أمريكا وشبح النموذج العراقي في السعودية

حاتم الجوهرى
2018 / 11 / 11

تتشكل في الأفق مشابهة قوية ومقلقلة للغاية بين الإدارة الأمريكية للنموذج العراقي في تسعينات القرن الماضي حتى تفكيكه، وبين النموذج السعودي الحالي في نهايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وما ينتظره من احتمالات مجهولة، بعد كل ما قيل عن اختفاء واغتيال المعارض السعودي جمال خاشقجي في تركيا، خاصة في ظل تهديدات ترامب بابتزاز السعودية ماليا مقابل استمرار وجودها السياسي نفسه. ويبدو ولي العهد محمد بن سلمان في الثوب نفسه الذي زينته أمريكا لصدام حسين، وتكاد تتوفر كل الظروف بالأبطال أنفسهم، حيث يقف توقيع الكويت لاتفاق دفاع مشترك مع تركيا مؤخرا، بعد زيارة ابن سلمان لها كنذير شؤم لأحداث السيناريو القديم ذاته.

فعلى سبيل المقارنة؛ دعمت أمريكا وسكتت عن حرب السعودية في اليمن واعتبرتها حربا بالوكالة ضد إيران منذ عام 2015، وبالمثل دعمت قبلا حرب العراق ضد إيران في ثمانينيات القرن الماضي بشكل مباشر وغير مباشر، وتراكمت الأعباء الاقتصادية على العراق حتى اعتبر النفط الكويتي مخرجا لأزمته باجتياح الكويت، وبالمثل لجأ محمد بن سلمان لنفط الكويت مؤخرا في المنطقة المحايدة بينهما لمواجهة الأعباء الاقتصادية للحرب وغيرها، لتعلن الكويت رفضها لمحاولة فرض الهيمنة السعودية عليها بتوقيع خطة دفاع مشترك لعام 2019 يوم الأربعاء الماضي 10 أكتوبر مع تركيا، لتنوع في سلة حلفائها الإقليميين وتخلق توازنا جديدا خاصة وأن قطر سبق ووقعت اتفاقا مماثلا مع تركيا.

ويبدو كأن الشكل السياسي لشبه الجزيرة العربية الذي استقر منذ تفاهمات بداية القرن الماضي بين القوى الغربية، وظهور دولة آل سعود قد استهلك غرضه بشكل ما بالنسبة لأمريكا، وتسعى إما لتفكيكه أو تعديل دوره الوظيفي بالنسبة لها. وفي هذا السياق ربما يكون طموح ولي العهد السريع في تغيير البنية السياسية لبلاده وتركيبتها التاريخية، مطية للمخطط الأمريكي وقدرته على الغواية وبعث الرسائل الملتسبة لإحكام الفخ.

فلقد ظن الأمير ابن سلمان أن بداية ظهوره السياسي الدرامي؛ الذي قام فيه باحتجاز العديد من الأمراء المكونين لبنية النظام السعودي وحاشيته، وقدرته على تسويق هذا الحدث في الغرب من خلال تقديم نفسه كرجل الإصلاح وإخراج السعودية من صورتها التقليدية ما بين الأمير الثري و الشيخ المتطرف، وكأنه مستبد عادل جديد تخول له الأغراض التي يظن في نبلها، استخدامه للطرق التي تؤدي لها أيا كانت.

فاعتقد أنه فتى الغرب الجديد، وأعلن أن ما قامت به السعودية طوال النصف الثاني من القرن الماضي من مظاهر للتشدد وترويج للتدين الشكلي، كان لخدمة الغرب في مواجهة المد الشيوعي القديم، وتمادى الأمير في محاولة اللعب على التناقضات بدوره وحاول مغازلة إسرائيل مرارا، مرة عبر التصريح بحقها في الوجود على أرض فلسطين التاريخية، ومرة عبر مشروع نيوم كمساحة محتملة للوجود الاقتصادي يمكن لإسرائيل التواجد فيها عبر اتفاقيتا السلام الموقعة بينها وبين مصر والأردن، وهما شريكا السعودية في مشروع نيوم المقترح.

وكذلك أقام الأمير ابن سلمان حفلات موسيقية بالمملكة سمح فيها بالاختلاط بين الرجال والنساء، وتم الإعلان عن افتتاح وإقامة عدد من دور السينما بالمملكة بعد إغلاقها في سبعينات القرن الماضي، وسمحت المحاكم السعودية للنساء بخلع النقاب؛ في عدة تطورات دراماتيكية متلاحقة قد يظن البعض أنها ستغازل الغرب، بما يكفي ليمنح الأمير شيكا على بياض للمضي قدما في تصوراته لبلاده، بغض النظر عن الوسائل التي يستخدمها ذلك.

لكن ينظر البعض لواقعة اختفاء الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي واغتياله، وما يثار حولها من تورط العناصر الرسمية السعودية في استجوابه وتعذيبه وتصفيته وإذابة جسده بالمواد الكميائية، على أنها بداية النهاية السياسية للأمير الطموح على أقل تقدير، إذا لم يتطور الأمر لسيناريوهات داخلية وخارجية قد توسع من مساحة الاضطرابات السياسية التي ستنشأ عن واقعة اختفاء المعارض السعودي في قنصلية السعودية بتركيا، ومن كان يظن أن اجتياح العراق للكويت سينتهي بإعدام الرئيس صدام حسين وتفكك السلطة المركزية العراقية، كمعظ الدول التي تعرضت للتدخل العسكري الأمريكي المباشر؟ وللننظر لأفغانستان والصومال ولبنان قبل العراق.

مخطأ من يظن أن الإدارة الأمريكية ووكيلها إسرائيل في المنطقة العربية لهما عزيز أو حليف دائم الآن أو قبلا أو مستقبلا، أمريكا تعتمد طريقة إدارة التناقضات عبر مجموعة من التباديل والتوافيق السياسية في المنطقة، لضمان عدم ظهور مشروع عربي يستند لكامل مستودع هويته في مواجهتها، وإذا ظن حاكم عربي مهما بلغ تاريخ التعاون بينه وبين الولايات المتحدة أنه في منطقة آمنة؛ فعليه أن يراجع نفسه ويفتح دفتر تاريخ المنطقة ويتصفح أوراقه جيدا.

أمريكا في المرحلة الامبراطورية من وجودها السياسي في العالم، تهدف صراحة لتركيع المنطقة العربية وتفكيك أبنيتها التاريخية والمستقبلية، لغرض وحيد هو تفوق دولة إسرائيل وكبح الوجود العربي واحتمالاته، ومهما ظن البعض أنه يدير التناقضات المحلية لتظل داخل نطاق السيطرة المرضي عنه أمريكيا، في ظل مشروعها المسمى: صفقة القرن؛ فإن أمريكا لن تتردد لحظة واحدة في الإطاحة به بل وتفكيك كيانه السياسي، طالما وجدت لذلك سبيلا ووظيفة أخرى في لعبة التفكيك وإدارة التناقضات في المنطقة.

ما يلوح في الأفق غير مبشر بالمرة في ظل تدافع الانتماءات التاريخية في المنطقة وغياب مشروع مركزي عربي له السيادة والقبول، تركيا الأقرب لفكرة الإسلام السياسي والإخوان المسلمين ربما ترى فيها فرصة للثأر من آل سعود والإسلام والوهابي ودورهم تجاه تفكيك الدولة العثمانية، إيران ستتراجع للوراء وتنتظر اللحظة المناسبة لتبحث عن مكاسبها في المنطقة بدورها، مصر محاصرة بعدة مشاكل في سيناء والصحراء الغربية وملف المياه مع أثيوبيا، ولم تطور نخبة سياسية بعد قادرة على استعادة النفوذ المصري وتفعيل مستودع الهوية في حاضنته العربية ومد الجسور وفق المشتركات، والعراق لم يسترد ذاته بعد في ظل سياسة تفكيك الأبنية الاجتماعية للدول التي تدخلها أمريكا.

هل يمكن للملك سلمان أن يفعلها من فوق فراش المرض، هل يمكن أن تتراجع السعودية للوراء إذا صحت الاتهامات والدلائل المعلنة، وتنحي ولي العهد وتقدم صيغة اعتذار مقبول للمجتمع الدولي؟ ثم تطرح لنفسها برنامجا إصلاحيا حقيقيا بعيدا عن سيناريو المستبد العادل والبطش بالمعارضين، وتقدم بدورها مشروعا للتنمية المستقلة بعيدا النفوذ الغربي/الصهيوني، يفعل الوجود العربي ويبحث في المشتركات داخل مستودع الهوية ويترك ما يفرق.

جل ما نرجوه ألا يصدق الحدس في المشابهة بين الإدارة الأمريكية والتعامل مع النموذج العراقي في تسعينات القرن الماضي مع صدام حسين، وبين النموذج السعودي الحالي مع الأمير الطموح محمد بن سلمان.