صلاة السلطان الورع قايتباى من أجل المال (إلاههم الأعظم )

أحمد صبحى منصور
2018 / 11 / 9

صلاة السلطان الورع قايتباى من أجل المال (إلاههم الأعظم )
مقدمة :
1 ـ شأن الخلفاء الفاسقين وغيرهم من الملوك والسلاطين فالإله العظم لديهم هو المال ، وهم يستخدمون كل الوسائل لسلبه من ( الرعية ). وأكثرهم ظلما وجشعا هم الذين يستخدمون التدين فى تسريغ ظلمهم ونهبهم ، وبهذا تكون صلاتهم ليست لرب العزة جل وعلا بل للشيطان الذى يأمر بالفحشاء والمنكر.
2 ـ والسلطان قايتباى كان أكثر سلاطين المماليك ورعا بالمفهوم الصوفى ، ومن ورعه هذا تجلى جشعه فى جمع المال. كان قايتباى أغنى فرد فى دولته ، ولكنه لم يقنع بما لديه ، ولم يقنع بالضرائب المعتادة التى كان يجبيها أسلافه ففرض المزيد ، وتنوعت الضرائب فى عهده ، منها مكس البضائع- الجمارك، زكاة الدولة، وما كان يجبي إذا حضر مبشر بفتح حصن، وما يجبي من أهل الذمة، ما يجبي من التجار عند سفر العسكر إلى الحرب ، وعند وفاء النيل، ضمان القراريط من كل ما يباع من الأطيان بنسبة 2% من ثمن البيع حتى لو تكرر بيع الأطيان في الشهر الواحد، ثم ما يؤخذ من أهل الشرقية من الخيل والجمال والبقر إذا سرحوا للصيد في بركة العباسة. بالاضافة الى هذه الضرائب كان يحصل على الأموال السائلة والعينية بطرق مختلفة .
3 ـ وقد كان المؤرخ المملوكى الارستقراطى أبو المحاسن بن تغري بردي جريئا فى نقد السلطان قايتباى وجشعه ، ومات هذا المؤرخ سنة 874 فحرمنا من أخباره ونقده للسلطان ، وانفرد مؤرخنا ابن الصيرفي بالساحة يسجل الأحداث بالطريقة التى تحلو له في دفاعه عن سيده السلطان، وبمقارنة ما ذكره ابو المحاسن بما ذكره ابن الصيرفى نجد ابن الصيرفى تجاهل الكثير من مظالم قايتباى ، ونجد ابن الصيرفى منافقا يحاول الدفاع عن سيده السلطان قايتباى الذى كان يعمل قاضيا فى دولته يسير على طريقة شيخه المؤرخ القاضى ابن حجر العسقلانى بينما كان ابو المحاس حاد النقد يسير على طريقة شيخه المقريزى
ونعرض لأمثلة لما ذكره ابن الصيرفى :.
أولا :
الهدايا الاجبارية ( التبرع الإجبارى )
بالإضافة إلى الضرائب كان للسلطان الحق في الحصول على هدايا (إجبارية) أو بتعبير عصرنا "تبرع إجبارى" وكيف يكون تبرعاً ويكون إجبارياً في نفس الوقت؟ هنا المأساة والملهاة أيضاً فى حكم العسكر قديما وحديثا حيث تستوجب السلطة سلب الثروة طوعا أو كرها.
1 ـ في شهر شعبان سنة 874 جاءت للسلطان تقدمه (أى هدية قدمت له) مقدارها مائتا ألف دينار .
2 ـ وكان يكفي للسلطان أن يشير من طرف خفي لتنهال عليه الهدايا (الإجبارية).. ففي يوم الاثنين 22 ذى القعدة 875 كان السلطان يتنزه على ساحل بولاق وهناك سأل عن بيت ابن مزهر وهو كاتب السر، وفي الصباح التالى جهز ابن مزهر للسلطان هدية من السكر المكرر عشرة قناطير ومن الأغنام السمينة عشرين خروفاً، ولولا الرغبة والرهبة ما تكلف كاتب السر كل هذا..
3 ـ وكان السلطان يأخذ (الهدايا) لكى يطلق سراح المساجين السياسيين، ففي 7 ربيع الأول 875 أطلق السلطان سراح الأمير خاير بك الذى كان دوداراً في سلطنة الظاهر تمربغاً وذلك في مقابل عشرين ألف دينار، وكان الذى توسط في الصفقة المحتسب يشبك الجمالى وناظر الجيش.
ثانيا :
المآدب والضيافات
1 ـ يروى ابن الصيرفى نزهة للسلطان قام بها يوم الجمعة 10 ربيع الأول 875 وذكر ما استهلكه السلطان من هدايا، ولم يذكر بالطبع ما ارتبط بذلك من ضرر ونهب للفلاحين. يقول مؤرخنا : ( وكان السلطان نصره الله عزم في يوم الجمعة ـــ الذى هو العاشرـــ أن يتوجه إلى خليج الزعفران ويقيم به ثلاثة أيام للتفرج والتنزه، وجهز له المقر الأشرف الكريم العالم أمير داودار الكبير ـ دامت سعادته يشبك من مهدى ــ من الأغنام المعاليف (أى السمينة ) عشرين معلوفاً سعر سبعة دنانير الواحد ومن البداري خمسون بدرياً ومن الحلوى ثمانية قناطير ومن السكر ستة قناطير ومن الأرز والدجاج المعلوف ما قيمته مائة دينار وغير ذلك. وجهز المباشرون تقادمهم من سكر وحلوى وفاكهة وأرز ودجاج وغنم ومعاليف، وجهز أيضاَ المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط عشرين معلوفاُ وفاكهة وحلوى وسكراً، فاقتضى الحال أن السلطان ركب يوم الجمعة بكرة النهار فسيرَّ ورجع إلى القلعة وبطل الفرجة.). فأرباب الوظائف وهم أرباب الظلم جهزوا للسلطان كل هذه الأطعمة من عرق الفلاح المصري الذى لم يتخيل حتى في الأحلام أن تؤخذ له صورة بجانب تلك الأكداس الشهية التى يسيل لها لعاب عدة بلاد من الفلاحين الجوعى.
2 ــ وعاد السلطان إلى نزهته تلك يوم الثلاثاء 14 ربيع الأول وظل فيها إلى يوم الجمعة 17 ربيع الأول حيث عاد للقلعة وصلى الجمعة بها بعد أن ذبحت له الذبائح من الأبقار المسمنة والأغنام المعاليف والحلوي والسكر والفاكهة، على حدّ قول مؤرخنا الذى يذكر ( وحتى من جملة ما صرفه عظيم الدنيا الداودار الكبير حفظه الله ألف دينار وقس على هذا المباشرين بأجمعهم، غير أن شخصاً مسجوناً بسجن الجرائم مشهوراً بالأذى والنحس كان قبض عليه من مدة فهرب من السجن ثم حصِّل ( أى قبضوا عليه) فرسم السلطان بكحل عينيه.).!.فالسلطان ذبحوا له الذبائح المسمنة مع الحلوى والسكر والفواكه وكان وقتاً سعيداً عند مؤرخنا ابن الصيرفي أن يتمتع السلطان بكل ذلك لولا أن شخصاً هرب من السجن ثم اعتقلوه وأمر السلطان بكحل عينيه بالحديد المحمى بالنار حتى فقد نظره كي لا يستطيع الهرب من السجن بعدها .!. ونقم مؤرخنا على ذلك السجين الهارب لأنه عكر صفو الحفل بهروبه وما كان ينبغى له أن يفعل حتى لا يتعكر مزاج السلطان الورع .!!.
ثالثا :
السلطان قايتباى يصادر أموال الأحياء:
والسلطان الورع قايتباى كان يصادر أموال الأحياء .ففي يوم الأربعاء 17 رجب 876 أمر السلطان بمصادرة ممتلكات ابن زوين كاشف- أى والى ـ الغربية، يقول في ذلك مؤرخنا "وارسل السلطان إلى الغربية بالحوطة على موجود ابن زوين الكاشف بها من صامت وناطقُ أحضروه فأخذ أحسنه ورد عليه أخسه". أى إغتصب منها ما يريد وترك ما لايريد. منتهى الكرم والأريحية .!!
رابعا :
وكان السلطان قايتباى الورع يلتهم التركات ويأكل أموال اليتامي ظلماً.
فى شريعة السلطان الورع قايتباى كان يعتبر نفسه شريكاً ووارثاً في التركة على أساس أنه رئيس المماليك وسيدهم ، هذا ما نفهمه من الأحداث التالية :
1 ـ عندما مات الأمير يشبك جن 875 أخذ السلطان خيوله وجماله ومماليكه ويرقة ، ( أى عتاده الحربى) وكل متاعه . يقول ابن الصيرفي "وهكذا شأن الزمان". أى هذا هو الشرع المعتاد.
2 ـ وعندما مات الأمير بردبك البجمقدار 875 بالشام بعث السلطان الأمير قجماس ليستحوذ على تركته وتركة داوداره أبى بكر وكان قد توفي هو الآخر، ووصل الأمير قجماس للقاهرة يوم الأحد أول جماد الثاني 875 ومعه تركة الاثنين، يقول ابن الصيرفي "فبلغنى أن النقد خاصة أربعون ألف دينار خارجاً عن القماش والصوف والسنجاب والسمور والقاقل والبعلبكي وهو شيء كثير جداً، وكذلك الذهب المزركش".
3 ـ وفي نفس اليوم الأحد أول جماد الآخر 875 حضرت بنت خوند شقرا للسلطان لتصالح على تركة زوجها فردها السلطان إلى حيث جاءت منه، فركبت أمها خوند شقرا إلى الداودار الكبير وسألته في أمر بنتها فرضى عنها السلطان بشرط أن تدفع عشرة آلاف دينار فامتنعت . فأمر السلطان بمصادرة كل التركة وجئ بالتركة للسلطان ليراها. ثم قرر السلطان في يوم الخميس 5 جماد الآخر اهداء كل التركة إلى الدوادار الكبير، وفي النهاية تم الصلح بينها وبين السلطان في شعبان 875 على أن تدفع للسلطان عشرين ألف دينار وتأخذ تركتها"
4 ـ ولذلك كان بعضهم يتقرب للسلطان بإفشاء أسرار تركات الغير، ومن ذلك أن الأمير تغري بردى قريب السلطان كان عينا للسلطان على الدودار الكبير، وبعد موت الداودار الكبير في الشام عين السلطان قريبه تغري بردي في الاستادرية الكبرى، يقول المؤرخ ابن الصيرفي في تعليل ذلك: "وكيف لا وهو يسد الوظيفة ويطلعه على أموال أستاذه وذخائره وودائعه" أى كان يطلع السلطان على كل أموال الداودار الكبير مما سهل على السلطان أن يحصل عليها بعد موت الداودار، وكافأ تغري بردى بالوظيفة الكبري، أما ابن الداودار الكبير الذى كان طفلاً فقد ضاعت حقوقه.
5 ـ وإذا كانت شريعة السلطان المملوكي تبيح له مصادرة تركات أتباعه من المماليك فكيف تبيح له سلب تركات أعيان المسلمين ؟.
5 / 1 : التاجر ابن سويد ت 873 من أعيان مصر القديمة ، وكان فقيهاً تاجراً ترك مالاً كثيراً . وقد أخذ السلطان من الأولاد الورثة ستة آلاف دينار.
5 / 2 : وتوفي في نفس العام حسن بن بغداد شيخ أعراب الغربية بمحلة مرحوم وكان لديه مال جزيل، يقول ابن الصيرفي عن ورثته "وأخذ السلطان منهم ما أرضاه".
5 / 3 : وتوفي التاجر ابن كرسون يوم السبت 6 ربيع الآخر 875 وخلف ولداً وبنتاً وزوجة ومالاً كثيراً، وكان ذلك التاجر معروفاً بالتقوي وإخراج الزكاة في موضعها، ويقول ابن الصيرفي عما حدث لتركته "واختلف الناس في أمره ، فمن قائل أن السلطان ختم على الموجود ( أى صادر التركة كلها ) ، ومن قائل أن السلطان لم يتعرض له ولكن ناظر الخاص- أى القائم على رعاية أملاك السلطان- لابد له من شيء ( أى لا بد أن ينال شيئا من التركة ) فإنه يتعلل على ورثته بأن في جهته مالاً من جهة المكوس ، ( أى عليه ضرائب من الجمارك ) ، والله أعلم.") أى لابد من سلب التركة بأى طريق. ومعناه أن زبانية السلطان كانوا يشاركونه في نهب أموال اليتامى ظلماً بعد وفاة عائلهم.
5 / 4 : وقد توفي الشيخ كمال الدين النويرى 873 وخلف من الذهب النقد تسعمائة دينار، وقد أخذ الوزير منها سبعمائة دينار خالصة غير ما أخذه مباشرو أرباب المواريث على حد قول ابن الصيرفي. فماذا تبقى للورثة ؟
خامسا :
سجن الضحية للحصول على أمواله : الاعتقال لابتزاز الأموال
1 ــــ وكان بعضهم يتفنن في إخفاء أمواله حتى إذا مات تمتع بها الورثة بعيداً عن علم السلطان، والسلطان من ناحيته كان يلعب معهم لعبة القط والفأر فلا يتردد في اعتقال المقربين للمتوفى ليدلوه على المستور من تركته. ففي عيد الأضحى سنة 885 اعتقل السلطان شاباً صغيراً هو ابن يحيي الأنصاري وقد مات أبوه، والسبب أن أخاه الكبير ذكر للسلطان أن أباه ترك مالاً خبيئة عند ذلك الشاب، فطلبه السلطان وقرره فاعترف الشاب أنه وجد من تركة أبيه خاتماً من عاج مخروط وله فص منقور فوجد تحت الفص ورقة مكتوب فيها "ذخيرتي في مكان كذا وأنكم تعطونها أو تقسموها بين أولادي النساء والرجال إلا ولدى الكبير فإنه أخذ حصته" وذكر الشاب أنه توجه فلم يجدها في المكان الذى ذكره، فاحتد السلطان عليه وأمر باعتقاله. ثم قام الشيخ زكريا الأنصاري بالتشفع فيه عند السلطان فأمر السلطان بتحليفه فحلف الشاب أنه ما أخذ الذخيرة (التركة)، يقول ابن الصيرفي "ثم أطلقه السلطان بعد أن عدد له أموراً من كذا ، وأنه في كل ليلة يضيع خمسين ديناراً على الرحابية (مغنية مشهورة في ذلك العصر) وأمثالها والله المستعان، وأخبار الناس عند هذا السلطان معروفه مضبوطة فنسأل الله الستر والسلامة ونعوذ بالله من كلام العدا واختلافهم".وهذا يعني أن للسلطان شرطة سرية كانت تراقب الورثة وأحوالهم وماذا كانوا قد خبأوا عن السلطان شيئاً. ونفهم من تعليق ابن الصيرفى مدى هلعه من السلطان الورع وأجهزته الأمنية ..
2 ـ وكثيراً ما يدفع الورثة الصغار الثمن حبساً بعد أن يضيع السلطان أموالهم. في يوم الاثنين 8 صفر 875 هربت زوجة المباشر بالبحيرة عندما علمت بوفاة زوجها حتى لا يستولى السلطان على التركة، فأمر السلطان باعتقال ولدها الصغير الذى ليس لها سواه وعمره أقل من عشر سنوات، يقول ابن الصيرفي "ورسم عليه لأجل أخذ المال". أى كان السلطان يقوم الليل يصلى ويقرأ القرآن ويرتل الآيات التى تجعل أكل مال اليتيم كالذى يأكل النار في بطنه.. ثم يختم بسجن الأطفال الأيتام إن لم يساعده أهلوهم على أكل أموالهم بالتى هى أحسن.
3 ـ وبعضهم كان يحتال لإخفاء أمواله أو النفيس منها حتى لا تضيع كلها في المصادرة إذا حصلت، وكان السلطان يلعب معهم نفس اللعبة فيحتال للحصول على كل الأموال الظاهرة والخفية، فقد أمر السلطان باعتقال عبد كان للاستادار زين الدين كما أمر باعتقال سكرتيره عبد الوهاب وباعتقال جاريته قمر، وكان السبب في اعتقال الثلاثة هو إرغامهم ليدلوا على الأموال المخبأة عند زين الدين الاستادار، وظل الجميع في السجن عدة أشهر حتى تم إطلاقهم في عيد الفطر 876.
4 ـ وقد ترتبط المصادرة للمال بالمصادرة للحرية، أى السجن. ففي يوم الثلاثاء 21 جماد الأول 876 أمر السلطان بالقبض على صيرفي جدة ، واسمه ابن عبد الرحمن وأمر بأن يؤخذ منه عشرون ألف دينار، والسبب في سجن الصيرفي المسكين أن السلطان أراد اقتراض عشرة آلاف دينار من إحدي السيدات كانت أماً للمحتسب وشاهين والى جده، وقد طلب السلطان من المحتسب وشاهين والى جده التوسط لدى هذه السيدة ليقترض منها العشرة آلاف، ولكن السيدة اعتذرت وأظهرت العجز والفقر، فغضب السلطان وأمر باعتقال صيرفي جده ، وطلبه في خلوة ليعرف منه أسرار ومدخرات والى جده، ولما لم يحصل منه على طائل صادر منه عشرين ألف دينار. وابن الصيرفي بعد أن ذكر الحكاية قال يدافع عن السلطان دفاعا هزيلا مضحكا : "وفي الواقع فهذا السلطان آخر الملوك العادلة فإنه خوّل المحتسب وشاهين في البلاد المصرية والحجازية".!!. لم يذكر المؤرخ القاضى كيف يكون أغنى فرد فى عصره محتاجا الى الاقتراض من إمرأة .!
5 ـ ولم يقتنع السلطان باعتقال صيرفي جده، فقد جاءته معلومات بأن المحتسب وزوجته وشاهين نائب جده وأم أستاذهم الصاحب جمال الدين قد وضعوا أيديهم على جواهر وأموال وتقاسموها، فهدد السلطان الموظفين الآخرين الذين لهم اتصال بالموضوع، وهدد السيدة فأرسلت للسلطان خمسة آلاف دينار فردها إليها، وحدث الجفاء بين السلطان والمحتسب بسبب ذلك.