في ذكرى ميلاد الثوري الصيني ماو تسي تونغ

مشعل يسار
2018 / 12 / 28

صادف يوم 26 ديسمبر/كانون الأول الجاري الذكرى السنوية الـ 125 لميلاد مؤسس جمهورية الصين الشعبية ماو تسي تونغ.
كان "الربان الأعظم" ماو هو مكتشف المعادلة المعروفة بـ "حرب المدينة العالمية ضد القرية العالمية"، تلك التي اكتسبت حالياً أشكالًا تكنولوجية، بل اجتماعية واقتصادية جديدة (على سبيل المثال، تحول البروليتاريا إلى بريكاريا*). كما أنه كان أحد طرفي التحالف الذي أنشأه مع ستالين، وقد أصبح التحالف الاستراتيجي السوفييتي الصيني مثابة السابقة الهامة لتحالف اليوم بين الصين الشعبية وروسيا، في المرحلة التاريخية الجديدة، باعتباره البديل الحقيقي الوحيد لما يمكن اعتباره "المعتقَل الليبرالي العالمي" الذي يمثله "السلام الأميركي" (Pax Americana) و"إمبراطورية الدولار"، والرد الوحيد اليوم على العدوان المتنامي "للغرب الجماعي" الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الاتحاد الروسي وضد جمهورية الصين الشعبية.
التجمد والتسمّر في الماضي لدى تقييم ماو تسي تونغ لا يزال مؤثراً تأثيرا كبيراً. فلا تزال هناك بين أوساط الجهاز الحزبي ورجال الأعمال والمثقفين الصينيين ذكريات سلبية قوية عن العواقب الوخيمة "للقفزة الكبرى" و"الثورة الثقافية". وينتمي رئيس جمهورية الصين الشعبية نفسه شي جين بينغ، في الواقع، إلى فئة "المقموعين" في عهد ماو تسي تونغ. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي الآن إلى أن الذكريات عن ماو بين العمال والطلاب الصينيين أصبحت أكثر إيجابية وأكثر ارتباطًا بالنقاش السياسي الداخلي حول المآل الذي ينبغي أن يؤول إليه بلدهم: نحو الخضوع لمصالح الولايات المتحدة أو نحو إنشاء "مركز قوة" خاص بالصين في المنظومة العالمية للعلاقات الاقتصادية.
والمسار نفسه يلحظ في روسيا حيث تعود الناس فشيئا فشيئا، حسب استطلاعات الرأي الدورية، إلى تقدير دور ستالين في التاريخ السوفياتي وتاريخ الدولة الروسية وإلى تفضيل الواقع السوفياتي على الحاضر. وأخذت تفرض نفسها العلاقة الجيدة بين روسيا والصين رغم الصراع الأيديولوجي والسياسي وحتى العسكري الذي شاب علاقات البلدين خلال مرحلة ترؤس خروشوف- بريجنيف – أندروبوف للحزب والدولة في الاتحاد السوفياتي.
لقد كانت الصداقة مع الصين تستند إلى حد كبير على العلاقة الشخصية بين ستالين وماو.
وتحاول النخب السياسية في الاتحاد الروسي والجمهوريات السوفييتية السابقة اليوم عمدا طمس ذكر مصادر الصداقة التاريخية بين الاتحاد السوفييتي والصين، والتي تبلورت في الفترة من 1945 إلى 1953، عندما قدم الاتحاد السوفييتي وستالين مساعدة لا تقدر بثمن للحزب الشيوعي الصيني: بالأسلحة، بما في ذلك الغنائم التي تم الاستيلاء عليها من جيش Kwantung الياباني، وبالمستشارين العسكريين، والاستثمارات المالية، والتكنولوجيا. كل هذا أدى إلى انتصار الحزب الشيوعي الصيني والجيش الشعبي لتحرير الصين على حزب الكومينتانغ وإلى أن كان ماو تسي تونغ هو الذي أعلن في 1 أكتوبر 1949 إنشاء جمهورية الصين الشعبية في ميدان تيانانمين، وبهذا تغيرت تغيرا جذريا نسبة القوى العسكرية والسياسية على الساحة العالمية، مما جعل من الضروري إنشاء حلف شمال الأطلسي وتوحيد الغرب تحت قيادة الولايات المتحدة.
ولئن قررت بكين وماو تسي تونغ شخصيا في نهاية الخمسينيات - بداية الستينيات من القرن الماضي الانفصال عن الاتحاد السوفياتي، فإن هذا القرار كاتن في المقام الأول ردا على المؤتمر العشرين واتهامات خروشوف الزائفة لـستالين بأنه نشر ممارسة "عبادة الفرد". فلم يكن باستطاعة ماو أن يتفق مع هذا الخط - ليس فقط لأنه كان يعني بالنسبة له موتاً سياسياً واستقالة من المنصب القيادي في جمهورية الصين الشعبية، بل لأنه كان يتناقض مع كل قناعاته وتجربته الحياتية باعتباره ثوريًا ووطنيًا صينيًا - بما في ذلك تلك التي تم اختبارها بالتفاعل مع ستالين. لذلك، اتهم ماو بصدق وإخلاصٍ قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي في ما بعد ستالين بالانتقال إلى مواقف النزعة الاستهلاكية، ومواقف التوفيقية والتقارب مع "المدينة العالمية" المتمثلة في الغرب.
ولكن حتى بعد إقالة خروتشوف، لم تفعل القيادة الجديدة برئاسة ليونيد بريجنيف ومَن بعده شيئًا لأجل عودة البلدين إلى التقارب، بل حتى أوصلت تلك القيادة الأمر إلى نزاع عسكري عند جزيرة دامانسك.
وينبغي الاعتراف بأن التطورات التاريخية وانهيار الاتحاد السوفييتي قد أكدت وجهة نظر ماو، لا سيما حين لعب يوري أندروبوف الذي كان بناء على تعليمات خروشوف يشرف على الجدل مع الحزب الشيوعي الصيني في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، دوراً حاسماً لاحقاً في وصول "عرّابي البيريسترويكا" إلى رأس السلطة. فأولئك الذين عينهم أندروبوف كقادة سياسيين لعبوا الدور الرئيسي في تدمير اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ومجلس التعاضد الاقتصادي وحلف وارصو. لذا، لا بد عشية الحلقة الجديدة من هجمة الولايات المتحدة وحربها الهجينة على الاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية من إلقاء نظرة جديدة على الخلافات السوفييتية الصينية في الماضي والتأسيس للحلف المقابل.


ملحوظة حول تعريف البريكاريا أو "الطبقة الخطرة الجديدة» (باللغة الإنجليزية The Precariat, the new dangerous class):
هي طبقة من الناس يعيشون في وضع اقتصادي إجتماعي هش وكان يشار بهذا المصطلح إلى الشك وعدم اليقين على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والسياسي لدى مجموعة متنامية داخل المجتمع. وأهم ما يميز هذه الطبقة هو نقص فرص العمل وقصر مدة عقود العمل وانخفاض الدخول، وصعوبة العلاقات الإجتماعية ، وانخفاض الضمان الإجتماعي ، والافتقار للأمن الوظيفي ، وانعدام الصوت السياسي . فضلا عن خطر ارتفاع معدلات الفقر (مثل نظام الوظائف القصيرة الأمد في ألمانيا). ومن نتائج هذا أن هذه الطبقة عرضة لنمو الراديكالية و الشعبوية في أوساطها وبذلك فإنها تشكل تهديدا للديمقراطية.
ويقدر عدد أفراد البريكاريا في اليابان مثلا بأكثر من 20 مليون شخص، بينما اصبحت في أوروبا تشكل موضوع نقاش منذ مطلع القرن الحادي والعشرين : شباب حائزون على درجات تعليمية عالية ولكنهم عاطلون عن العمل وليس لديهم أية وظيفة يؤدونها أو يقومون بأداء وظائف أو أعمال ذات أجر زهيد.