبقا حضاريا كما يعتقد البعض بقدر ما ينوي به خُدعة سياسية جديدة علها تنطوي مرة أخرى على الشعب التونسي " الكريم جدا "وعلى المرأة فيه بالخصوص فيزدادوا به تعلّقا إذا كانوا لا يزالون على نفس ذلك المستوى من " الفطنة " و" النباهة " كي لا نقول من ""الغباء ""الذي كانوا عليه سابقا وربما طالبوا بتجديد انتخابه مرة أخرى على رأس هذه الدولة أو بانتخاب ممثل له من نفس ذلك "النداء"وتلك هي اللعبة السياسية شئنا ذلك أم أبينا ، صراع دائم على الكراسي وليس هو صراعا من أجل مصلحة المواطن والوطن . فهل يدري أحد منا اليوم كم سيتحمل رأس تونس هذا من الضربات المُوجعة والمؤلمة قبل أن يتعافى ويأخذ في الشفاء اللازم ؟
فسفاط قفصة
ماذا يبقى لتونس لتستمر في العيش هانئة إذا توقفت فيها أيضا معامل فسفاط قفصة ؟ أليست هذه جريمة ضد الإنسانية ومن المفروض أن ينال المتسبُبون فيها أشد العقاب ؟
لا يمكن إطلاقا أن يكون المتسببون الحقيقيون في هذه الكارثة من العمال والمسئولين في الجهة لأنه من الطبيعي والبديهي أن يكون ذلك مضرا بمصالحهم الأساسية هم قبل غيرهم إذن فلابد للعقلاء والنزهاء من الوطنيين المخلصين من أن ينظروا في هذه المسألة في بعدها السياسي والاجتماعي خارج الدوائر المحلية والتفكير في ما عسى أن تكون له مصلحة في تخريب الاقتصاد التونسي من قريب أو من بعيد .
المعروف في علم النفس الاجتماعي أن الجماعة لا تتفاعل ولا تتشارك مع بعضها وجدانيا إلا على المستوى الأدنى من الوعي والمسئولية في حين هم الأفراد ممن يمكن أن يكونوا متميزين بأفكار قوية في مستواها العقلاني لكن قد تكون في الغالب خبيثة وهذا ما يجعلنا نعتقد أن وراء هذه الاضطرابات المتتالية في الحوض المنجمي بالجنوب التونسي عناصر( مخابراتية ) تخريبية مأجورة ممن لا يريدون لتونس الحالية الأمن والسلام ولا يريدون لها استقرارا في أي مجال من مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فلا بد إذن من النظر في هذه القضية من هذه الزاوية إذا أردما لبلادنا خيرا.
ولابد على الوطنيين الأحرار الذي يريدون خيرا لهذا البلد أن يعتبروا هذا التخريب نوعا آخر من الإرهاب المسلط على الدولة التونسية منذ زمن لإرباكها وإفشالها وفسح المجال لهيمنة الدولة الموازية وإلا لما بقيت قضية الحوض المنجمي منذ سنوات لم تحل إلى هذه الساعة ،أما مسألة المناظرة ومسألة دفع الأجور للعمال فهي مسائل يمكن بسهولة حلها إذا ما استتب الأمن في المنطقة وعادت المياه إلى مجاريها لكن يمكن لهؤلاء أصحاب النوايا التخريبية اتخاذها مطايا أو تعلات لخلق الفوضى في المنطقة وتجييش الأهالي ضدها .