الأمازيغية بالمغرب بعد دستور 2011 بين الحماية الدستورية والتلكّؤ في إعداد وتفعيل القوانين التنظيمية الأمازيغية ذات الصلة

الحسين أيت باحسين
2019 / 2 / 21

منذ سنة 1967، مع تأسيس أول جمعية أمازيغية تُعنى بالأمازيغية لغة وثقافة وهوية وحضارة، كان المطلب الرئيسي هو الاعتراف الرسمي بالأمازيغية.
ومنذ 1991 إلى سنة 2011 كان المطلب المتقاسم والمشترك بين مختلف مشارب وتوجهات الحركة الأمازيغية هو دسترة الأمازيغية؛
ومنذ سنة 2001 إلى سنة 2011 عرف مطلب الحركة الأمازيغية المتعلق بالاعتراف الرسمي للأمازيغية ثلاثة مبادرات؛ كانت بمثابة التأكيد والاستجابة لمطلب الاعتراف الرسمي للأمازيغية.
تتجلى مبادرة التأكيد في ما أجمعت عليه الحركة الأمازيغية ضمن مطالب حركة 20 فبراير سنة 2011 ذات الصِّلة بالاعتراف الرسمي للأمازيغية؛
وتتجلى مبادرات الاستجابة؛ لمنتظرات الحركة الأمازيغية؛ في ما بادرت به المؤسسة الملكية في خطاب أجدير ومن خلال وضع الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في 17 أكتوبر سنة 2001؛ وما واكب ذلك؛ إلى حدود 2007؛ من محاولات لترسيخ بوادر مأسسة الأمازيغية خاصة في التعليم والإعلام؛ إذ توالت مجموعة من المبادرات والقرارات الرسمية في اتجاه مأسسة الأمازيغية؛ إضافة إلى البحث الأكاديمي من أجل التهيئة اللغوية الموحدة؛ وتنميط حرف كتابة الأمازيغية المصادق عليه من طرف أعلى سلطة في البلاد منذ سنة 2003؛ وما ورد في الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 الذي اعتبر الأمازيغية في صلب الهوية المغربية، وأولى المرتكزات السبعة الأساسية التي ستنبني عليها دينامية الإصلاح العميق الذي تعتبر المنظومة الدستورية الديموقراطية جوهرها؛ حيث ورد في ذلك الخطاب الملكي ما يلي:
"إن إدراكنا العميق لجسامة التحديات، ولمشروعية التطلعات، ولضرورة تحصين المكتسبات، وتقويم الاختلالات، لا يعادله إلا التزامنا الراسخ بإعطاء دفعة قوية لدينامية الإصلاح العميق، جوهرها منظومة دستورية ديمقراطية (...). ومن هذا المنطلق المرجعي الثابت، قررنا إجراء تعديل دستوري شامل، يستند على سبعة مرتكزات أساسية:
أولا : التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، الغنية بتنوع روافدها، وفي صلبها الأمازيغية، كرصيد لجميع المغاربة".
وقد شاركت مكونات من الحركة الأمازيغية بمقترحاتها في جلسات اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور 2011 استجابة وانخراطا في الدينامية التي عرفها ملف الأمازيغية منذ خطاب العرش ل 30 يوليوز2001، وخطاب أجدير في 17 اكتوبر سنة 2001؛
وتُوِّجَ كل ذلك بترسيم الأمازيغية في الفصل الخامس من دستور 2011 الذي يُعتبر بمثابة تحديد هوية المغرب اللغوية والثقافية والحضارية. فقد جاء في الفصل الخامس من الدستور: "تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء. يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية".
لكن منذ تحفظت بعض الأحزاب السياسية على اعتماد حرف تيفيناغ كأبجدية لكتابة الأمازيغية سنة 2003 وعلى بعض بنود الدستور المتعلقة بالأمازيغية، تمت إعادة عقارب ساعة الأمازيغية إلى الوراء؛ وبدأ ملف الأمازيغية يستبدل مختلف ألبسة التماطل والتلكّؤ، وتأخير تفعيل قوانينه التنظيمية، والتراجع حتى عن بعض مكتسباته التي تحققت له من قبل؛ وبدأت تظهر أصوات ومواقف جديدة أكثر خصومة لترسيم ومأسسة الأمازيغية؛ وتتناسل عنهم حجج جديدة وواهية لتبرير تلك الخصومات الجديدة.
وتعتبر الذكرى الأولى لدسترة الأمازيغية، في فاتح يوليوز 2012، بداية هذا التلكؤ في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؛ حين تمّ تنظيم تلك الذكرى في المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، وحيث حضرها ممثلون عن مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني: مستشار ملكي عن المؤسسة الملكية؛ رئيسا غرفتي المؤسسة التشريعية؛ رئيس الحكومة، ووزراء من المؤسسة التنفيذية؛ وممثلون عن المجتمع المدني: أحزاب سياسية وممثلون عن الحركة الأمازيغية. وقد صرح السيد عبد اللطيف المنوني، رئيس لجنة مراجعة وإعداد دستور 2011 ومستشار ملكي، أن المؤسسة الملكية قد قامت بدورها وعلى المؤسسات الأخرى أن تقوم بدورها.
وإذا كان ممثلو الحركة الأمازيغية يلحون على الإسراع بتفعيل مقتضيات الدستور ذات الصِّلة بإتمام ترسيم الأمازيغية ومأسستها؛ فإن رئيس الحكومة ووزراء وممثلو أحزاب سياسية قد قدموا تبريرات بصدد إبقاء الوضع على ما هو عليه وعبروا عما يفيد من توصيات بعدم التسرع في تنزيل القوانين التنظيمية ذات الصِّلة بالأمازيغية؛
وإذا كانت الخطب الملكية، في افتتاح جلسات الدورات الخريفية للبرلمان منذ دورة أكتوبر 2011، تدعو إلى تفعيل القوانين التنظيمية ذات الصلة بالأمازيغية ضمن القوانين التنظيمية الأربع الأولى؛
وإذا كانت الحركة الأمازيغية قد بادرت إلى إصدار بيانات وإعداد مذكرات اقتراحية تطالب فيها باستصدار قوانين تنظيمية، ذات الصلة بالأمازيغية، عادلة ومنصفة؛
فإن أطرافا حكومية تصرح من حين لآخر بما يفيد التماطل والتلكّؤ والتأخير في تقديم مشاريع قوانين تنظيمية ذات الصِّلة بإتمام ترسيم الأمازيغية؛ كما أن البرلمان لم يبادر بتقديم مقترحات قوانين تنظيمية، بعد أن ماطلت الحكومة في تقديم مشاريع قوانين تنظيمية؛ بل إن بعض المؤسسات قد أعلنت عن خطط استراتيجية لم تأخذ بعين الاعتبار الأمازيغية كلغة رسمية في الدستور، ولم تتم بعد المصادقة على القانون التنظيمي الخاص بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية؛ ولا القانون التنظيمي الخاص بإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية؛ كما هو الشأن بالنسبة للخطة الاستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي؛ المتعلقة ب "الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015 – 2030".
لكن الأدهى من كل ذلك، هو لجوء الخصوم والمعارضين لمأسسة الأمازيغية إلى مجموعة من الفزّاعات الديماغوجية التي يمكن إجمال أهمها في حديثهم عن فزاعة الكلفة المالية مع عدم جدوى تعليم لغة ليست لها قيمة في سوق الشغل والترقي الاجتماعي؛ وعن الأمازيغية بكونها مجرد مجموعة من اللهجات المتباينة في ما بينها، والحديث عن اللغة المخبرية والاصطناعية والغريبة عن الأمازيغيات التي يعرفها ويتقنها المغاربة؛ وتخويف المغاربة باستعمال مصطلحات ومفاهيم مرتبطة بمغامرات ليست محمودة النتائج والعواقب، من قبيل: لغة معيارية، لغة مخبرية، لهجات، جدوى تدريس لغة ميتة، لغة مصنوعة، لغة نخبوية، لغة فطرية، لغة طبيعية، لغة التداول اليومي، لغة دارجة، لغة فطرية، معيرة اللغة، اللغة المعيار. لغة ممعيرة؛ ... وغيرها مما يتناسل، من حين لآخر، من فزاعات جديدة؛ إضافة إلى فزاعة تعدد الأبجديات التي ستعتمد في التعليم وتثقل كاهل الطفل.
ما المنتظر؟ وما البديل؟
باختصار شديد، يتمثل المنتظر والبديل في حرص الجميع على تفعيل عادل ومنصف للقوانين التنظيمية ذات الصلة بالأمازيغية؛ لغة وثقافة وهوية وحضارة؛ من أجل ضمان العيش المشترك؛ ما دام الدستور، كأسمى قانون للبلاد، قد نصَّ على أنها "لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء (...) وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية".
وارتباطًا بتدابير التفعيل، يستلزم الأمر ضرورة تخصيص ميزانية مهمة في القانون المالي سنويًا لتنمية وحماية الأمازيغية، وحث جميع القطاعات على إعطاء مكانة متقدمة للغة الأمازيغية في جميع العمليات؛ مرحليا وعملا بمبدإ التمييز الإيجابي؛ مع ترصيد المكتسبات التي تحققت لها منذ خطاب العرش ل 30 يوليوز2001، وخطاب أجدير في 17 اكتوبر سنة 2001، ووضع الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ؛ تفاديا لهدر المال العام وللزمن السياسي والتنموي.
علما أن الأمازيغية؛ باختصار شديد وفي جوهرها؛ هي قيمها التي تتطابق مع القيم الكونية التي تجعل الإنسان هو الغاية؛ كما أن الأمازيغية ستدوم ما دامت تنتج أجيالا جديدة تحافظ على ديمومتها؛ وأن قيمة الأمازيغية المضافة، هي التي تستطيع أن تُسعِد الناطق الأمازيغي في المناطق النائية، حيث لم يحملها غيره منذ قرون وقرون، ولكنه حرص باستمرار على العيش المشترك مع كل الوافدين بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وحضاراتهم.
الحسين أيت باحسين
الكاتب العام للجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي بالنيابة
مساهمة في إطار الندوة الوطنية التي نظمتها:
جامعة ابن زهر بأكادير،
ومركز الشروق للديموقراطية والإعلام وحقوق الإنسان،
بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بأكادير،
وذلك يوم 16 فبراير 2019.