الجدل في الدين .

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 11 / 19

لماذا تُرى قد كثر الجدل في الدين هذه الأيام في تونس وفي غيرها من البلدان ؟
أهي ظاهرة صحية أم مرضية ؟ وهل هي دفاعية أم هجومية ؟
المعروف علميا عن الجدل أنه قانون طبيعي به تحدثُ الكائنات الحية وتنمو وتتطوّر وتضعُف أيضا وتندثرُ ، أليست البذرةُ تُنتج النبتة والنبتة تقضي على البذرة وتُنتج الزهرة والزهرة تتحوّلُ لاحقا إلى ثمرة وربما تؤكل الثمرة وتتحول إلى مادة عضوية أخرى وهكذا دُواليك والنفي للنفي إثبات كما يُقال في الرياضيات ؟ وما يثبُتُ يُصبحُ من جديد موضوعا للنفي ، ولكن لا شيء يفنى وإنما كل شيء يتحوّل كما قال بلاز باسكال الفرنسي وهكذا هو الأصل في الوجود التغيّرُ وعدمُ الثبات منذ الأزل إلى هذه الساعة .
وهذا ما يحدث في الطبيعة بصفة عامة أما ما يحدث في المجتمع فالأمر مختلف طبعا وربما بالضرورة إذ تتدخل الإرادة البشرية في العملية بما تحصل عليه من علم وثقافة وتجربة وخبرة فتُغير مجرى الحياة الطبيعية تلك في حياتنا الاجتماعية بمختلف مظاهرها وتعقيداتها وأهدافها ومقاصدها . ولاشك أن الدّين ظاهرة اجتماعية قضت منذ زمن بعيد على الأسطورة التي كانت قبلها وأنتجت معتقدات في الغيب لتفسير الظواهر الطبيعية المختلفة وتلبية حاجاتنا الممكنة ولا تزالُ بعضُ هذه المعتقدات ضاربة في أعماق وعي الكثير من الناس إلى حد الآن وليس من السهل عليهم أن يحيدوا عنها في أمل لدى العلماء أن يتقدم العلم وينتشر في العالم بالدرجة الكافية فيعوّض للناس عن دور الدين في تفسير الظواهر وتلبية الحاجات الممكنة للبشر في عالمي الروح والجسد .لكن لا بد من انتظار ردح آخر من الزمن حتى يتيسّر لجميع الناس الإيمانُ بالعلم واستيعابُه والإيمان به كطريق إلى الحقيقة يمكن التفاعل معها والاستفادة منها في حياتنا الباقية . فالناس إذن ينتمون في عقلياتهم إلى مراحل عدة ومختلفة ويحملون عن العالم رؤى متباينة ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) و(كلٌّ بما لديهم فرحون) ومقتنعون وليس من السّهل عن مبادئهم يتخلّون أو يحيدون لأنه ليس لديهم بعدُ البديل .
حذار إذن من أن نخدش الناس في عقائدهم حتى وإن كانوا في رأينا مخطئين كما لا يجب أن نغتر أيضا بالأسلوب اللين والمتسامح الذي يتعمده بعض الأيمّة والفقهاء في المناقشة للتأثير والاستهواء لآن ذلك لا يكون إلا منطق الضعفاء .وهكذا يكون الجدل في الدين عقيم ولا يُفضي في الحقيقة إلى نتيجة ترجى بل لا يفضى إلا إلى العداوة والبغضاء وإشعال نار الفتنة بين الأحبة والفُر قاء ، أليس كل إناء بما فيه يرشح كما يقول المثل ويصعُب كثيرا إفراغه من جديد وملؤه خصوصا مع هؤلاء الذين قد ترسّخت فيهم العقيدة ؟ لأنه كما يقول الشاعر :
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت """" ولن تلين إذا قومتها الخشبُ
إذن فالجدل في الدين لا ينفع ولا يُفضي إلى نتيجة تنفع ولسنا في تونس اليوم أو في أي بلد عربي آخر في حاجة إلى المزيد من التّرهات وإلى المزيد من إثارة النّعرات أو التشجيع على العرافة والتنجيم والكهانة وفتح الزوايا والتكايا والأبرشيات وغير ذلك من خوارق العادات كما أننا لسنا في حاجة ضرورية إلى استعمال الدين في السياسة ألم نكن مسلمين قبل هذه الثورة ومطمئنين على إسلامنا ولا مشكل ومنذ انطلاق هذه الثورة ونحن نعاني المشاكل في الدين وفي السياسة لأنه إذا لم نفصل الدين عن السياسة يفسد الدين وتفسد السياسة ولم نعد قادرين على التقدم في أي منهما . فللملاحظة أذن أنه ما ضرّ أن يتوقف الإعلامُ عندنا في تونس أو في غيرها من البلدان المشابهة عن هذه المهاترات والمجادلات في الدين مثلما حدث في برنامج ( لاباس ) أخيرا وما حدث في برنامج ( كلام الناس) في مناسبات لاحقة وما حدث أيضا في برنامج ( لمن يجرؤ فقط ) في حصص كثيرة سابقة ؟
وهل لأن الإعلام ضدّ الإسلاميين أم لأنه في خدمتهم ؟ أم أنه - وقد اختلط عليه الأمر لم يعد يدري ما يفعل ؟