وثائق الأممية الشيوعية بين لينين والصهيونية الماركسية

حاتم الجوهرى
2019 / 1 / 2

منذ ما يقرب من العشر أعوام قدمت أطروحة للماجستير صدرت في طبعتين الأولي بعنوان: خرافة الأدب الصهيوني التقدمي، والثانية بعنوان: خرافة التقدمية في الأدب الإسرائيلي، وحصلت عنها عن جائزة ساويرس في النقد الأدبي عام 2014، وفي هذه الأطروحة صرحت بما كشفت عنه من حقائق صادمة عن الصهيونية وتأسيسها وعلاقتها بلينين، وعن نشاة اليسار الفلسطيني، وعن العديد من مفاهيم اليسار العربي والمصري المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني ومآلاته.
تحدثت وفق نتائج بحثي عن دور اليسار اليهودي الرئيسي في وضع أحلام هرتزل على الأرض، وكشفت عن وجود أيديولوجية كاملة تسمي: "الصهيونية الماركسية"، وتنظيما حديدا رئيسيا يدعى: "عمال صهيون"، هذه الأيديولوجية وذلك التنظيم حملا أفكار هرتزل ووضعاها على الأرض سياسيا وعسكريا واستيطانيا. كما لم أتردد في الكشف كما -حملتني اوراق بحثي- عن حقيقة أن اليسار الفلسطيني هو صنيعة لليسار الصهيوني وتيار الصهيونية الماركسية قولا واحدا، وأن العديد من أطروحات اليسار العربي والمصري لحل القضية هي في الأصل أفكار بيير برخوف مؤسس تنيظم عمال صهيون وأيديولوجيته الصهيوينة الماركسية.
وخضت في الوقوف وراء نتائج بحثي المعارك مع العديد من الأصدقاء الأعزاء من اليسار العربي والفلسطيني منهم الأساتذة: عبد القادر ياسين – طلعت رضوان – سعيد مضيه – د.احمد الخميسي وغيرهم، وإحقاقا للحق هناك الكثير منهم من رأي في نتائج بحثي الجدية والمنهجية واعلن ذلك ومنهم أ. عبد العال الباقوري رحمه الله وغيره.
وها نحن الآن بعد مرور ما يقرب عقد من الزمان على أطروحتي المبكرة ونتائجها؛ لتأتي وثائق الأممية الشيوعية مؤكدة على صحة كل ما ذهبت إليه نتائج دراستي، وكشفي عن العلاقة بين لينين والأممية وأيديولوجيا الصهيونية الماركسية وأحزابها، ليشهد الشاهد من أهلها..
ففي عدة حلقات صادمة قدمت قناة "روسيا اليوم" سبقا ومفاجأة مذهلة لليسار العربي والعالمي في نهاية عام 2018؛ من خلال الكشف عن وثائق الأممية الشيوعية "الكومينترن" التي فضحت دور اليسار اليهودي الروسي في التأسيس الفعلي للصهيونية، وأماطت اللثام عن تعاون لينين مع تنظيمات الصهيونية اليسارية الروسية، وكيف اعتبر وجودها في فلسطين خلية طليعية أو احتلالا تقدميا في المنطقة العربية.
حيث استضاف مقدم البرامج المعروف في القناة خالد الراشد الباحث الروسي البروفيسور غريغوري كوساتش في برنامجه "رحلة في الذاكرة" عبر سلسلة من الحلقات، باعتباره الباحث الأول الذي يسمح له بالتنقيب في وثائق "الأممية الشيوعية"، التي رُفعت السرية عنها بعد ما يقرب من مرور 100عام على تأسيس الأممية في عام 1919م، حيث اهتم البروفيسور الروسي بتتبع دور اليهود الروس في التأسيس للصهيونية من خلال الوثائق، وعلاقتهم بالأممية الشيوعية ولينين ومن بعده ستالين.
ليتحدث البروفيسور الروسي عن شخصية اليهودي الروسي "بيير دوف بيرخوف" ويقول أنه المنظر والمفكر الذي وضع أيديولوجية الصهيونية اليسارية أو الماركسية، من خلال تطويره لفكرة أقرب للطبقية القومية تلخص أزمة اليهود في أن البناء الطبقي لهم عبر التاريخ كان مشوها وهرما مقلوبا، قاعدة هرم عريضة من المهنيين والمتخصصين ورأس الهرم محدودة من العمال والفلاحين، في حين أن العكس هو الحاصل في كل الأمم، وقال بأن ذلك بسبب شتات اليهود وتوزعم في عدة بلدان اهتموا فيها بالعمل الذهني والنوعي وابتعدوا عن العمل البدني، مما سبب لهم الصراع المستمر والتنافس مع البنية الطبقية العادية للشعوب التي توزعوا فيها.
وما رآه بيرخوف في أن الحل يكمن في تصحيح البنية الطبقية لليهود وتوطينهم في بلد خاص بهم، فيه تكون قاعدة الهرم من العمال والفلاحين ورأسه من المهنيين والمتخصصين، لكن بيرخوف لم يختر بلدا أوربيا لتنفيذ مشروعه عن الطبقية القومية؛ إنما أسس حزب "عمال صهيون" الذي أنشأ له عدة فروع في أوربا وأمريكا، بهدف احتلال فلسطين بذريعة التخلف الثقافي والحضاري لسكانها العرب! وانهم سيقبلون الطليعة اليهودية الصهيونية الماركسية لما ستقدمه لهم من فكر أوربي حديث، وما ستقدمه لهم من مشروع سياسي قائم على مرحلتين، الأولى تأسيس الدولة التقدمية المزعومة بين العرب واليهود الوافدين في شكل ماركسي عمالي، والثانية العمل والمشاركة في النضال العالمي للأممية الشيوعية.
وفي الواقع كشفت حلقات البرنامج العديد من الحقائق التي غض الباحثون العرب الطرف عنها طويلا، فالهجرات الكبرى الأولى لفلسطين كانت من روسيا، والمستوطنات كانت مزارع جماعية أو مصانع وورش عمالية، والحراس كانوا منظمين على الطريقة العسكرية ذاتها وما سماه البروفيسور مبدأ فصائل البارتيزان العسكرية، وأهم منظمة نقابية سياسية كانت الهستدروت أو نقابة عمال إسرائيل، وكأن الرجل يقول أن التنظيم الحديدى الذي خلق الاحتلال كان هو تنظيم "عمال صهيون" الذي أسسه بيرخوف وانشقت عنه معظم أحزاب اليسار الصهيوني فيما بعد.
من ناحية أخرى كشف الباحث الروسي عبر حلقات البرنامج عن قبول لينين لدور تنظيم الصهيونية الماركسية في الأممية الشيوعية، والمهام التي كلفوا بهم في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وكذلك تطرق لموقف ستالين من دعم الكيان الصهيوني الجديد، فلقد اشترط لينين على تنظيم عمال صهيون في فلسطين عدة شروط ليقبلهم رسميا في الأممية الشيوعية؛ منها ضرورة استقطاب عناصر عربية فلسطينية لأيديولوجية الصهيونية الماركسية وتخفيف الصبغة اليهودية عنه، بالإضافة لعدة مهام عسكرية واستخباراتية استخدمهم فيها لينين.
وفي الحقيقة هناك الكثير من المسكوت عنه في الأمر وبين سطور الحلقات وحديث الباحث الروسي، تحديدا فيما يخص تأسيس اليسار الفلسطيني وعلاقته باليسار الصهيوني الماركسي، وما يخص بعض اليسار العربي والمصري وأفكارهما حول دولة تقدمية تجمع العرب واليهود، هناك الكثير من القصاصات المتناثرة هنا وهناك في المراجع العربية عن صلات وتبادلات، بين منشورات اليسار العربي الفلسطيني بأيديولوجيته عن الدولة التقدمية المشتركة وبين اليسار المصري والعربي.
الأمر في حاجة لعدة مراجعات في القناعات العربية بشأن ظهور الصهيونية ونشأتها وسبل مقاربة سيناريوهاتها المستقبلية، نخطأ حينما نخترع عدوا واحدا اسمه الرعاية الغربية الإمبريالية للصهيونية، وحين نفتح أذرعنا لكل من يتقن الرطانة الماركسية في إسرائيل، ما بعد الصهيونية والأفكار النقدية ليست سوى طبقة من نظرية بيرخوف عن تطبيع وجود الدولة التقدمية المزعومة، والنقاد الحقيقيين للمشروع الصهيوني غادروه بلا عودة.
إنما يبقى كذلك الإشارة لأهمية تطور الوعي بالذات الفلسطيني، فإحقاقا للحق كان هو أهم الأسلحة في مواجهة أيديولوجيا الصهيونية الماركسية التي مررها تنظيم عمال صهيون وورثته لعرب فلسطين، وأبرز النماذج الدالة على تطور الوعي بالذات عند الفلسطينيين، كان هو شاعر فلسطين الأبرز محمود درويش الذي نشأ عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي (أحد ورثة تنظيم عمال صهيون)، ثم أخذ في التمرد عليه حتى كتب: "سجل أنا عربي"، وقاده الصدام مع الصهاينة للخروج من فلسطين والالتحاق بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم الاستقالة منها احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو في تسعينات القرن الماضي، ويقينا منه باستحالة الدمج والتعايش بين الذات العربية والذات الصهيونية.
نحن في حاجة لمراجعة الكثير من المسلمات العربية خاصة فيما يتعلق بجذور الصهيونية ونشأتها، الصهيونية نشأت داخل الحاضنة الأوربية كمجمل ووفق سياقاتها الحاكمة يمينا ويسارا، ولم تكن مجرد أداة في يد الإمبريالية الرأسمالية بقدر ما كانت في يد الأممية الشيوعية أو الإمبريالية الماركسية إن جاز القول.
الحداثة الأوربية ومشروع اعتماد العقل والتصور المادي الماركسي اشتق منه اليسار اليهودي الروسي، مشروعه لـ"الطبقية القومية" والاحتلال التقدمي المزعوم للمنطقة العربية بادعاءات استعلائية مفادها جهل عرب فلسطين وتخلفهم.
ما بعد الحداثة الأوربية وأزمتها مع النازية والعقل وقبولها بالعاطفة بديلا؛ أنتجت مع سارتر فلسفة "الصهيونية الوجودية" في كتابه: تأملات في المسألة اليهودية، التي اعتبرت الصهيونية واحتلال فلسطين هو قمة ممارسة الحرية الوجودية ليهود أوربا، واكتشافهم لذاتهم الجماعية الحقيقية التي همشتها العقلية الأروبية واضطهدتها النازية.
إن مواجهة وتفكيك الصهيونية ليست سوى مواجهة وتفكيكا للعقلية الأوربية في سياق الحداثة وما بعد الحداثة، وما يقع فيه المثقف والباحث العربي هو النظر للصهيونية من حيث هى موجودة وقائمة فقط، فيتوه حينا ويتشنج حينا ويسطح كثيرا دون أن يعي جذورها الأوربية، وأنه كي يفكك الصهيونية ويقدم خطابا مضادا لها ويدافع عن الحق العربي عالميا، عليه أن يتقن بشدة فهم النموذج الغربي المعاصر.
نحن نفشل في الترويج سياسيا لموقفنا العادل في الغرب لأننا ببساطة لا نملك قدرة ملموسة على تقديم خطاب ثقافي فعال، يدرك ذاته ومحددات هويته ويدرك الآخر ومحددات هويته، ويسعى لإقامة الحجة الموضوعية واكتساب الأفضلية المعنوية والمنطقية والنفسية، كمؤهل لما هو سياسي وواقعي وتفاوضي.