حول تباين مواقف الشيوعيين من البرجوازية المعادية للاستعمار

مشعل يسار
2019 / 2 / 3

يتذكر الكثير من الشيوعيين اليوم بمرارة وعداوة ما قامت به من أعمال تنكيل واغتيال للشيوعيين الأنظمة البرجوازية، ليس فقط تلك العميلة لأميركا وإسرائيل، بل تلك التي كانوا يسمونها هم أنفسهم بالأنظمة التقدمية والتي تسمي نفسها اليوم بأنظمة الممانعة، ومن بينها من يقف فعلا في وجه المد الأميركي والصهيوني في المنطقة كالنظامين السوري والإيراني.
لقد كان الشيوعيون دوماً - منذ البيان الشيوعي - مكسر عصا لكل القوى البرجوازية. وكابلان التي حاولت اغتيال زعيم البلاشفة لينين كانت هي أيضا من حزب الاشتراكيين الثوريين المعتبرين من البرجوازية الصغيرة.
وبالفعل مثلما اغتالت استخبارات عبد الناصر الأمين العام للحزب الشيوعي فرج الحلو وأذابت جثته بالأسيد واغتالت وسجنت وعذبت شيوعيين في مصر، بل حتى أوصل قادة مصر الشيوعيين إلى حل حزبهم رغم أن يدهم كانت ممدودة لنيل معونة الاتحاد السوفياتي في عهد خروشوف ونظريته حول التطور اللارأسمالي، كذلك فعل البعثيون العراقيون لا سيما صدام حسين عندما اغتالوا قادة الحزب الشيوعي العراقي وقتلوا وهجروا مئات الألوف من الشيوعيين العراقيين، وأيضا فعل حكم البعث السوري حين سجن قسما من الشيوعيين السوريين ممن لم يتعاونوا معه وحين اتُهم بأنه كان له ضلع في اغتيال العديد من الشخصيات اليسارية ومن الشيوعيين.
إن عداء قسم من الشيوعيين اليوم للنظام السوري ولحليفه الإيراني اشتد بنتيجة اعتبارهم إياهما عن قناعة شبه كاملة وراء اغتيال العديد من الشخصيات السياسية اللبنانية، لا سيما خلال الحرب الأهلية، سواء منها البرجوازية كرئيس الوزراء رفيق الحريري وأنصاره محمد شطح ووسام الحسن وسمير قصير وغيرهم أو اليسارية والشيوعية اللبنانية أمثال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط والأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي. علماً أن هؤلاء المناضلين اليساريين والشيوعيين لم يكونوا عملاء لا للصهاينة ولا لأميركا كي يستحقوا هذا المصير.
ليس مستبعداً أن يكون نظام الاسد والنظام الايراني في شخص جماعته في لبنان أو جهات فيهما اغتالت شيوعيين الى جانب اغتيال إسرائيل لقسم منهم أيضا. فجنبلاط الذي اغتيل بين حاجزين عسكريين سوريين يعتبر كثيرون أن للمسؤولين السوريين ضلعاً في اغتياله كونه تجاوز مع الحركة الوطنية مصلحة النظام السوري آنذاك في الهيمنة على لبنان ضمن التوازنات الاقليمية القائمة، لا سيما في ظل اختلافه مع عرفات السعودي الاسترزاق والهوى. وحكمت الامين ورفاقه في المقاومة الوطنية اغتاله الطيران الصهيوني المجرم كعادته. وربما لم تكن المقاومة الاسلامية بعيدة هي الاخرى عن بعض الاغتيالات بحق الشيوعيين بغية ازاحتهم وإحلال نفسها محلهم في مقاومة اسرائيل ارضاء لمصالح ايرانية في تأمين نفوذ اوسع لإيران يستند الى تأييد شيعي. اما الاغتيالات التي بدأت باغتيال الحريري فقراءتي السياسية واشدد فقط السياسية لها تشير الى انها من صنع اميركي اسرائيلي بما في ذلك اغتيال الرفيق جورج حاوي. فسوريا كانت "تريد السترة" في مرحلة الهروب هرولةً من لبنان اثر اغتيال الحريري واستغلال الاميركيين له، مع جناح البرجوازية اللبنانية الذي يدين للغرب والذي عانى الامرين من نصح اميركا له في عام ١٩٧٦ بان مرجعه هو الآن السوريون ولكنه قبِل ذلك على مضض، بغية طرد السوريين من لبنان. هكذا قرر المخرج الاميركي بعد ١١ ايلول 2001 واعتزامه احتلال الشرق الاوسط مباشرة وتسيير سياساته من دون وسيط.
حسب قراءتي ان الاميركيين في تلك المرحلة راحوا يقتلون أو يحاولون قتل عملائهم بناء على قائمة معدّة مسبقاً ليتهموا سوريا وحزب الله وكل من لا يسير في ركاب سياستهم، يساريا كان أم إسلامياً أم قومياً لا فرق. إنهم لاعبو شطرنج من الدرجة الأولى هؤلاء الأميركان المتصهينون. والتضحية بالبياذق من أجل النصر النهائي أمر معروف في هذه اللعبة. وبجيزينسكي لم يوارب واعتبر الشرق الاوسط كله لوحة شطرنج أميركية. والمتعاملون مع الاميركيين حتى كبيرهم لم ولن يكونوا سوى بياذق في اللعبة يضحى بهم لمصلحة اللاعب الأكبر. ولم يكن اغتيال الرفيق حاوي برأيي إلا لاتهام سوريا باغتياله وتكريس قسمة الشيوعيين ايضا بعد ان قُسِّم الجميع بين ٨ و١٤ آذار. وإن اللعبة نفسها لُعِبت مع شيوعيي اوكرانيا.
على الرغم من هذا التاريخ الملتبس للبرجوازية المعادية للاستعمار ولإسرائيل حيال اليسار والشيوعيين خاصة، ومن عدم امتلاك القرائن الكافية لتبرئة نظامي سوريا وإيران وحلفائهما في لبنان من إرتكاباتهم بحقهم..
فإن هناك فرقاً بين موقفين أحدهما يستميت في إبراز هذا الصراع مع الحلفاء الموضوعيين واستذكار عدائهم الطبقي المتأصل فيهم، والتخويف من مشاريع إيرانية كـ"ولاية الفقيه" وغيرها على حساب التركيز على الأعداء الأكيدين أميركا وإسرائيل والرجعية العربية الباحثة عن دور لها في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهم من نعتبرهم وجهة الصراع الاساسي التي ينبغي حاليا التركيز عليها. فتناقضاتنا التناحرية احياناً مع من هم معنا في خندق واحد ضد اميركا والصهيونية ينبغي ان نحاول قدر الامكان تلطيفها أو التنطح لدرئها من خلال التسلح بتأييد طبقاتنا الكادحة ورد العملة بمثلها للمتجنّين. وإلا فإننا سوف نفقد البوصلة الصحيحة ونقع في مشابه لفخ بريمر في العراق مثلا أي الترحيب بالاجتياح الأميركي لينقذنا من قادتنا "الطغاة" مثلما انقذ الشعبَ العراقي من جور صدّام.