في التراث و التجديد بين الداخل المستعجل و الخارج التأسيسي : حيرة و قلق

حمزة بلحاج صالح
2018 / 12 / 29

ما عجز عنه الماركسيون في قراءتهم للتراث و بعدهم الليبراليون توظيفا لعلوم اللسانيات و الفيلولوجيا و الأنثربولوجيا و تاريخ الأديان و دراستها و مقارنتها ..

ومع رفض تقبل المجتمعات العربية و الإسلامية لأطاريحهم و تعذر إنتشارها بين النخب و غير النخب و المجتمع المتعلم ...

و ما عجزت أيضا تيارات التنوير و الحداثة و الليبرالية تحقيقه في البلدان العربية و الاسلامية ..

تريد اليوم تحقيقه دوائر نخبوية أخرى عبورا عن طريق نخبة معينة و جامعات و مثقفين و وسائل الإتصال الإفتراضي و شبكات التواصل الإجتماعي و جهات مانحة و داعمة...

بعيدا عن الصدام المباشر مع اليقينيات و الثوابت و المسلمات التي يتمسك بها الكثير و يجعلونها مقدسة ...

و ذلك عبر إستراتيجية إنتشار مدعومة بالوسائل بمحاولة تقويضها تدريجيا و التسلل إلى المخيال العربي الإسلامي و النظام المعرفي السائد أو المتحكم و الغالب و الشالئع بما له و ما عليه تدريجيا ..

مع حذر كبير و يقظة و انتباه و تجنب الخلخلات الصادمة لليقينيات و المسلمات المغامرة و المكلفة...

تتخللها بين الحين و الاخر إحتكاكات و تجاذبات ...

فبدل الحديث عن رفض حجية السنة مثلا علانية (رسولية أو نبوية أو تراثية حسب تقسيم محمد شحرور و غيره) ..

يتحدث بعض من يخفون قرانيتهم عن مراجعة دور و وظيفة و صحة السنة و منزلتها من القران أو " الكتاب " ( قريبا مما يطرحه محمد شحرور أيضا و غيره) ...

و يطرحون ضرورة تجاوز التعريف التراثي للسنة و قد يعزز وسائل الدعم هذه أن تلتقي دوائر " شيعية " عبر نخبها في تقاسم الرأي المتعلق بالسنة و الموقف من البخاري و مسلم ....

كم هو ممتع و مغري و باعث على النشوة و اللذة و ذو نكهة متميزة حديث نخبوي كهذا لكن كم هو صعب و متعذر انتشاره و تعميمه في الواقع لافتقاره أيضا لقوة الحجة و اصطدامه بمعوقات التراث و المخيال...

و في كل الأحوال لن تتمكن أي مقاربة علمية لا تشتغل من داخل المنهج النصوصي نفسه باليات لا صدامية من تحقيق أي جدوى معرفية في إحداث تغيير معرفي عميق في الواقع لأنها سوف تبقى منحسرة و حبيسة خطاب نخبوي ضيق و محدود الإنتشار...

بل ستحقق مرحلة اتية (مستقبليا) تتجاوز اثار " ما بعد الثورات العربية و إنتكاساتها المبرمجة " ستحقق و تؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تجذر عميق و إنتشار أفقي و عمودي أكثر تجذرا لصالح المنهج النصوصي السائد...

كم يكون أذكى و أجدى تحقيق الوثبة الناجحة عبر الية عميقة و دقيقة و علمية تأخذ بعين الإعتبار المعوقات السابقة لانتكاسات تيارات التنوير و الحداثة في الوطن العربي و الإسلامي...

غربة الخطاب و غربة الأدوات المتوسل بها لقراءة الوحي و التراث و تفسيرهما و فهمهما و منهج القراءة و المفاهيم...

غربة عن النسق و النظام المعرفي و غربة بما تولده من نتائج صادمة للعقل التراثي و مسلماته و يقينياته و أقنومه...

هل من إفاقة معرفية تختصر المسافات و تعفينا من هدر الإمكانات و تتكفل بموضوعات "ديناميكية إنتشار الأفكار" و ضمان فعااليتها .....

موضوع يشدني و يجعلني أتخبط تارة صريعا و أخرى مقاوما..حيرة و قلق..

ما بين القراءة من الداخل كمرحلة استعجالية لكن بتجاوز بعد استيعاب المحاولات السابقة و منها محاولات طه جابر العلواني مثلا لا حصرا من جهة ..

و بين القراءة من الخارج لوضع حد لما تولده منظومة نصية فضفضاة مطاطة تتناسل عنها كل التناقضات من السلفية إلى مدرسة الرأي و العقل و الإعتزال كما يسمونها و من فهوم خطيرة لا تناسب راهننا بل غريبة جدا عن العقل السليم ..

ان اجتهادات طه جابر العلواني حول موضوع الحدود في الإسلام مثلا جديرة بالنقاش الواسع و العميق لأنها إشتغال باليات المنهج النصوصي من أجل توليد القراءة الإيجابية للنص من رحم القراءة السلبية بكروموزوماتها و جيناتها المعدلة ...

طه جابر العلواني ينجز التعديل و التصحيح على مستوى الجينات الأولى و ينتج الجديد من الداخل بأدوات الداخل لا من الخارج...

بصعوبة لا تخلو من محاذير و عقبات و عوائق و تبعات يقوم طه جابر بمهمة شاقة وأمام رفض و تهجم ينطلق من نفس المنظومة التي ولد منها طه جابر فهما اخر ..

فتصعب المقاومة لفضفاضية و مطاطية المنظومة النصية كما سبق أن ذكرت و ما تمنحه من حق متعدد متناقض تارة و متعارض أخرى ...

لقد أشار حاج حمد إلى أن طه جابر يريد أن يخفي ما الله مبديه ...

كما أخبرني الأستاذ طه جابر عن حاج حمد و و قال لي لعله بقوله ذلك أي حاج حمد كان يعني موضوع الحدود الذي تناولته مقدرا أن مخفيا لازال وراء اللامقال و منه قيل صراحة ...

غير أن الفارق بين فهم طه جابر للحاكمية الإلهية باعتبارها قرانية كان من داخل النص سيعفيه من كثير من الصدامات لا كلها و يمنح لأطروحته حظوظ الإنتشار النسبي أكثر من أطروحة حاج حمد أو محمد شحرور..

فهما بين بين أو غيرها و التي لا تخلوا من "صدامية " مع " اليقيني "و " الثابت " و الموروث و المسلمات....

هنا تطرح مسألة المنهج و الأدوات و الإسترتيجية الكتابية و استراتيجية نشر الأفكار و الداخل و الخارج و وعي النخبة و وعي الجمهور و وعي المتعلمين و الوسطاء بينهم و تشكلات المخيال الجمعي..

كما تطرح مسألة المؤسسات الراعية لانتشار هذا اللون من الإجتهاد الذي لا يعفينا من عمل اخر نخبوي عميق يشتغل بمنظومة إنتاج منجزنا عبر التاريخ و نقدها و تحليلها و تفكيكها و تجديدها و تحيينها...

بقدر ما أؤمن بالمرحلية أتمسك بضرورة الإنطلاق في عمل تأسيسي يقدم بديلا عن منظومة النص و يعفينا من التشرذم و الإنقسام ..

و هي القراءة من الخارج التي يمكن التعويل عليها و هو عمل ينطلق اليوم لتتلقفه أجيال لاحقة ...

هو وحده خلاصنا من ماسينا ..