شيرين وفرهاد: الفصل الرابع 1

دلور ميقري
2018 / 11 / 9

جولته اليومية، تحولت إلى ما يُشبه سيرَ قطارٍ قديم على سكّته الحديدية، لا يكاد يحيد عن طريقه المعتاد. الشمسُ، المرافقة خطوه، ما تفتأ خالدة الإشراق والدفء في كل الفصول، مثلما هوَ اللون الأحاديّ، الذي يكسي باضطراد عمائرَ المدينة الحمراء. هذا اللون، المتجلي أكثرَ صفاءً بتواطؤ أبيضَ السُحُب السماوية والقمم الجبلية، يتفجر أيضاً على الشفاه السميكة لإحدى فتيات شارع الشهوة، المُكنى باسم ملكٍ مجاهد، والتي تعبرُ الرجلَ الجوّال بإيماءةٍ ضاحكة وفاضحة. بدَوره، يعبرُ خِلَل غمامة من عبق عطرها، المتوارية زجاجته الدقيقة في حقيبة اليد جنباً لجنب مع حبوب الهلوسة وواقيات العضو الذكريّ.
في أعوام فائتة، آنَ كان مشغولاً بتنمية كتابه في أدب الرحلات، حاول أحياناً الخروجَ عن تحفظه أمام أمثال تلك الفتاة، كي يستل من حقيبة ذاكرتهن مشاهدَ منسية بلحظاتها السعيدة والتعيسة على السواء. عندئذٍ، ما كان من الممكن أن تبوح ذاكرة إحداهن دونَ إغراء المضيّ مع زبون أنيق، تلوح عليه علامات النعمة. ولكنه فعلها ذات مرة، مبهوراً بالبنت ذات الجسد الممتلئ في موضع الكفل، فيما قسمات سحنتها الفاتنة مقسّمة على مزيجٍ مألوف من الأعراق: كانت نزوة عابرة، قادته سكراناً إلى الموضع الملوكيّ، المقدّس والمحرّم. إلا أنه ما ينفكّ ثملاً بمشهد ذلك العجز المعجّز، الذي امتلكه حينَ كان يتقلّب على سرير الشقة المفروشة، ثمة في حي غيليز الراقي. صرخات البنت، كانت قد أيقظت فضولَ ساكني الشقة المجاورة، العليا. كانوا شباناً عراقيين، مقيمين في مراكش بهدف استثمار أموال مواطنيهم الفقراء، المتصدقين على المراقد المقدسة. ويتذكر كيفَ سمع ضحكاتهم الساخرة، المدوية على شرفة الشقة، ومن ثم خروج البنت مرتدية الشاركسكين كي تتبادل معهم الحديثَ وأرقامَ الهاتف المحمول.

***
وهوَ ذا رأسُ " القطار "، المعتلج بمختلف الأفكار، ينفثُ دخاناً لا مرئياً؛ وقودُهُ، الشعور بالإثم؛ فحمُهُ، تأنيب الضمير. كان الوقت على حدود الخريف، وما يفتأ الطقس حاراً كالمألوف. وإنها حرارة تبعث على الضجر، وفي آنٍ واحد، تثير رغبات الأجساد بما فيها المجبرة على الزهد بداعي الكبت والحرمان. ساحة جامع الفنا، المتعددة الأطراف مثل أخطبوط، كانت مهمتها تهدئة غلواء تلك الأجساد، بجذبها من تحت الأسقف الملتهبة إلى حيث رطوبة المشروبات الرخيصة وأنغام الموسيقى المحلية وألعاب الحواة ومرقصي القردة ورواة السيَر الشعبية.
" لعله يأتي ذلك اليوم، المتعهّد فيه أحد أولئك الرواة سردَ سيرتك المراكشية بكل ما فيها من محرمات مدمّرة للفضيلة، فضلاً عن الشطح والتجديف؟ "، خاطبَ داخله المهتز مع كل خطوة على إيقاع الحزن والفرح. كان يخطو على أرضية الشارع ذي الاسم الملكيّ، مخلفاً وراءه ساحة السحر والأعاجيب، التي ضاعت أصداء طبولها وناياتها وسطَ ضوضاء المركبات والدراجات النارية.. مخلفاً كذلك، عمائرَ المدينة القديمة، المبنية غالباً من الطين، والمتراصة بإزاء بعضها البعض كأجساد ذكورها وإناثها في آناء الليل، المفرّخ شتى عفاريت الشهوة الشيطانية.. مخلفاً كل ذلك، ليعيد صياغة جولته هذه المرة على وقع مفردات الحداثة الأكثر جدّة، المقدمة من المدينة البديلة، من نجمتها الأرقى؛ حي غيليز.
هارباً من صوَر يوميات منزل الأسرة، المثيرة لمشاعر تبكيت الذات، راحَ يستعيد وقائع مهمته في المدينة الحمراء، الشاهدة إجمالاً على الفشل وسوء الطالع. آخر محاولاته، شهدها هذا الحي بالذات قبل نحو شهرين لما أنطلقَ مبتهجاً للقاء الابن الكبير للرجل العجوز الراحل، المدعو " الحاج "، في محله الكبير الأشبه بورشة. هنالك استقبله شابٌ أسمر، بصفة معاون صاحب المحل، ليفاجئه بكون معلمه مسافراً إلى استانبول.
" لقد أصبحت تركيا مستقراً لصانعي الأثاث الدمشقيّ، وذلك منذ بدء الحرب في سورية "، قالها زوج ابنة " إدريس "، البكر. هذا الشاب، ويُعرف بلقبه " السوسي " نسبةً لإقليم يقع في الجنوب الغربي للبلاد، كان يعمل بنفسه لدى رجل سوري مختص بصناعة الأسنان. هذه المهنة، تفرّد بها عددٌ من الرجال الحلبيين، المقيمين في مراكش. أحدهم، كان زمناً يقيم في منزل الأسرة بصفة خطيب " حياة "؛ وهيَ في الترتيب ثاني البنات الأربع. ولقد بقيت هذه الفتاة الثلاثينية، قاتمة السمرة وغريبة الأطوار، تنتظر ذلك الخطيب حتى بعدما وصلت الحرب إلى مدينته وسببت تدميرَ جزءٍ كبير من حيه وتشريد الكثير من أهله.
من ذلك الإقليم، " السوس "، قدمت أيضاً سيّدة الدار مع شقيقتها الأصغر، وكانتا بعدُ بعمر غض، لتنضما إلى أسرة شقيقهما الكبير، المستقرة زمناً في المدينة الحمراء. جرى ذلك بعيد وفاة والديهما " بشكل يلفه الغموض " ـ على حدّ تعبير عم الشاب، العامل في صناعة الأسنان.

> مستهل الجزء الثالث/ الفصل الرابع، من رواية " الصراطُ متساقطاً "