مدخل للحوارات مع القرآن

ضياء الشكرجي
2019 / 2 / 2

مدخل للحوارات مع القرآن
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
www.nasmaa.org
كما لاحظ القارئ في الجزء الأول، وكما سيلاحظ في الجزء الثاني، إني اعتمدت بدرجة أساسية في مناقشة ونقد الدين نوعين أساسيين في البحث، البحث العقلي، والبحث القرآني؛ الأول فيما هو منهج البحث المعتمد، والثاني فيما هو النص المُخضَع للبحث، أو بتعبير آخر الأول فيما هي الأدلة العقلية المستقلة والمتجردة والمحايدة، والثاني فيما هو مدى انسجام مقولات القرآن مع تلك الأدلة، أو لنقل مع ضرورات العقل عبر نصوص القرآن نفسه، من غير اجتزاء واستقطاع، بل عبر دراسة شاملة لكل نصوصه المعنية بكل من موضوعات البحث.
وفيما يتعلق الأمر بالبحوث القرآنية، فشرط ذلك التجرد، بحيث يدخل القارئ، وأعني بالذات القارئ المسلم، أي المعتقد بإلهية القرآن، بتجرد تام، ناسيا مسلَّماته، وتاركا دعوى احتكار الحق والحقيقة ونهائيّتها ومُطلَقيّتها. أعلم أن التجرد وحسب تجربتي مع الكثيرين ممن التقيتهم، ليس بالأمر الهيّن. فأكثر الذين مروا بتجربة التدين والالتزام، خاصة أولئك الذين نشأوا على مسلمات الإسلام منذ طفولتهم، أصبح لديهم من المسلمات أن القرآن من تأليف الله، ولذا فهم لا يستطيعون إلا أن يصدقوا بالإعجاز البلاغي، والإعجاز العلمي وغيره من الإعجازات، التي أصبحت لديهم من البديهيات غير القابلة للمناقشة. فهم لا يلتفتون إلى الأخطاء اللغوية، ولا إلى الضعف البلاغي في بعض النصوص، مع إقرارنا، وإقرار كل منصف متجرد، بأن القرآن متميز في بلاغته، لكنه ليس معصوما من الخطأ، بما في ذلك الأخطاء البلاغية، لأنه لم يُكتَب أو يُملى أو يوحَ به من قبل الله، حسب ما وجدنا أنفسنا من قناعة وصلنا إليها، بعد طول تأمل. لو استطاع المؤمن بإلهية القرآن أن يتجرد، ويستمع بهدوء إلى وجهة النظر الأخرى المغايرة، لاسيما من قبل شخص مثلي كان مدافعا لما يقترب من ثلاثة عقود من الزمن كداعية إسلامي، ومحاضر، ودارس ومدرِّس للعلوم الدينية، ويستخدم أدوات العقل، ومع تحول قناعاته لا يسمح لنفسه أن يمارس الإساءة إلى مقدسات المسلمين أو غيرهم من أتباع الديانات، وإنما يريد أن يناقشها، كما ناقش القرآن نفسه بقية العقائد، كالمسيحية واليهودية والوثنية، ففندها، وكرر عبارة «قَد كَفَرَ الَّذينَ قالوا ...»، مبينا هوان عقائد الآخرين، حسب وجهة نظره، ولكون القرآن نفسه يدعو للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدعو للجدال بالتي هي أحسن، ويفترض في أحد نصوصه في مجادلة الآخرين أنهم إما هم وإما النبي والمسلمون، إما على هدى، وإما في ضلال مبين «وَإِنّا أَو إِيّاكُم لَعَلى هُدًى أَو في ضَلالٍ مُّبينٍ»، ويدعو إلى القسط الذي من لوازمه أن يقبل ناقد عقائد الآخرين أن يُنقَد. لذا أوجه دعوتي للمؤمنين بالقرآن، كما لناقدي القرآن، أن يدخلوا هذه الحوارات بتجرد؛ يتجرد القرآني عن تعصبه للقرآن، ومسلماته اللامناقَشة، أو اللاقابِلة للمناقَشة، كما ويتجرد مخالف القرآن عن إفراطه في الحساسية المبالَغ بها. إذا كان صدور القرآن عن غير الله محالا عند المؤمن بإلهيته، وإذا كان صدوره عن الله محالا عند اللاديني، فإن فرض المحال ليس بمحال. لذا لندخل هذه الحوارات بعقل بارد، وبموضوعية، وتجرد، وحياد، وبتحكيم العقل، الذي أودعه الخالق فينا، أو أودعته الطبيعة، كما يرى اللاإلهيون، ليكون الحَكَم.