عندما تفتقدون المال اللازم للعيش الكريم كلوا -حرية وديموقراطية-!!

مشعل يسار
2018 / 12 / 23

يعمل الغرب بواسطة العقوبات التي لا تنتهي وعلى رأسها الضغط لجعل أسعار النفط والغاز عالميا منخفضة على "معس"" أي سحق الاقتصاد الروسي وإخضاع روسيا قبل غيرها كخصم قوي عسكريا قبل إرجاع الصين المتقدمة اقتصاديا إلى الحظيرة الأميركية بعد أن أسهمت شركاتها أيما إسهام في خلق "التنين الصيني". ولكن "الماعس" الأساسي للشعب في الداخل هو البنوك والقلة الأوليغارشية التي تبيع البترول للخارج بتواطؤ من السلطات الروسية التي تأخذ حصتها في شكل إتاوة.
فكلما لاحت ملامح أزمة عالمية كان يتم في روسيا (وغير روسيا أيضا) تشليح الطبقة الوسطى والفئات الشعبية ما قد يكون تراكم لديها من مدخرات أو ما أحرزته من مكاسب على صعيد الأجور خلال الفترة السابقة. فهذا يلتسين شلّح الروس بُعَيد دحره بالتعاون مع الأميركيين الاتحاد السوفياتي عام 1991 ثم في عام 1998 وبوتين في 2008 و2014 وفي الآونة الأخيرة أيضاً كل ما زاد عن أسباب البقاء على قيد الحياة. فخلال السنوات السابقة تكونت فئة متوسطة عريضة بفضل انتعاش أسعار النفط والغاز عالمياً لأن الأوليغارشيا التي كانت تحصّل المليارات كانت في الوقت نفسه ترمي ببعض فتات الموائد للبرجوازية الصغيرة كي تحظى بتأييدها وهي تنهب ثروات باطن الأرض الروسية. وبما أن قادة الاقتصاد الروسي الليبراليين الحاليين الذين طالما عيّروا السوفيات بأنهم مديرون سيئون غير فعالين للاقتصاد جعلوه يقف ويسير "معكّزاً" على رجل واحدة بعد أن دمروا أو أهملوا كل ما بني من صناعة وزراعة وعلم ومعرفة منذ عهد ستالين إلى أواخر الثمانينيات. غير أن الوقوف على رجل واحدة كما هو معلوم صعب لفترة طويلة ويولد حالة عدم الاستقرار. وهكذا حين بدأت أرباح المافيا الروسية الحاكمة تخف بفعل انخفاض سعر النفط والغاز عالمياً وهو دخلها الرئيسي شبه الوحيد بالعملة الصعبة قررت تحميل وزر العقوبات للشعب الذي لا يزال ساكتاً على الضيم صاغراً خانعاً راضياً متغاضيا وفي صبره الطويل ماضياً.
الكادحون الفقراء ينتظرون العام الجديد الذي سيحافظون فيه بتفان كامل على جيوب البرجوازية ملآنة عبر التخلي عن كسرة الخبز اليتيمة. وسيتحملون بصبر كامل المسؤولية عن الصعوبات الاقتصادية التي يعانيها البلد نيابة عمن كان يفترض أن يتحملها حقا وفعلا بسبب سياساته التصفوية قي مجال الاقتصاد. فالمدراء الليبراليون والديموقراطيون الجيدون "الفعالون" دعاة الاقتصاد الحر غير الموجه من قبل الدولة هم جيدون لجيوبهم فعالون لفلذات أكبادهم وحبات قلوبهم وحسب حيث تزداد ثروتهم بسرعة جنونية مع إطلالة كل عام جديد، وكل ذلك على وقع قرع طبول الديموقراطية والحرية بعدما كانوا ملأوا الدنيا قبلُ بشعارات البيريسترويكا والغلاسنوست وما جاورها. وهم لا يفتأون يسبّون ويشتمون ليل نهار ستالين ولينين والشيوعية وكل من لف لفهم من التوتاليتاريين جماعة دكتاتورية البروليتاريا عبر أبواقهم من الحكواتية وخصوصاً المتصهينين منهم ممتهني إحدى أقدم المهن عبر التاريخ الإنساني.
عندما تسمع من هؤلاء كلمة ديموقراطية تشعر بالحاجة الى حمل مسدس. فهي الآن تعويذة الأميركيين والأوروبيين المدافعين عن "الحرية" و"الديموقراطية" وحق الشعوب في العيش في ظل الحروب وخواء الجيوب.


لمحة تاريخية
كما حل بالليرة اللبنانية في زمن الحرب الأهلية فصارت تساوي قرشاً مقارنة بما كانت عليه قيمتها الشرائية قبل الحرب، يحل اليوم منذ بداية الإصلاحات بالروبل الروسي إذ صار يساوي كوبيكاً (أي جزءا من مائة من قيمته الشرائية في العهد السوفياتي) حين شن الغرب الرأسمالي الشرس حربا اقتصادية على الأوليغارشيا الروسية، لعله يحل أزمته على حسابها. هكذا تأكل الذئاب بعضها عندما تفتقد من تأكله. والضحية الأولى هي كالعادة الشعب البسيط وطبقته الوسطى خصوصاً. فهل من داعٍ حقا للذعر؟
أجل. فكما بينت التجربة التاريخية، لم يستعجل أصحاب الرساميل الأجنبية بعد ثورة أكتوبر أن يوظفوا ويستثمروا في الصناعة والزراعة رغم خطط البلاشفة المدروسة، ولم تجتذب الرساميلَ الأجنبية حتى السياسةُ الاقتصادية الجديدة " NEP" التي لجأ إليها لينين آنذاك لإحياء الاقتصاد المدمر إثر الحرب الأهلية، إذ كانت البرجوازية المحلية والعالمية تأمل أن تسحق روسيا اقتصاديا. وكان الحصار الغربي كأنه يقول لروسيا السوفياتية: جربي أن تفعلي أي شيء بدوننا!!! غير أن تلك الدول هي أيضاً لم تستطع فعل شيء بدون روسيا السوفياتية، عندما بدأ النازيون يسحقونها واحدة تلو الأخرى. فراحت تقدم لهذه الروسيا المغدورة، بالإعارة والتأجير، الطائرات والدبابات، والآلات والسبائك الحديدية....
بعد الحرب، لم يعد الاتحاد السوفياتي بحاجة إلى بلدان الغرب أصلا لأن نصف العالم بات معه: نصف أوروبا ونصف آسيا مع الصين، وكان ثمة من هو معه حتى في أميركا الشمالية نفسها. لكنه كان لديه مهاجرون داخليون – ما سمي بالمنشقين – راحوا يطالبون بإلحاح بالانخراط والاندماج في الاقتصاد العالمي، بسلوك طريق الحضارة الرئيسي. فالاقتصاد المخطط لم يكن يرضيهم. هم بحاجة إلى السوق، الى المالك الخاص. وحجتهم أن الدولة في أي مكان في العالم، كما يقولون، لا تتدخل في شؤون اقتصاد المجتمع المدني، أي في شؤونها هي، وإلا فما مبررد وجودها؟؟ ولكنهم كانوا يكذبون لأنهم يلزمون الصمت حول أن الدولة البرجوازية التي بزعمهم لا تتدخل في شؤون اقتصادها، عندما تحز الحزّة وتحلّ الأزمة، تتدخل بل أكثر من ذلك. فتلجأ إلى العقود العسكرية مثلا لكي تخلق فرص عمل جديدة وتبحث عن عدو خارجي لتبرير الإنفاق العسكري الذي يذهب إلى جيوب الطبقة السائدة في الدولة في شكل أرباح ولا يذهب منه إلا جزء لتأمين العمل للعبيد المأجورين ونهيهم عن الانتفاض والثورة. ولكن بين بروز الأزمة في صورة انهيار سعر العملة وبدء الإنفاق العسكري ثمة مرحلة يتم فيها سحب ما تراكم من مدخرات لدى فئات الطبقة الوسطى إلى جيوب الكبار، أي جزّ صوفها الذي نما وتكاثر في المرحلة السابقة ليتدفأ به كبار الرأسماليين. وهنا يصدق القول: كلما حزّت الحزّة تعرّض صوف الطبقة الوسطى لجزّة!!
في أوكرانيا مثلا يتواجه رأس المال الروسي ونظيره الدولي. فقد اتخذت ضد الاتحاد الروسي العقوبات ولا تزال، واستُعمل ضدها الجبروت الاقتصادي الغربي. فضغطوا على الروبل، وعلى صادرات النفط والغاز الروسية. وناءت الأزمة العالمية بثقلها كله على الاقتصاد الروسي الذي يسعى رأس المال العالمي إلى حل المشاكل الناجمة عن الأزمة الرأسمالية العالمية على حسابه. فبات على المنافس الروسي أن يدفع الإتاوة، أو بالأحرى على عماله وكادحيه، لأنه لا يزال قادراً حتى الآن على تحميلهم وزر سياساته الخاطئة والأنانية.
هنا رفع البنك المركزي الروسي سعر الفائدة إلى ضعفها فزاد بذلك تكلفة الائتمان بالروبل، على أمل أن ترتفع قيمته مجدداً بعد هبوط سعره المريع. وراحت وسائل الإعلام تدق ناقوس الخطر محذرة من الإفلاس وقائلة إن هذا كله معاقبة لروسيا على عنادها في مخاصمة الفاشيين في أوكرانيا. وما دامت الاستدانة أصبحت أكثر تكلفة، فإن فتح مؤسسة إنتاجية سيكون أغلى وأصعب، والوظائف سوف تختفي شيئا فشيئاً. والبحث عن وظيفة سيصبح أكثر صعوبة، وستصبح الوظيفة مقدَّرة أكثر والتهافت عليها أكبر، ولذا سيكون من الأسهل على أرباب العمل في القطاع الخاص اللجوء إلى تخفيض الأجور. وستبدأ تطول طوابير الجياع العاطلين عن العمل! ومن ثم يبدأ الركود الاقتصادي، أي تخفيض الانتاج.
وها هو الرئيس الروسي يلتقي كبار العسكريين ويتحدث عن مشتريات عسكرية إضافية من قبل الدولة، وهي، بالمناسبة، أصلا مشتريات غير قليلة. فمن الواضح أنه تم العثور على الحجة: تهديد عسكري، مناورات عسكرية. كلها إلى ازدياد، ولا يمكن أن يُدَّخر المال للرد عليها رغم الانهيار الاقتصادي الحاصل. العضلات تستعرَض في شتى الأسلحة. لكن المجتمع الروسي بدأ يدرك بوضوح أن الوثوق بالقطاع الخاص وتسليمه وسائل الإنتاج لن يؤمن له الرفاه وسبل العيش الكريم! فللقطاع الخاص مصلحته الخاصة، وهي تتمثل في الربح والربح السريع: من التجارة، وبيع الثروات الطبيعية، أما احتياجات المجتمع المتمثلة في المشاريع الصناعية والزراعية الطويلة الأمد فلا تعنيه بحال. فهي بالنسبة إليه تأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة، وأخذها في الحسبان لا يكون إلا من باب تأمين الربح إياه.
الرأسماليون يطلقون بنزق واستهتار اليوم في سعار تنافسهم العنان لحرب عالمية إذا ما هدِّد دخلهم وهيمنة العتاق من بينهم أي خطر حتى ولو تأتى من أمثالهم. فهل إن الكادحين الروس وشعوب البلدان الأخرى سيقبلون أن يدفعوا حياتهم ثمنا لدخل يدخل جيوب مستغليهم وسارقي ثروات بلادهم، كما فعلوا منذ قرابة 100 عام؟؟؟؟