هل دَفَنَّا -الظهير البربري- ؟ (أو حول إعادة النظر في مفهوم الوطنية المغربية)

الحسين أيت باحسين
2018 / 12 / 23

تنويه: أزول فلاّونت، أزول فلاّون؛
بداية أشكر الجامعة الصيفية بأكاديرعلى اختيار هذا الموضوع؛ لأنه "يجمع عصفورين في عش واحد": ذكرى "صاحب الغرانيق" (ibis) بوادي الطيور بأكادير، وصاحب كتاب "الظهير البربري أكبر أكذوبة في تاريخ المغرب المعاصر"؛ الفقيد المناضل محمد منيب؛ الذي أعاد عقارب الساعة إلى مربع ضرورة إعادة النظر في مفهوم "الوطنية المغربية"؛ وأشكرها على دعوتي للمشاركة في مناقشة هذا الموضوع؛ والتنويه موصول، أيضا، بكل المشاركات والمشاركين في هذا اليوم الدراسي.

تقديم:
في هذه المداخلة سيتم الاقتصار على تقديم مقاربة مفاهيمية (مقاربة إبيستيمولوجية) للعناصر التي تشكل العمود الفقري لمعالجة موضوع: "حول إعادة النظر في مفهوم الوطنية المغربية"، ومحاولة الإجابة عن التساؤل: هل دفنا "الظهير البربري"؟ كتتميم أو تجاوز أو بديل أو قطيعة مع "دفنّا الماضي"؛ ومساهمة في إبداء الرأي حول ما ينبغي أن يكون عليه تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؛ كإطار دستوري لما ينبغي أن تكون علية الهوية الأمازيغية المغربية؛ وفق مقتضيات الدستور نفسه، وما تنص عليه المواثيق الدولية المصادق عليها من طرف المغرب.

فبماذا يمكن أن نؤطر مفهوم: "الوطنية" ؟

1-كاستهلال: يمكن أن نتحدث عن الوطنية ك"هوية مبنية" لا ك"هوية معطاة"(1)؛ لكن لنقتصر على المحطات التالية: "ظهير 16 ماي 1930"؛ وخطابي: "20 غشت 1994" و"17 أكتوبر 2001"؛ و"أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء"؛ من خلال أيديولوجيا "الظهير البربري".

لقد تَمَّ استعمال "ظهير 16 ماي 1930"، بعد تحريف تسميته إلى ما سُمِّيَ ب"الظهير البربري" من طرف مناهضي الأمازيغية بشكل دوري كل سنة في 16 من شهر ماي؛ من أجل تهميش وإقصاء كل ما هو أمازيغي، مع ما رافق ذلك من اتهام كل مطالب بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية بالعمالة والتخوين، وزرع بذور التفرقة والعنصرية، وغيرها من الأوصاف القدحية والتحقيرية. وذلك منذ سنة 1930؛ لكن بعد الخطاب الملكي ل 20 غشت 1994، وخطاب أجدير الملكي ل 17 أكتوبر 2001، وخاصة بعد أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء؛ يمكن القول بأن ما سُمِّيَ ب"الظهير البربري" قد أخذ طريقه إلى "مزبلة التاريخ"؛ لأن هذين الحدثين أبرزا بأن جميع المغاربة قد ساهموا في الكفاح من أجل استقلال المغرب؛ بل إن الحركة الأمازيغية بدأت تقوم بتصحيحات الأيديولوجيا التي غُلِّف بها ذلك الظهير. كما رفعت دعوى قضائية ضد وزارة التربية الوطنية حول ما يسمى "الظهير البربري"؛ وصدر بصدد هذه القضية كتابان الفقيد المناضل محمد منيب؛ ونحن، اليوم، نقيم هذا الحفل التأبيني، بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الفقيد المناضل محمد منيب؛ . يمكن القول أيضا: لقد دُفِنَ صاحب كتاب: "الظهير البربري أكبر أكذوبة في تاريخ المغرب المعاصر"؛ الفقيد المناضل والباحث الذي ترك لنا، من بين ما ترك، جملة من الكتب والمقالات والحوارات (2) التي وضعت أرضية لإعادة النظر في مفهوم الوطنية المغربية وساهمت في بلورة أكاذيب أيديولوجيا ما سُمِّيَ ب "الظهير البربري".
فهل دَفَنَّا ما سُمِّيَ ب"الظهير البربري" كتأويل مُغرِض ل "ظهير 16 ماي 1930" ؟

2-كاعتراف: علينا أن نقرأ "ظهير 16 ماي 1930" على ضوء "أحداث 16 ماي 2003":
لقد دَفَنَ حَدَثُ 16 ماي 2003، حَدَثَ 16 ماي 1930؛ فكفت الأجراس الإعلامية والسياسية التي كانت تتخذ الحلول السنوي لحدث 16 ماي 1930 لتدق أجراس تخوين الحركة الأمازيغية وتبدع في إبراز عمالتها وتخوينها وما شابهها من كل قدح مذموم؛
فهل حققنا المواطنة التي تجد كل مغربية وكل مغربي نفسهما فيها؟

3-كمأسسة للأمازيغية: إذ اتخذت الأمازيغية طريقها نحو المأسسة مع "ظهير أجدير 17 أكتوبر 2001" الذي أحدث قطيعة أيديولوجية مغرضة مع "ظهير 16 ماي 1930" الذي نُعِت كذبا ب "الظهير البربري"؛ وذلك بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
لقد دَفَنَ "ظهيرُ أجدير" ل17 أكتوبر 2001، ظهيرَ 16 ماي 1930، المنعوت كذبا ب "الظهير البربري"، ليتم تتويج ذلك بترسيم الأمازيغية لغة وثقافة وهوية وحضارة في دستور 2011، وبذلك تم استئصال "الظهير البربري" كشجرة تخفي غابة التعدد اللغوي والتنوع الثقافي وخصوصية الينابيع المحلية لوضع القوانين والتشريعات الوطنية؛
فهل دَفَنَّا واستأصلنا الآثار السلبية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية، التي تُعتبَر بمثابة جذور تلك الشجرة ؟

4-ك"حركة وطنية مغربية":"هل يمكن اعتبار "الحركة الوطنية المغربية" بمثابة "الأسطورة" التي روج لها منشئوها؟ أم أنها مجرد "أسطورة" حققت هدفا ظرفيا ولم تنطل أهدافها المغرضة إلا لحين ؟
إن "الحركة الوطنية المغربية" المؤسسة على التأويل المغرض ل"ظهير 16 ماي 1930" تعتبر "أُسطورةٌ"، وليست "الأسطورة": "أسطورة"، بمعنى أنها (أي أسطورة) قضية فكر ينتمي لمرحلة ولأهداف أيديولوجية محددة ومغرضة؛ وليست "الأسطورة"، بمعنى أنها آلية وإنجاز لفهم وتفسير وشرعنة مرحلة مّا من تاريخ وفكر مجتمع مّا"؛
فهل وُظِّفَ "اللطيف" الشهير،كآلية من آليات الأسطورة التي تشرعن لمجتمع واعد، وقُرِأَ فقط في المساجد تَذرُّعا ألاّ يَتِمَّ تفريق "البربر عن العرب"، أم أن "اللطيف" قُرِأَ أيضا من وراء نافذة حجرة ليوطي المصاب بوعكة صحية، وتمُّ تَذَرُّعُ المولى إدريس من أجل شفاء السيد ليوطي، وهو يرفض أن يضع رجليه معا داخل ضريحه؟

5-ك"مفهوم الوطنية": ما أشبه مفهوم "الوطنية" ب"اللوحة التشويرية" !
إن مفهوم "الوطنية" مثلُه مثلَ مفهوم "اللوحة التشويرية"، قد نهتدي بها وقد تُضَلِّلُنا؛ إذ أن مضمون هذه الأخيرة (أي اللوحة التشويرية) قابلٌ لأن يكون دالا مطابقا للواقع الفعلي، أو يكون بمثابة مدلول مُحَرَّفٍ، لا يفيد سوى التدليس، إن على مستوى هوية الاتجاه أو على مستوى هوية المجال أو غيرهما من الوظائف الهوياتية ل"اللوحة التشويرية"؛
فهل تُجَسِّد بعض الخطابات الإقصائية التي تنبعث من حين لآخر، أو من هنا وهناك، قيم الوطنية المشتركة؟ وهل يمكن اعتبار الإعفاءات التي بدأت بعد سنة 2011 على مستوى تدريس الأمازيغية، وكذا التراجعات، التي بدأت منذ سنة 2007، عن المكتسبات التي تحققت بعد خطاب أجدير كاعتراف رسمي للأمازيغية لغة وثقافة وهوية وحضارة، والتي تشكل قطيعة مع ما سمّي ب "الظهير البربري" بمثابة حماية التعدد اللغوي والتنوع الثقافي الذي يتسم به الواقع الفعلي لوطننا؛ وهل يتسع، بذلك، وطننا لكل أفراده، تفاديا لتعميق جراح الماضي؟

6- ك"مفهوم الوطنية / المواطنة": إن الوطنية / المواطنة التي ينشدها كل مواطن هي التي تضمنها قوانين الدستور والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان الغير المجزأة؛ كما أنها تنتمي إلى شبكة من المفاهيم التي خضعت لدينامية تاريخية واجتماعية وسياسية، وخصوصيات مجتمعية... .
إن مفهوم "الوطنية"؛ في نشأته وتطوره اللغوي والثقافي والتاريخي والاجتماعي والسياسي وكذا الاقتصادي؛ يستلزم منّا تتبع خطوات تطوره:
منذ نشأته مع الفلسفة السياسية اليونانية بخصوصيتها الاجتماعية والسياسية، ومع ظهور المفهومين التاليين: "المدينة" و"المواطن" (Cité & Citoyen)؛
إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميلاد الدولة العصرية، ووضع الدساتير الوطنية، والمصادقة على المواثيق الدولية، مع ظهور مفهوم: "المواطنة":
(Citoyenneté & Concitoyenneté)
مرورا بميلاد مفهوم "الدولة الوطنية" و"الدولة العصرية" مع ظهور مفاهيم: "الوطنية" و"القومية" و"المدنية" و"حق الانتماء بالولادة" و"حق الانتماء بالأرض":
(Nationalité, Civilité, Droit de naissance / Droit de sang, Droit de sol, Education civique, Education nationale, etc…)
فهل تمّت ترجمة الإعلانات العالمية والمواثيق الدولية، وكذا الدستور الوطني إلى قوانين (تنظيمية وعادية وإلى مراسيم وزارية ومذكرات تنظيمية) تُلْزِمُ المسئولين على تنفيذ السياسات العمومية، وضمان الحق في الوطنية كمطلب حقوقي، وضمان العيش المشترك الذي ينشده كل مواطن، والتمتع بمختلف قيم المواطنة (واجبات وحقوقا) وفق مقتضيات الدستور، واستجابة لما تنص عليه المواثيق الدولة التي تمت المصادقة عليها؛ تجسيدا للآمال المعقودة على أجرأة وتطبيق مقتضيات الدستور، وما واكب ذلك من إعلان عن مرتكزات وقيم ومبادئ تستهدف الارتقاء بالمغرب إلى دولة حديثة وديمقراطية يسودها الحق والقانون، وترتكز على التعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن ومتماسك بتنوع مكونات هويته وتلاحمها، ومتشبث بوحدته الوطنية والترابية؟

الحسين أيت باحسين
الجامعة الصيفية-أكادير
15 دجنبر 2018
---------------
الهوامش:

(1) يمكن الرجوع إلى المقالات التالية؛ بصدد الهوية الأمازيغية، و"الهوية المبنية"، و"الهوية المعطاة"؛ عبر الروابط التالية:
- حول "الهوية الأمازيغية" (مفهوما وواقعا):
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=491798
- قراءة في مسار الحركة الثقافية الأمازيغية:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=455842
- "الهوية الأمازيغية" في ضوء دستور فاتح يوليوز 2011: أية آفاق لتجاوز "الهوية المعطاة" إلى "الهوية المبنية"؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=396352
لمحة / إحالة ببليوغرافية حول موضوع: الهوية في علاقته بالأمازيغية لغة وثقافة وحقوقا
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=299366

(2) من بين ما تركه الفقيد محمد مونيب من كتب ومقالات وحوارات:

الكتب:
- مونيب، محمد (2002) الظهير البربري أكبر أكذوبة في تاريخ المغرب المعاصر (2002).
- منيب، محمد (2010) الظهير البربري في الكتاب المدرسي، منشورات المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، إدكَل، الرباط، 2010 .
MOUNIB, Mohamed (2002) Dahir berbère : le plus grand mensonge de l’Histoire contemporaine du Maroc, à paraître prochainement.
المقالات:
- مونيب، محمد (2006) "من هم أحفاد ليوطي الحقيقيون؟" (2006)؛ الحوار المتمدن، العدد: 1621، بتاريخ: 24 / 7 / 2006
انظر الرابط التالي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=70766
- مونيب، محمد (2010) "القضاء العرفي الأمازيغي كان أرقى وأضمن لحقوق الناس من القضاء المخزني"، ضمن كتاب: تيزنيت: ملتقى تعايش الثقافات، أشغال الجامعة الشتوية الأولى لمدينة تيزنيت، يومي 30-31 يناير 2009، حول التراث الثقافي بسوس (حفريات في البُنى والتجليات)، في إطار مهرجان إمعشار، إصدار جمعية إسمون للأعمال الاجتماعية والثقافية، مطبعة أفولكي، تيزنيت، 2010، ص. 61-66.

الحوارات:
- مونيب، محمد (2012) حوار مع الأستاذ أحمد عصيد في برنامج: شؤون أمازيغية، حول موضوع: "الأمازيغية والظهير البربري"، انظر الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=wcLy1wlVCyI&t=1414s