يا الله .. يا بيروت ! مَحلاكِ ، شو حِلوي !!

يحيى علوان
2018 / 12 / 26


1
بمبادرة كريمة من "دار الفارابي" و "الخميرة" الطيبة المتبقية في المشهد السياسي اللبناني – أعني الحزب الشيوعي اللبناني –
دُعينا في الفترة بين 5 – 12 من كانون الأول/ديسمبر الجاري ، السينمائي المبدع والصديق قيس الزبيدي تكريماً لما قدّمه من أعمال
سينمائية متميزة خدمة للقضية الفلسطينية والمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الأحتلال الأسرائيلي ، وكاتب السطور لمناسبة صدور كتابه
[ مُطاردٌ بين "الله" والحدود] عن "دار الفارابي"، والذي عُرض ضمن مطبوعات الدار في دورة معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 62 ،
إذ يعتبر المعرض من أهم معارض الكتب في العالم العربي .
2
لم أمتلك جزمة مَطَرية "گالوش" تُمكنني من الخوض في أوحال السياسة بلبنان ... بنظامه الطائفي والفساد ونهب المال العام ...إلخ
مما يُرادُ إستنساخه وتثبيته في العراق وغيره ! كذلك لمْ تكن لديَّ فَكّه (قروش ، خُرده ) تمكنني من زيارة "كازينو لبنان" وسواها
من "مرابع" للأختلاط بالمجتمعات
"المخملية !" وحديثي النعمة من كل الطوائف والجنسيات...!! لذلك سأكتفي بما شاهدته ، وبأنطباعات سريعة وذكريات .
3
ساعةَ وصلنا مساءً ، إستقبلتنا بيروت بزخّةٍ، ظنناها عابرةً ، أو"نعمة"-على ما يقوله المزارعون . لكن ستكشف الأيام التوالي
أنها لم تكن نعمة ، إنما "نقمة!" أغرقَتْ ، حتى "الرملة البيضا"(حي يسكنه المرفّهون في بيروت). مستغرباً سألتُ قيساً
" ما حاجة العروس/ بيروت لكل هذا المطر ، إذْ هي تستلقي على التلال وتغسل أقدامها في البحر؟!"فردَّ ممازحاً
" لا تسأل عما نجهله ! فقد تكون وراء ما لا نعرفه حِكمة ربانية!! "

المساء في بيروتَ ، ونحن ندخلها قادمين من المطار، يُشيعُ الغموضَ ..
ماطرٌ ، يُرخي في النفس كآبةً تُزيدها شحّةُ الأنوار[ أزمة الكهرباء هنا أقدم مما في العراق !].. !
السماء تبدو قديمة ، كأنكَ تنظر إلى مشهد بالأسود والأبيض !
المطرُ حبالٌ خُرافيّة تكاد تُمسك بها،
مطرٌ يتكسّر على الأسفلت والأرصفة بـ"عثراتها"،
وعلى الرخام أمام مطعم الـ " ت ة "
مطرٌ يُطفأُ كل شيءٍ ، إلاّ ناركَ الصغيرة القابعة بداخلك ،

يُلغي كل الشهوات ، إلاّ أنْ تفوزَ بدفءٍ من دون بَلَلٍ ،
لكن بيروتَ هيَ ، هيَ ، تعرف أن الليل صاحبي ! تبدو لاهيةً ... لا تهجعُ حتى حين تخلد الناس للنوم ، مثلما عرفتها في أيامٍ رحلَتْ!
نَشَدنا "الحمراء" ، صحبة الصديق نجا الأشقر – كتلة هائلة من النشاط والعلاقات مع الوسط الفني ومنظمات المجتمع المدني –
حيث سيكون أوتيل نابليون مُستقرنا ( فندقٌ في أحد زواريب الحمراء يبكي شأنا كان له في زمنٍ فات !)
دخلنا حانة أبو إيلي لنَبُلَّ العطَشَ بكأسٍ . كانت المفاجأة الأولى أنك تستطيع التدخين دون منع أو "عزل"! أما الثانية فتثلج القلب
في زمن "قحط اليسار"! ... جدران الحانة الثلاثة رُصفت بمئات الصور ، التي تُعلن هوية الحانة وروادها ، دون مواربة !
ماركس ، إنجلز ، لينين ، تروتسكي ، جيفارا ، فرج الله الحلو، حسين مروة ، مهدي عامل ، فهد ، سلام عادل ، لومومبا ،
ألليندي، كاسترو، فيكتور جارا ، مانديللا ... هلَّلَتْ صاحبة الحانة بنا لمّا عَرّفها نجاد أننا من العراق ...
4
في اليوم التالي ، حل موعد إفتتاح المعرض ، ذهبتُ قبلها إلى " دار الفارابي " في كورنيش المزرعة ، عند "دوّار الكولا"،
وكان عندهم علمٌ بوصولنا .. لكن للأسف لم أحظَ بلقاء المناضل جوزيف بوعقل ولا
بالدكتور حسن خليل المدير العام للدار ، إذ خرجا قبل وصولي لأنني تأخرت بسبب الزحام ، الذي تختنق فيه الشوارع وسط بيروت بعد الظهر.
بعدها ركبت السرفيس بأتجاه الروشة – البينيل ، حيث يُقام معرض الكتاب . [ البينيل ، "أرضٌ جديدة"شاسعة نشأت إثر رمي أنقاض
خرائب الحروب في البحر وسيطرت عليها "جهة" سياسية بعينها !! ]
للمرة الأولى أزور هذا المعرض الهائل والهام ، أول ما لفت إنتباهي ، الجمهور الغفير والمنوع في إهتماماته . بل أن كثرة من العوائل
إصطحبت حتى أطفالها ، مما يوحي بأهتمامها بتقريبهم وتحبيب الكتاب لهم. ومما أسرّني أن الأطفال والنشأ الصاعد لم يكونوا منهمكين
بموبايلاتهم ، مثلما نرى أقرانهم في أوربا ! كذلك لفتني أن أكبر جناح في المعرض ، كان لدار الفارابي ، التي قدّمت 178 عنواناً جديداً
في هذا العام فقط ، حسب ما قال لي د. حسن خليل ، حين إلتقيته في الجناح ، فكان مُرحباً ، بشوشاً، شديد التواضع .. يدخل القلب بسرعة !
5
في اليوم الرابع إنتهت السماء من مهمتها! فقد أفرغت كل قِرَبِها ، وأفسحت قليلاً للشمس أن تُطلّ . إنتهزتُ الفرصة للبحث
عن " ساحة رياض الصلح"و"ساحة البرج"لأن لي فيها ذكرى ترتبط ببدء الحرب الأهلية في نيسان / أبريل عام 1975.
كان الرفيق عبد الله راشد ( أبو غسان) ممثل "جبهة التحرير الوطني البحرانية" وأحد قيادييها مقيماً في بغداد خلال السبعينات.
سألني مرة ، وكان في زيارة للجريدة ،"طريق الشعب"، إنْ كنتُ على إستعداد لأداء خدمة لهم بجلب بريد حزبي لهم من رفيق ،
لايريدون قدومه إلى العراق خوفاً عليه من خطر إنكشافه ، لأنه موجود هناك لـ"السياحة" مع عائلته. وافقتُ ، فقال ، سأرتب الأمر
مع ر. أبو حسان رسمياً ( كان الرفيق الراحل ثابت حبيب العاني مسؤولاً عن العلاقات الأممية في الحزب). سافرت بعدها إلى بيروت
وتوجهتُ حسب الوصف إلى فندق – نسيت إسمه – كان بهوه في الطابق فوق الأرضي نصف دائري ، يُطلُّ على "ساحة رياض الصلح"...
إلتقيت الرفيق البحراني تبادلنا الأشارة المتفق عليها ، وجلسنا نشرب القهوة وندردش ، سألني عن صحة أبي غسان ...

وإذا بقذيفة سقطت فأنهدمت واجهة البهو ، فوجدنا أنفسنا في العراء وإندلع إثرها رصاص كثيف لا ندري من أية جهة ولماذا ...
وكانت تلك "فاتحة" الحرب الأهلية الطاحنة ....
وجدتُ شيئاً آخر غير ساحة البرج ( السوليدير حالياً) ورياض الصلح غير تلك التي أستقرّت في الذاكرة ...
لم أتعرّف إلا على التمثال فقط ! المباني الجديدة ، خرسانةٌ تشعُّ برودة ، غابت عنها تلك الإلفة وذاك الإحساس بالدفء ،
أحسستُ بغربة في "غربتي"! فمنذ 25 سنة لم أرَ لبنان !
6
لكن بيروت تظل حافلة بالنقائض ، تُقدم لك ما تشتهي ، لاسيما شريانها الأبهى "شارع الحمراء" ، الذي ما زال يقاوم "الترييف"
- من ريف – للحفاظ على هويته "التأريخية"، حاضنةً مُتحضرة للثقافة والفنون بكل ألوانها ومشاربها ، تتعايش بسلام مع بعض ، دون "قطبية أحادية"!!
في اليوم الرابع على وصولنا بيروت ، وفي ساعة متأخرة نسبياً شعرنا بعطش لكأس بيرة ، قلت لقيس إبق أنت في الغرفة فالجو ماطرٌ ،
سأذهب بسرعة إلى سوبر ماركت في ركن الحمراء لأشتري بيرة...
دخلتُ "التعاونية" بحثاً عن بيرة . لم أجد . سألت رجلاً فارعَ القامة بلحية مشذبة منشغلاً بالموبايل ، يتلصّصُ على مؤخرات النساء وصدورهن ،
سألته عن مكان البيرة ، قطّبَ حاجبيه ،مستنكراً سؤالي وقال :" المحل الذي خلفنا في الزاروب على مبعدة 15 – 20 متراً لديه كل ما تبحث عنه ...
فنحن لا نتعامل مع المُنكَرْ !! "
جاهدتُ في كتم ردة فعلي ...، لكنها أفلتَتْ مِنّي ، قُلتُ :" لا تتعاملون مع المُنكرْ ، لكنكم تَدِلّونَ عليه !!" وخرجتُ ..
كان عزائي في ما دهاني من غربة ، أن الحمراء، والبربير، وكورنيش المزرعة ، والمصيطبة ، ودوّار الكولا، والقنطاري... لا تزال حارسة للذكريات أمينة عليها...!
7

بيروت مدينة تسرق وقتك .. تطحنك إن لم تتحلَّ بالبرمجة والأرتخاء في آن . كثرة من الأصدقاء يشكون من هدر المدينة للكثير
من وقتهم في الزحام الخانق وتعدُّدِ مسؤولياتهم وإنشغالاتهم العامة ، مما لا يترك هامشاً نحيفاً لما هو شخصي أو عائلي ..!
أحدهم شكا لي أنه يسافر إلى طرابلس لإلقاء محاضرات في الفلسفة بالجامعة هناك ، إضافة إلى مهامه الحزبية المتعددة
وعجئة (زحام) بيروت مما لا يُبقي وقتاً للعائلة ... وأضاف بحرقة أصيلة :" تصوّر أني إنتبهتُ بألم بأن أبنتي الصغيرة
أصبح عمرها ستة أشهر تذكّرتُ أنني لم آخذها مرة بيدي أو حُضني .. أيةُ قسوة هذه ؟!"
8
نظّمَ" نادي لكل الناس "– وهو منظمة مجتمع مدني تهتم بالشأن الثقافي عامة والسينما بشكل أخص – أربعة عروض لأفلام قيس الزبيدي ،
إثنان في بيروت . عُرض فيلمه الروائي الهام " اليازرلي"في قاعة الميتروبوليس بالأشرفية ، وفيلمان وثائقيان وفيلم روائي قصير
" شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب"و " بعيداً عن الوطن" و"الزيارة " في قاعة "دار نمر" بالقنطارية .
وتم تنظيم عرضين في الجنوب ، واحد في بلدة أنصار وآخر ، كان الأهم والأكثر حضوراً في صيدا ، إذ عُرض فيلمه الجميل والمؤثر"واهب الحرية "
في قاعة المركز الثقافي لمعروف سعد عن المقاومة الوطنية اللبنانية بكل شرائحها وطيوفها، رغم أن الحزب الشيوعي اللبناني
هو الذي أنتج الفيلم ! وحظي الفيلم بأهتمام من قبل الجمهور ، لأن جزءاً أساسياً من الفيلم وثَّقَ للمقاومة في صيدا وما حولها وإنتقالها إلى مناطق أخرى في جنوب لبنان .

9
ركبتُ السرفيس من "الحمراء" بأتجاه دوّار الكولا . السائق مكفَهرُّ الوجه "طفران"! يستمع لنشرة الأخبار في الراديو
ويضرب بيده على مِقوَد السيارة ، يُبربرُ ويلعن ... بعد مسافة صعد راكبٌ يبدو عليه موظفا في دائرة أومؤسسة أو ربما شركة !
"طفران" هو الآخر ، طلب من السائق بحنق أن يسكّر الراديو وأخبار أولاد .... فردَّ عليه السائق :" مهلَكْ ، شوي يا إستاز ..
لِسّاتَك طالع وتوزّع اوامر ... هيدي فيك تعملها بالضاحية ، مِش هَوْن ..!" فأجاب الراكب محتداً :" .. أبو الضاحية على أبو السوليدير
على أبو هالبلد..اللي ما بيعرف البَني آدم كيف ياكل لُئمة حلال ، بلد كِلّو حرامية وكزّابين ..!"
صعد راكب آخر . سرعان ما إنخرط في الجدل المحتدم .. دخل كل شي ببعض ! إنتبهوأ إلى صمتي وأنا أستمع لما يدور .
سألني السائق مُستعلماً :" شو ، يا إستاز ما إسمعنا رأيك ؟!" قُلتُ أني عراقي أزور لبنان لأول مرة!!
لا أجروء على إبداء رأي ! فأهلُ مكة أعرف بشعابها ..!
توقّف السرفيس عند الإشارة الحمراء ، رمى الراكب قبل الأخير ورقة نقدية بحضن السائق فتح الباب ، جهة اليسار ونزل يشتم "الروس واليابانيين والناس أجمعين "!!
ما إستخلصته من هذه الحادثة وغيرها أنَّ الناس ملَّت الحروب و"الطخ على بعض "! يتناقشون ، يختلفون ، وحتى يتشاتمون ،
دون أنْ "يطخّوا على بعض "وهي مرحلة متقدمة عما مرّوا به في العقود الماضية... فلبنان بكل طيوفه ، وحضارته مثل غيره من بلدان الله ،
بلد أهله طيبون ومتحضرون يستأهلون دولة مؤسسات مدنية ، لا دولة محاصصات دينية وطائفية أو مذهبية، دولة مواطنين حسب ،
يسري فيها القانون على الجميع ، دون تمييز أو محسوبية !!