هل أصبحت قرارات ترامب لغزا ً!؟

عبدالله صالح
2018 / 12 / 22

بعد القرار " المفاجئ " لدونالد ترامب بالانسحاب الكامل والسريع لقواته من شمال سوريا، خصصت وسائل الاعلام العالمية المرئية، المقروءة والمسموعة جُل برامجها وتحليلاتها السياسية لمغزى هذا القرار! قرار أربك حلفاء أمريكا في العالم والمنطقة قبل أعدائها وفي مقدمتهم إسرائيل، وحتى على الصعيد الداخلي في أمريكا نفسها، حيث وصل الامر بالكثير منهم الى طرح سؤال مغزاه! ما الذي يريده ترامب!؟ وقد فسره البعض بأن سياسات ترامب غير مفهومة وخارجة عن كل الأطر المنطقية لأي تحليل سياسي!
مجيء ترامب الى سدة الحكم في أمريكا لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة حتمية لمتطلبات تواجد وبقاء وديمومة سلطة الرأسمال العالمي التي تتبنى السياسة النيوليبرالية الهادفة الى تخلي الدولة عن الاقتصاد وتركه للقطاع الخاص، سياسة تتميز بالتوحش في استغلال الانسان واحتكار أقلية ضئيلة لثروات العالم، سياسة تقف أمريكا في مقدمة قادتها نظرا لتفوقها الاقتصادي والعسكري في العالم الرأسمالي.
ترامب، ومنذ مجيئه، رفع شعار " أمريكا أولا " وكشف عن سياساته الاقتصادية النابعة من الحصول على المال مقابل أي غطاء لأية دولة ومنطقة تطلب منها ذلك. زيارته الأولى للسعودية وتوقيعه اتفاقيات اقتصادية بمليارات الدولارات اغلبها تخص شراء الأسلحة لمواجهة إيران "الشيعية "العدو اللدود للسعودية "السنية "! كانت باكورة هذه السياسة.
تهديد دول حلف الشمال الأطلسي بضرورة المساهمة المادية الفاعلة في ميزانية الحلف، خروجه من اتفاقية باريس للمناخ ، خروجه من الاتفاق النووي المبرم مع ايران، تهميش القضية الفلسطينية وطرح مبادرة صفقة القرن وقطع المساعدات عن الأونروا ( منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ) ونقل سفارة أمريكا للقدس ، سياسته الوحشية إزاء طالبي اللجوء وطرحه شعار بناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك ، تهديداته لكوريا الشمالية ثم لقاءه برئيسها، هذا على الصعيد الخارجي ، أما على الصعيد الداخلي فحدث ولا حرج ، لا يمر يوم دون ان نسمع عبر التوتير عزل للبعض واستقالة البعض وتعيين بدلاء عنهم، بدأً من اعلى هرم السلطة الى القاع ،كل هذه الخطوات تبين السياسة الواضحة والصريحة لترامب والدائرة الرجعية الضيقة التي تحيط به . أخيراً وليس آخراً قراره بسحب قواته من شمال سوريا وترك حليفه المحلي الاستراتيجي الذي أعتمده في محاربة داعش، قوات سوريا الدمقراطية، التي تتشكل معظمها من السكان الناطقين بالكوردية واللذين كانوا وقود الحرب ضد داعش، تلك المنظمة الإرهابية التي أُوجدت في المنطقة خدمة لمصالح الامبريالية العالمية وعلى رأسها أمريكا.
الآن يدور الحديث عن تفسير هذا القرار المفاجئ! باعتقادي ان القرار لم يكن مفاجئا ابدا، فاذا كانت أمريكا قد خذلت وعبر التاريخ الحركات القومية الكوردية، فان خذلان الحركة القومية الكوردية الموجودة الآن في سوريا يُعد أمرا طبيعيا ومتوقعاً.
أراد ترامب بهذه الخطوة أولا / خلط الأوراق على اللاعبين الاساسيين في الحالة السورية وهو يرى بأن سياسة غريمه بوتن تسير نحو تحقيق النجاح مقابل فشل المشروع الأمريكي هناك مقارنة بالمشروع الروسي، ثانيا / إرضاء تركيا بالقبول بصفقة شراء طائرات إف 35 وأنظمة الباتريوت والابتعاد عن روسيا وصفقة نظام الدفاع الجوي الروسي أس 400 ومن ثم اقناع اردوغان بالكف عن اللعب بورقة خاشقجي وإسدال الستار عنها إرضاءً للسعودية وتأمينا للصفقات المبرمة بين البلدين. ثالثا / ارباك ما يسمى بالتحالف الدولي ضد داعش، فرنسا، بريطانيا وألمانيا وبقة الدول ووضعها في موقف لا تحسد عليه وتركها في الساحة حيث كانت أمريكا تتحمل 90٪ من مجمل النفقات والاعمال العسكرية في محاربة داعش في المنطقة، فرنسا ورئيسها ماكرون كانوا في مقدمة المستهدفين من هذه السياسة، ذلك بعد تصريحات الاخير اثناء الاحتفال بمئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس وبحضور ترامب حول فكرة إنشاء حلف عسكري أوروبي يهدف الى الابتعاد عن الهيمنة الامريكية. رابعا / رغم كل ذلك هناك حديث يدور حول تفاهم مشترك ومسبق بين روسيا وامريكا بصدد هذا الانسحاب!
وصول الرئيس الإيراني الى انتقرة مباشرة بعد قرار ترامب بالانسحاب من سوريا دليل على أهمية المسألة بالنسبة للدولتين ومحاولة إتباع سياسة ملء الفراغ في المنطقة بالتنسيق مع روسيا بعد الانسحاب الأمريكي ووضع قوات سوريا الدمقراطية بين خيارين، اما الرضوخ لمطالب الحكومة السورية والبقاء تحت كنف الجيش السوري ومن ثم ابطال حلم كيان مستقل لهم في سوريا ، أو الاستعداد للهجوم العسكري التركي على مناطق تواجدهم بحجة ارتباطهم مع الـ بي كي كي .
تعيش سوريا اليوم حالة من لخبطة الأوراق السياسية بالنسبة للقوى المحلية ،على وجه الخصوص، الموجودة على الساحة والتي تشبه الرقص على ظهر الافاعي ، ما يدعوا الى الاستغراب في الحالة السورية الراهنة هو مواقف "الجناح اليساري " للقوميين الاكراد الذين يضعون هذه السياسة في اطار " الخيانة والطعن في الظهر " حتى وصل الامر ببعض منهم لحد وصفها بالغموض !!وعدم القدرة على وضعها في اطارها الصحيح .
الجماهير في سوريا وخصوصا في شمالها الذين تحملوا عبأ مرحلة مرت عليهم بكل قساوة ضحوا فيها بكل غال ونفيس ، يتعرضون اليوم للتهديد التركي الاردوغاني العثماني بالغزو، بعد تخلى أمريكا عن قوات سوريا الدمقراطية ، هؤلاء مطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالعمل على الابتعاد عن المشروع والسياسة الامريكية واتخاذ سياسة تعتمد على الذات و تؤمن لهم الحفاظ على المكتسبات التي حققوها والتمسك بتلك المكتسبات باعتبارها العروة الوثقى التي تؤمن لهم المسيرة نحو تحقيق أهدافهم. أما الأحرار في العالم فهم مطالبون بالوقوف مع محنة الجماهير في سوريا بشكل عام وشمال سوريا بشكل خاص و مساندة تلك الجماهير بالتصدي للمؤامرات التي تحاك ضدهم وعدم تركهم ضحايا للسياسات الامبريالية التي تريد رسم مستقبلهم وفقا لمصالحها.