الثقافة كأمن قومي ومعركة حمو بيكا

حاتم الجوهرى
2018 / 12 / 5

انشغل المشهد العام في وسائل التواصل الإعلامي بمصر –من ضمن ما انشغل به- خلال الفترة الماضية؛ بمعركة بين اثنين من المغنيين لم يكن يعرف أحد عنهما شيء قبل ذلك، والصراع بينهما على من هو أكثر جماهيرية وتتبعا من المعجبين، وكان الدافع الأعم والأغلب من المهتمين بالموضوع هو التعرف على المغنيين، وعلى ما يقدماه من غناء، ليصدم الكثيرون عندما اكتشفوا أنهما من رواد ما أصبح يعرف بـ "أغاني المهرجانات"، التي تقدم في الأحياء الشعبية وظهرت منذ فترة قصيرة لا تتجاوز العقد تقريبا.
بدأ الأمر بانتشار مقطع فيديو قصير يظهر فيه أحد الأشخاص يقدم نفسه على أنه "مجدي شطه"؛ يحذر جمهوره بألا يذهب لمدينة الإسكندرية حيث تقام حفلة لشخص آخر اسمه "حمو بيكا" ادعى أنه سيشارك معه بالغناء في الحفلة، واعدا جمهوره بأنه سيقيم له حفلا قريبا في منطقة المطرية بالقاهرة. هنا استغرب المتابعين من هو "حمو بيكا" ومن هو "مجدي شطة"؟ وبدأوا في البحث عنهما عبر مواقع التواصل واليوتيوب، ليكتشفوا أنهما ينتميان لنوع جديد من الغناء انتشر في مصر منذ فترة قليلة، وأصبح يعرف بـ"أغاني المهرجانات" التي تقدم في الأحياء الشعبية والمناطق الفقيرة بالقاهرة والعديد من المحافظات المصرية، خاصة في الأفراح والمناسبات والحفلات الخاصة.
يعتمد هذا النوع من الغناء على نوع من موسيقى الراب الغربية، و تقنيات موسيقى "التكنو" وتغيير أصوات المغنيين بتأثيرات يقوم بها الفنيين في حفلات "الدي جي" على المسارح مباشرة، أو في الاستديوهات عند تسجيل الأغنيات، وفي الأصل تعود هذه الظاهرة لفرق "الأندر جروند" والموسيقى المستقلة التي ظهرت في مصر منذ أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، حيث اشتهرت موسيقى الراب في أوساط شباب الطبقات الوسطى والشباب الجامعي مع اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، وازدهرت مع الثورة المصرية 2011 بأغنيات الاحتجاج والتعبير عن الواقع والرغبة في تغييره، إنما بسبب السياق الاجتماعي وتطور الظروف السياسية التقط الأمر شباب الأحياء الأكثر فقرا بعد ذلك، ومعهم طبقة سائقي التكاتك والميكروباصات والتاكسيات، ليطوره فيما أصبح يعرف بـ "أغاني المهرجانات" التي سرعان ما تسربت إلى بعض أفراح الطبقة الوسطى.
لكن هذا النوع من الغناء الشعبي الجديد لم يكن مطروحا بين جمهور وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر اقترابا من مفاهيم الطبقة الوسطى وأحلام الثورة المصرية، حتى ظهرت معركة "مجدي شطة" في مواجهة "حمو بيكا"، فسرعان ما ظهر "حمو بيكا" في عدة مقاطع مصورة مع معاونيه من فرقته بعد ذلك، ليرد على "مجدي شطة" في محاولة الظهور بشكل متسامي، كما لم يسكت "مجدي شطة" على المقاطع المصورة التي ظهر فيها "حمو بيكا" ورفاقه، وخرج في عدة مقاطع مصورة يؤكد على موقفه وتحديه لـ "حمو بيكا" وأنه لا يقدم "أغاني المهرجانات" فقط، بل يقدم أغانيه أيضا بطريقة الطرب والعُرب والمهارات الصوتية المتعددة.
ثم تدخلت وسائل الإعلام المصرية في الأمر، وتابعت تطوراته وكأنها فوجئت بوجد عالم سري له نجومه لم تكن تعرف عنه شيئا، فأعدت قناة المحور في برنامج "تسعين دقيقة" تقريرا عن حرب التصريحات بين "حمو بيكا" و "مجدي شطة"، كما أجرى فريق موقع "البوابة نيوز" لقاءا مصورا استضاف فيه "مجدي شطة" ليؤكد على موقفه بشدة ويعلن تحديه لـ "حمو بيكا"، كما أدلت جريدة اليوم السابع بدلوها في الموضوع سخرت فيه من الأمر، وتحدثت مع هاني شاكر بصفته نقيب المهن الموسيقية، الذي أعلن أن النقابة ليس لها سلطة على "مجدي شطه" و"حمو بيكا"، ولا تستطيع إيقافهما عن الغناء أو منع حفلاتهما لأنهما ليسا أعضاء بنقابة الموسيقيين، ولا يحصلا على ترخيص مسبق قبل إقامة الحفلات.
وفي واقع الأمر؛ المسألة في حاجة لمقاربة أخرى ترتبط بالتحول في الذوق العام والثقافة الشعبية المصرية خلال الفترة الماضية، التي قد يرجعها البعض لثمانينيات القرن الماضي، والأبرز والأكثر وضوحا وإلحاحا الدور الغائب لفرق الفنون الشعبية بأعضائها التابعة لوزارة الثقافة المصرية، لماذا تغيب هذه الفرق عن الشارع المصري؟ ولماذا لا تقدم حفلاتها في الأماكن والساحات المفتوحة للناس، وتساهم في صنع الذوق العام وتغييره على المدى القريب والبعيد؟
يمكن بكل بساطة استعادة أغنيات التراث الشعبي المصري، وتقديمها عبر فرق قصور الثقافة المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، لتساهم في تغيير الذوق العام وصنعه بالتدريج، لماذا يكاد يختفي دور مؤسسة الثقافة المصرية في تقديم الفن المعبر عن مستودع هوية مصر، وأصبحت استراتيجية الثقافة في مصر غائبة أو مائعة، وافتقدت لأهم أدوارها في تشكيل الذوق العام والحفاظ عليه وإنتاجه وفق مستودع الهوية المتراكم الخاص بمصر، وكذلك فقدت دورها في استكشاف ورعاية وتنمية المواهب الصغيرة في مختلف المجالات المغذية لتلك الفنون.
أعتقد أن السياسة الثقافية في مصر في حاجة لضبط شديد يعيد لها تعريفها الوظيفي الأساسي؛ الثقافة هي ذلك المزيج الذي يمنح للأبنية الجامدة والشخصية والمعالم روحها، دون الثقافة الخاصة لكل بلد ومع تشابه التقنيات الحديثة لسبل الحياة المعاصرة، ستجد كل بلاد العالم نسخا كربونية ممسوخة بلا هوية. الثقافة كقوة ناعمة هى التي تمنح للشخصية القومية معناها دونها لا يصبح لأى قوة صلبة هوية ولا تفردا، وعاجلا أو آجلا لابد ستندمج تلك القوة الصلبة وتتوحد وتنسحب لصالح نماذج أجنبية دخيلة، هنا تكون الثقافة مشروع أمن قومي لمن يعي حقيقة دورها الوظيفي في خلق والتأكيد على الشخصية القومية المصرية والعربية.
معركة حمو بيكا/ مجدي شطة؛ هى دعوة لعودة فرق الفنون الشعبية للشارع المصري واستعادة قدرتها على التأثير فيه والتأثر به شيئا فشيئا، استعادة فن "الموال" و"الأرجوز" و"مسرح العرائس"، وإعادة تقديم التابلوهات الغنائية المستوحاة من الحكايات الشعبية المصرية، الفنون يمكن أن تتحرك في منطقة المتفق عليه، لخلق الشخصية القومية والتأكيد عليها بعيدا عن التقاطبات السياسية والاجتماعية، حيث تصبح الثقافة مشروعا للأمن القومي واستعادة القيم الأساسية للشخصية المصرية وفق مستودع هويتها بعيدا عن الاستقطابات، والتأكيد على الانتماء واللحمة الوطنية والحلم بنهضة الذات الجماعية المصرية.
أما تهميش الثقافة والقوة الناعمة لمصر وفق تعريفها الوظيفي السابق؛ فهو مشروع للتفكيك حيث عاجلا أو آجلا ما ستلتحق القوة الصلبة وتندمج في نماذج ثقافية دخيلة، وغير معبرة عن مستودع هوية البلاد وتاريخها الذي تحمله على أكتافها، هنا الثقافة مشروعا للأمن القومي لمن يدرك حقيقة دورها ووظيفتها في بناء الأمم ونهضتها، لا تفكيكها وتركيعها لصالح دولة حمو بيكا/ مجدي شطة، أو لصالح نماذج دخيلة وافدة لأب