التوجه نحو السويد .

عبد اللطيف بن سالم
2019 / 1 / 1

التوجه نحو السويد :
ظاهرة العزوف عن الزواج من وجهة نظر أخرى خاصة جدا :
الملاحظ أن ظاهرة العزوف عن الزواج هذه قد صارت تتفاقم في بلدان عديدة حتى في العالم الثالث وبالخصوص منه عندنا في تونس العزيزة وذلك لأسباب عديدة يصعب حصرها الآن وقد بدأت تظهر وتتفاقم منذ انتشار الفقر وارتفاع تسبة البطالة فيها وذلك منذ مدة طويلة ما يُحضّر لإشرافها قريبا على الشيخوخة هي أيضا كالبلدان التي شاخت من قبلنا ، لكن " رب ضارة نافعة " كما يقول المثل العربي إذ قد يكون هذا هو الوجه الجديد للحرية الجنسية الذي يدعونه في السويد ب"" الفري لوف "" Free love والذي قد صار الناس في البلدان الاسكندنافية عموما يعيشون به منذ مدة طويلة .
ولماذا الزواج في رأيهم إذا صار التزاوج الحر ممكنا وفي إطار اجتماعي سليم لا ضرر فيه ولا ضرار ؟ ألم يكن الزواج عندهم في السابق كما هو اليوم عندنا في اللاحق في تونس وفي بلدان عديدة أخرى مٌكلفا وأحيانا مُقرفا بما يستوجبه من شروط وقيود و خصوصا إذا لم يكن مُرضيا لجميع الأطراف في العائلتين المتصاهرتين ؟ وفي أغلب الأحيان في مثل هذه الحالات من الزيجات الفاشلة يكون الزواج إذن معرقلا للنمو العادي للشخصية ومكبلا لإرادتها وربما كانت دمارا لحياة الشخص بكاملها أومحوّلة لوجهتها الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية والكثير منا قد أصابه مثل هذا الفشل ولا يرغب في التصريح به ( يبلع السكينة بدمها كما يُقال في الأمثال الشعبية التونسية ) ويصمت .
وفشل الزواج ليس بالأمر الهين في المجتمعات إذ يترتب عنه فشل المدرسة الأولى الأساسية في تربية الأبناء وإذا كانت العائلة المدرسة الأولى فاشلة ما عسانا ننتظر من المدارس اللاحقة التي ستبني على أساسها ؟
لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الصمت كان مقدسا لدى بعض الشعوب القديمة لأنهم كانوا يجدون فيه ملاذا في حياتهم من خيباتهم وحالات فشلهم فيها . ولعل كل المقدسات لا حقا كانت للبشرية من هذا النوع الذي يلجئون إليه في حالات العجز والإحباط والفشل والجهل بما يجري في الطبيعة والخوف من المجهول ، لكن المهم هنا أن كل ما بلغ الحد انقلب إلى الضد وربما الإنسانية في بعض المناطق من العالم اليوم قد ملّت الحياة النظامية هذه ورغبت عنها لتؤسس لحياة نظامية أخرى أفضل منها فإذا كان الإنسان ناضجا وعلى مستو عال من الشعور بالمسؤولية تُجاه نفسه وتُجاه الآخرين يُمكنه أن يمارس حاجته من الجنس بكل محبة وبكل أريحية ودون التفكير في الإنجاب إلا إذا كان راغبا فيه أو مضطر له ( ووسائل منع الحمل كثيرة ) وهكذا دون الانخراط في عملية الزيادة المطردة في النسل الذي ضاقت به الأرض ضرعا وكان ولا يزال سببا رئيسيا ودائما في النزاعات والخصومات والحروب والفتن بين البشر ، وهكذا أيضا دون إلحاق الضرر بأحد إذ لا تكون العلاقة الجنسية الحميمية الجميلة والسليمة إلا بالتراضي بين الطرفين .
أليس بالحدّ من التكاثر وتزايد النسل نحُد من ظاهرة الحروب وما يلحقنا فيها من خراب ودمار ومن كل هذا التلوث الذي أنهك الأرض وأفسد ما عليها ومن عليها منذ زمن ؟ وهكذا نخفف الوطء على أمنا الأرض التي أنجبتنا ورعتنا بعطفها وحنانها طول العمر ولا نتسبب لها في المزيد من الكوارث والمصائب الجمة فتعيش هي في سلام ونعيش نحن معها في سلام آمنين دون حاجة لنا فيها لمؤتمرات أو قمم بقصد التخفيف من آلامها ومعاناتها دون جدوى و دونما طائل من ورائها ؟؟ .
ألم يؤكد الاقتصادي الانكليزي توماس مالتوس وزاد في تأكيد ذلك أتباعه من بعده أن مأ تُقدمه الأرض من الغذاء أقل بكثير مما يحتاجه الناس منه خصوصا ما داموا هكذا في تزايد مطرد ؟ وهذا ما يتسبب طبعا قي الكثير من المجاعات ومن الأمراض وما يتسبب بالخصوص في الكثير من الحروب إلى حد الآن ...
وكثرة الحروب تتسبب في الكثير من التلوث ومن الغازات الدفيئة المهددة دوما لطبقة الأوزون والمُنُهكة للقوى الاجتماعية والمُتعبة لكل المنظمات والهيئات الدولية .
ولهذا أعتقد أنه من الضروري اليوم قبل غد أن تقوم الأمم المتحدة وبجدية تامة بالدعوة الملحة لكل الشعوب إلى تحديد النسل بنسب معقولة في العالم كله وستكون هذه المبادرة الرسمية من منظمة الأمم المتحدة مشاركة فعلية وفعالة في استتباب الأمن في العالم وتحقيق السلام بين البشر والشروع في بناء مستقبل أفضل للإنسانية قاطبية . أليس هذا ما أنشئت من أجله ؟
أوليس أيضا بتحقيق هذا البرنامج على الأرض تٌصبح الحياة فيها أجمل وأفضل ويُصبح الناس فيها إخوة طبيعيين بيولوجيين وإنسانيين في الآن ذاته ؟ ولم يعد بالضرورة الطبيعية أي واحد يُضمر الشر للآخر أو يناصبه العداء خصوصا إذا صرنا نعوّل على أنفسنا في تقرير مصيرنا في هذا العالم دونما لجوء إلى عالم غيب مؤسّس على الخوف والطمع والوهم من المعرفة .
وللعلم فإن بعض الجماعات الإتنية في إفريقية مثلا تعيش الآن بطبيعتها مثل هذا الوضع ( موريطانيا مثلا في بعض جماعاتها ) ومعتمدة نفس هذه الطريقة المتبعة في الغالب في البلدان الاسكندنافية فإذا مس أحدا ضرّ التف حوله الجميع يشاركونه إحساسه بذلك الضر ويجتهدون في مساعدته ومواساته ( وأما الديانة فهي من باب العادات والتقاليد عندهم ليس إلا ).
وبالتالي يصبح لدينا التزاوج الحر النزيه ( لا الزواج ) المثقفُ وغير المشروط والمسئولُ أفضل لنا من الزواج المهيّأ أكثر للتكاثر والانفجار الديمغرافي الذي لا تُحمد عواقبه في العادة وتنجر عنه العديد من المشاكل وربما انقرضنا من الأرض في زمن قريب .

وللإشارة فقط فإنه إذا حدثت زيجة جديدة في الدول الاسكندنافية هذه الأيام كانت كما لوهي ظاهرة غريبة تتناولها مختلف وسائل الإعلام الرسمية وحتى الخاصة بالاهتمام وللحديث عنها ومباركتها وكأنما هذه الدول قد ملّت من الحداثة والمعاصرة وقد بلغت فيهما الحد الأقصى فصارت محتاجة إلى الالتفات قليلا إلى الوراء لتستلهم من الماضي السحيق الذي ابتعدت عنه كثيرا بعض العادات والتقاليد القديمة لتغيير أسلوب الحياة فيها من جديد ، ولما لم تجد إلى ذلك سبيلا سهلا نظرت في من حولها من القادمين إليها من الشعوب القديمة - الجديدة التي قد تراهم لا يزالون يحملون قيما نبيلة وصالحة للتفاعل معها وتجديد دمها لمستقبل أفضل لكن للأسف سرعان ما انكشف الغطاء عن هؤلاء وبان للناس غيُّهم أكثر من رُشدهم ولم يعد في أوروبا من يُصدّقهم لأنهم جاءوا في الأصل مرتزقة يبحثون عن شغل ليُقيموا به أودهم فإذا بهم قد صاروا يزرعون الرّعب في أوساطهم ويخلقون الفتن بين متساكنيهم و يعبثون بحضارتهم .

المهم في الأخير أن الزواج في تونس كما هو في غيرها من الدول مسؤولية اجتماعية لم يعد الكثير من الشباب اليوم بقادر على تحملها ؟ لذلك صرنا نرى الكثير منهم محاولا " الحرقان "بما فيه من المخاطر واحتمال الموت غرقا أو اللجوء إلى الانتحار حرقا.
ألا يكون من منطق الأحداث إذن أن التزاوج الحرّ أفضل وأسلم للجميع حب من حب وكره من كره ؟؟؟؟؟
لطفي بن سالم / بقظان ابن الحي