الرد على الجزيرة

عبد اللطيف بن سالم
2019 / 1 / 3

الرد على الجزيرة
حصة تلفزية في قناة الجزيرة القطرية
يوم 20/12/2018 مساء .
حول تقرير الحريات الفردية والمساواة في تونس
في حوار مع الأستاذين عبد اللطيف الهرماسي وصلاح الدين الجورشي :
أهم ما يثير الانتباه في هذا الحوار المهم :
_ أولا : راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في الكتابة المصاحبة لهذا الحوار يقول في هذا الصدد أن الدولة التونسية وكما هو مقرر في الدستور راعية ٌ للدين وليست محايدة وهذا غير صحيح في دولة مدنية كما هو مذكور فعلا في الدستور وفي حالة انتقال نحو الديمقراطية ما يفرض عليها أن تكون محايدة تماما ولا تهتم بأي دين ، وإذا كانت كذلك راعية للدين كما يؤكد الدستور – حسب قوله -- فلابد إذن أن تكون راعية لأي دين في البلد وليس فقط للدين الإسلامي وحتى أن وزارة الشئون الدينية فيها لابد إن لزم أن تكون لنا هذه الوزارة أن تكون وزارة للشئون الدينية كلها وعلى اختلاف أشكالها وألوانها وليس فقط لشؤون الدين الإسلامي وحده وإلا تناقضت مع نفسها ومع الديمقراطية التي تنشُدٌها .

ثانيا : وجاء في الكتابة المصاحبة لهذا الحوار أيضا أن أستاذ الفلسفة سابقا الشيخ أبو يعرب المرزوقي لاحقا والعنصر المهم الآن في حركة النهضة المتمركزة اليوم في الحكومة التونسية يقول معلقا على هذا التقرير أنه يُدخل البلاد في تصادم بين الحضارات في حين أنه يعلم كما يعلم الناس جميعا أنه ليس لنا اليوم - على الأقل - في تونس أو في غيرها من البلدان العربية الأخرى أية حضارة تُذكر ونقدر أن نتصادم بها مع غيرها من الحضارات ، إننا منذ نشأتنا ونحن " نتسقّط الفُتات الساقط من مائدة الحياة لنقتات " كما كان يقول توفيق الحكيم سابقا إلا إذا اعتبرنا تربية البغال والحمير والبعير والشرب من بولها حضارة وإننا بصراحة مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الواقع من حولنا أننا لو طرحنا جانبا أو أعدنا إلى أصحابه كل ما ليس في الأصل لنا مما نعيش به في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية لبقينا فقط مع تلك الحيوانات القليلة التي صارت أليفة لنا ولا نملك معها شيئا مما له أهمية تذكر أبدا .لكن لعل الأستاذ الشيخ المرزوقي كان يقصد بقوله ذاك ( صراع الثقافات وليس تصادم الحضارات ) فيكون بذلك قد قال حقا لأننا نعيش هذا الصراع بين الإيديولوجيات والثقافات المختلفة في بلادنا في جيلنا الحاضر منذ نعومة أظفارنا وفي الشعب التونسي كله منذ أن ظهر على هذه الأرض " المباركة " فليس غريبا أن يحتدم الصراع اليوم بحكم رغبة البعض منا في الانتقال الحقيقي إلى الديمقراطية وإلى الحداثة والمعاصرة ورغبة الأكثرية منا -- للأسف – عن جهل مركب فيهم -- في الرجوع بنا إلى الوراء وعرقلة هذا المسار الحداثي التطوري بكل الطرق المتاحة والممكنة : بالاضطرابات المختلفة والاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات وعرقلة كل النشاطات الهامة في البلد بدعوى المطالبة بالحقوق المسلوبة حتى مع عدم القيام بالواجبات المطلوبة ما يُشير في الغالب إلى حالة من الغوغائية وسوء النية من هؤلاء في هذه المعاملات العديدة.
لكن لا يسعنا في هذه الحالة إلا أن نتحلّى بالصبر أملا في الانفراج لاحقا والمثل يقول :( اشتدي أزمة تنفرجي ... ) ما يعني أن دوام الحال من المحال .
أما تصادم الحضارات الأخ المرزوقي فهو ذلك الذي نشاهده في الحروب الجارية بين القوى العظمى في ما بينها منذ زمن أو في ما بين تلك القوى وغيرها من القوى الناشئة لتحقيق السيطرة عليها واحتلالها أو الهيمنة عليها وأما الذي يعيشه التونسيون في هذه الفترة ما بعد الثورة فإنه صراع بين ثقافات وإيديولوجيات ورؤى متباينة قصد كسب الضمائر والسيطرة على العقول وعلى النفوس للهيمنة في الأخير على البلد والتحكم قيه فلابد للشيخ المرزوقي إذن أن يميز بين تصادم الحضارات وصراع الثقافات .

وثالثا : تقول المنشطة لهذا الحوار في قناة الجزيرة إن أكثر من خمسين بالمائة من الشعب التونسي غير راضين عن هذا التقرير وكأنما هي مؤيدة لهم وكانت إجابة الأستاذ الجورشي لطيفة ودبلوماسية حين قال لها إن المساواة في الإرث ليست مُلزمة لأحد وإنما هي اختيارية لكن ربما فاته أن يقول لها بأن هذا التقرير هو من صنع النخبة المفكرة في مصلحة تونس اليوم وغدا وليس بالضرورة أن يكون الشعب مرجعا لها فيه وكم أخطأ الشعب في نفسه جهلا وغباوة دونما يدري رغم أنه ليس كله جاهلا وغبيا ومع ذلك ( قد يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه ) كما يقول المثل العربي .
وللعلم فأن الغالبية الشعبية لم تعد دليلا مقنعا في الديمقراطية الحديثة . ( شخص واحد كمليون ومليون كأف ) مثلنا العربي أيضا بتصرف . وإن شعوب العالم كلها لم تبلغ هذه المستويات العظيمة من التطور و الازدهار إلا بزعاماتها الفردية المتميزة . لطفي بن سالم/ يقظان ابن الحي