الكابينة الوزارية الجديدة، تجسيد للمحاصصة الطائفية والقومية !

عبدالله صالح
2018 / 12 / 13

إنتظرَ حوالي 40٪ بالمئة من العراقيين الذين كانوا قد صوتوا قبل أكثر من خمسة اشهر لرؤية التشكيلة الوزارية الجديدة التي ظهرت أخيرا كبطة عرجاء باكتمال ثلثين من أعضاءها و الثلث الآخر بانتظار الخروج من فلتر الطائفية والقومية، اما الـ 60 ٪ بالمئة الذين قاطعوا هذه المسرحية، بشكل أو بآخر، فهم يعلمون ويدركون ماذا سيجري في الفصل الأخير منها لذا لم يشغلوا انفسهم بفصولها منذ البداية .
غالبية " القوى " التي شاركت في الانتخابات زيّنت حملاتها الانتخابية بشعار " حكومة تكنوقراط " و " ضد المحاصصة " و " ضد الفساد " وما الى ذلك من شعارات ، ولكن ما وان زالت الغيمة وانكشف الواقع رأينا عادل عبد المهدي المكلف بتشكيل الوزارة يقف بين كماشة "الاستحقاق الانتخابي والاستحقاق الطائفي والقومي " وما دعوته للخبراء في المشاركة في الحكومة الجديدة عبر تقديم( سي في ) ياتهم من خلال الانترنيت لاختيار الأفضل والأجدَرمنهم سوى زوبعة في فنجان !
العراق ومنذ الاحتلال الأمريكي البريطاني عام 2003 قُدّر له أن تتوالى على سلطته القوى البرجوازية الطائفية و القومية الرجعية حتى النخاع ، تلك القوى التي دفعت بالعراق الى الهاوية وتسعى لخلق تصور لدى المواطن بأن هذه الأوضاع شبيهة ببئرٍ بلا قاع !. نظرة بسيطة تبين لنا مدى تردي الأوضاع الاجتماعية ككل ، أوضاع الطبقة العاملة والكادحين الذين يشكلون الأغلبية في هذا المجتمع تبدأ بتدني الأجور ومستوى المعيشة وزيادة ساعات العمل وفصل العمال والتصدي بقوة لاي اعتراض يطالب بتحسين الأجور وتحسين مستوى المعيشة مرورا بالانعدام شبه التام لفرص العمل ، التضييق على الحريات السياسية وقمع المتظاهرين ، انعدام الآفاق لدى الشباب بتحسين ظروف الحياة وتوفير فرص العمل مما أدى بقسم منهم الى المخاطرة بحياتهم للهروب من جحيم هذه الأوضاع والهجرة الى بلدان أخرى، أما وضع المرأة في ظل هذه السلطة فحدث ولا حرج، اللجوء الى السنن والعادات العشائرية البائدة في التعامل مع المرأة وحرمانها من ابسط حقوقها والتمييز بينها وبين الرجل وانعدام ابسط معايير المساواة وإطلاق يد الميليشيات للاستمرار في اغتيال النساء ، كل هذه المظالم تُمارس بحق المرأة في ظل هذا المجتمع الذكوري! أضف الى كل ذلك الفساد الإداري والمالي المستشري وانعدام ابسط الخدمات وغياب القانون و سلطة المليشيات التي لا سلطة فوقها وفقدان الأمان وتردي الخدمات الصحية والتعليمية وازدياد البطالة وتفشي الامراض والجوع ، جميعها آفات لا يحتاج المواطن في العراق عناء كثيراً كي يراها ويلمسها ويتحسسها، لا كل يوم فحسب، بل وحتى كل ساعة !
وسط هذه الأوضاع تأتي الانتخابات الأخيرة لتشكيل حكومة يدعي القائمون عليها بانها ستكون مغايرة لسابقاتها ولكن المواطن العراقي يدرك بأن هذه الحكومة لم ولن تكونَ سوى إعادة لانتاج نفس تلك الأوضاع لذا بات يردد المثل الشعبي القائل : (تيتي تيتي تيتي ، مثل ما رحتي جيتي !)
لقد أصبحت المناصب الحكومية بدأً من رأس الهرم وحتى القاع مشاريع مالية وسياسية للأحزاب البرجوازية ، الإسلامية منها بشقيها السني والشيعي والقومية منها عربية كانت أم كوردية أم أخرى والمتسلطة بقوة السلاح على رقاب الجماهير ،تجني من وراء تلك المناصب الملايين ليتم صرفها لخدمة أجندتهم السياسية و تقوية الأذرع المسلحة لتلك الاحزاب تحسباً لكل الاحتمالات . شعار هذه السلطة ليس سوى السلب والنهب بكل الطرق ومهما كلف الثمن وقد جاء ظهور داعش وما رافق ذلك الظهور من مآسي أُضيفت الى سابقاتها وازداد الدمار والخراب ليُتخذَ كوسيلة وشماعة لتهرّب السلطة من ابسط إلتزاماتها اتجاه الجماهير المحرومة ، وفوق كل هذا وذاك ظهر ما يُسمى بالـ " الحشد الشعبي " تلك القوة التي أضفت الشرعية على ميليشيات الأحزاب الحاكمة التي كانت موجودةً أصلا ، ميليشياتٌ أصبح تواجدها أمراً واقعا بحيث تُمثل الآن سلطة موازية للسلطة الرسمية أو حتى اقوى منها وهي كالأخطبوط الذي يتحكم في مجمل مناحي الحياة .
ان تشكيل الحكومة وتغيير الأوجه فيها لا يمثل حلا كما يصوره البعض وحتى " اليسار التقليدي " الذي اندفع نحو هذا الوهم و بات يصوره كحقيقة ! بل إن في العراق منظومة بورجوازية متاكملة تُمثل الأرضية المادية لاعادة إنتاج الفساد والفاسدين من خلال المحاصصة الطائفية والقومية ، منظومة تضرب جذور المجتمع ولا يمكن تجاوزها بتغيير الأوجه .
إن الحكومة الجديدة ،والحالة هذه، ليست سوى امتداداً طبيعياً لسابقاتها ولا تمتلك "العصى السحرية" لتجاوز تلك الازمات الخانقة التي تضرب في العمق وهوما سيؤدي دون أدنى شك الى ازدياد اليأس والإحباط لدى جماهير العمال والكادحين و الشباب ، ما يدفع بهم الى اللجوء الى المزيد من الاعتراضات ، العمالية منها و الجماهيرية من جديد، وليس أمام هذه السلطة ، كسابقاتها ، من وسيلة للحد من الإضرابات والاحتجاجات سوى اللجوء الى القوة في قمعها آخر المطاف .
الاعتراضات العمالية المستمرة والمظاهرات الغاضبة للجماهير التي اندلعت في معظم مدن العراق لم تكن سوى بداية لموجات أخرى أقوى وأشد تهدف الى الخلاص من هذه الأوضاع ورسم طريق يتجاوز نقاط الضعف السابقة للسير بها نحو تحقيق الأهداف ، من جملة نقاط الضعف عدم ظهور القادة الميدانيين الحقيقيين لتولي مهمة قيادة هذه الإضرابات والاحتجاجات مما سهل على بعض القوى الرجعية التي تنتمي الى نفس فصيل السلطة بركوب موجة الغضب هذه والمساهمة في إخمادها .
ان التسلح بالوعي الطبقي وتوحيد نضال العمال والكادحين ورفع شعار العدالة والمساواة والترويج للفكر الاشتراكي والشيوعي وطرحه كبديل للخروج من حالة اليأس هذه والخلاص منها هو الكفيل للسير بهذه الحركة الجماهيرية نحو تحقيق اهدافها . هنا يأتي دور المناضلين الاشتراكيين والشيوعيين في إدراك مهامهم الآنية والنضال من اجل توحيد صفوف هذه الحركة بشكل يضمن نجاحها وبأقل الخسائر واجبار السلطة للاذعان للمطالب الآنية والملحة للجماهير المنتفضة.