ما وراء خطاب الرئيس التونسي

هيثم بن محمد شطورو
2018 / 11 / 9

انها المرة الاولى منذ توليه منصب رئيس الجمهورية التي يعقد فيها السيد "الباجي قايد السبسي" ندوة صحفية ظهر يوم الخميس 08 نوفمبر 2018، بحضور أشهر الصحفيـين المختصين في التحليل السياسي في الاعلام المكتوب، و ذلك عن طريق استدعائهم بالاسم. و هو ما يوضح الغاية في تـفنيد جميع الاشاعات التي راجت مؤخرا حول الصراع بين رئاسة الجمهورية و رئاسة الحكومة، أو بالأحرى إخراجها من دائرة الضوء تونسيا و دوليا.
لقد أعلن رئيس الدولة ان البرلمان هو صاحب القرار في تـزكية الحكومة الجديد بسياق تحوير وزاري من عدمه، و انه لا يعارض ذلك اذا تمت تـزكية الحكومة الحاصلة على دعم اكبر كتلة في البرلمان و هي حركة النهضة، الى جانب كتلة مشروع تونس و كتلة المبادرة و كتلة يوسف الشاهد المنشقة عن حافظ قايد السبسي نجل الرئيس و المدير التنفيذي لحزب نداء تونس، و هو ما يوفر التـزكية للتحوير الوزاري.
جاء هذا التحوير بارتـفاع نسبة مشاركة حركة النهضة و ذلك خلافا للتوصية التي أصدرها حزب نداء تونس منذ مدة وجيزة باعتبار رئيس الحكومة من الحزب نفـسه، بان تكون الحكومة الجديدة حكومة وحدة وطنية بدون تشريك حركة النهضة، اي اخراجها من دائرة الحكم، و ذلك تواصلا مع اعلان رئيس الجمهورية في حوار سابق عن انتهاء التوافق مع حركة النهضة..
فحول هذه النقطة الرئيسية التي تـتـقاطع مع سيناريو العداء بين نجل الرئيس و رئيس الحكومة، اضافة الى سيناريو اخراج "يوسف الشاهد" من خطة رئاسة الحكومة، يكون هذا التحوير الوزاري في تناقض تام مع ارادة رئيس الجمهورية و هو ما لم ينكره في الندوة الاعلامية.
الدستور التونسي يمنح سلطات واسعة لرئيس الحكومة على حساب رئيس الجمهورية، و هذا لقطع الطريق أمام عودة الدكتاتورية، و ذلك بتـقاسم السلطة التـنـفيذية مع ترجيحها لرئيس الحكومة، بحيث تـتحدد سلطة رئيس الجمهورية في الدفاع و الخارجية اساسا اضافة الى مشاريع القوانين التي يقدمها للبرلمان و له ان يطلب سحب الثـقة من الحكومة من البرلمان، و لكن ذلك يستلزم توفر النصاب القانوني...
واجب رئيس الدولة الاساسي هو العمل على احترام الدستور، و على هذا الاساس فانه فند كل امكانيات تعطيله للتحوير الحكومي في حالة تزكية البرلمان له، بل انه بشيء من التهكم وصف امكانية عدم استدعاء اعضاء الحكومة الجدد لأداء القسم أمام رئيس الدولة، بل أكثر من ذلك فانه لمح الى عديد الامكانات القانونية له وفق نصائح بعض رجال القانون لتعطيل هذا التحوير إلا انه رفضها، عملا بمبدأ الحفاظ على وحدة الدولة و التصرف بمنطق الدولة و بالتالي اخراج الصراع الشخصي فيما يهم مصلحة الدولة، بل انه أضاف انه هو الذي أتى بـ"يوسف الشاهد" و بالتالي ليس من صراع شخصي بينهما و انما هو اختلاف في وجهات النظر للأمور المتغيرة. و ان أكثر الامور المتغيرة هي قطع التحالف مع حركة النهضة بالنسبة لرئيس الجمهورية و ما يستـتبعه ذلك من اخراجها من الحكم، و قد قام يوسف الشاهد بتـقوية حضور النهضة في الحكم لمساندته امام سيناريوهات ازاحته من الحكم من طرف نجل الرئيس بشقه من كتلة حزب "نداء تونس" اساسا اضافة الى اغلب الكتل السياسية الأخرى..
و حين نكتـفي بهذا القـدر في خطاب الرئيس، فإننا نصفق مرحا بالروح الديمقراطية لدى السيد رئيس الجمهورية، و نغض النظر عن المسيرة السياسية منذ انتخابات 2014 و التي أزاح فيها "الباجي قايد السبسي" " الطيب البكوش" عن الامانة العامة لحزب نداء تونس، لأنه كان رافضا حينها التحالف مع حركة النهضة، ثم ابعاد جل القيادة اليسارية في حزب نداء تونس بطرق مختلفة الى ان ترأسه نجل الرئيس ليشهد الحزب انشقاق كتلة "محسن مرزوق" التي اسماها فيما بعد "مشروع تونس" و الذي توافق مؤخرا مع حركة النهضة ليكون مشاركا في الحكومة الجديدة. و نغض النظر عن اختيار السيد "حبيب الصيد" حينها من طرف الباجي قايد السبسي لرئاسة الحكومة الاولى ثم الثانية في عهد نداء تونس ثم اخراجه بما أطلق عليه الرئيس بحكومة وحدة وطنية و وثيقة قرطاج ثم الاتيان بيوسف الشاهد بعدما تعذر ضم الجبهة الشعبية الى حكومة الوحدة الوطنية، و جل هذه المسيرة يؤكد بلا ريب ان السلطة التـنـفيذية كانت تُدار من قصر قرطاج، و أن ما حصل اليوم هو فعليا انـقلاب سياسي رهيب بطله بلا مواربة هو رئيس الحكومة "يوسف الشاهد" برغم ان البعض يعطون فاعل الارجحية في الانقلاب الى حركة النهضة. انه انقلاب يضع السلطة التنفيذية في السياق الذي اراده فعليا مشرع الدستور التونسي و هو ان يكون رئيس الحكومة مستـقلا عن رئيس الجمهورية و ليس تابعا له..
و لكن بقية الخطاب يؤكد ضمنيا هذه المسيرة. لقد قالها أكثر من مرة "نحن الأعلون" و هي بمعنى رئيس الجمهورية هو الوظيفة الأعلى لانه الوحيد المنتخب في شخصه لهذا المنصب. لكن "نحن الأعلون" كذلك كـ"باجي قايد السبسي" رمز متبقي لبورقيبة و قد اشتغل معه لعدة سنوات كما هو رمز للعائلة الدستورية التي اسست الدولة الحديثة و ضمنيا لن تـفرط فيها، و هو كدستوري يسهر و يمثل تواصلية السياسي اليوم مع شهداء الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي و اللذين هم مصدر الشرعية الاساسي بل الوحيد بالنسبة للدستوريين.
لقد أوضح ذلك بكل وضوح في خطابه الاخير و هو ما يؤشر فعليا الى حرب سياسية غايتها المحافظة على ملكية الدولة للعائلة الدستورية، و هي الدولة التونسية الحديثة الوحيدة وفق هذا المفهوم و لكن ضد من؟
ضد يوسف الشاهد ام حركة النهضة ام انفلات السلطة و توزعها على ابناء الوطن فعليا تحت شرعية جديدة هي شرعية جانفي 2011 بما هي شرعية الشعب.. قال رئيس الجمهورية اننا لازلنا في المرحلة الانتـقالية و ان الديمقراطية لازالت ضعيفة و هي ثـقافة قبل كل شيء..لكن الديمقراطية صراع الاضداد في اطار توازن القوى و هذا ما يمكن ان يحقـقه ليس نجل الرئيس ( الذي لا يعرف تركيب جملة باللغة العربية حسب قول السياسي اليساري المنشق عن نداء تونس لزهر العكرمي و ذلك في اطار تهكمه على شخص نجل الرئيس المتـنطع للسلطة بعنوان أبيه السياسي، كما وصفه بأنه لا يفقه شيئا في السياسة) بل الحزب الجديد الآخذ في التكتل شيئا فشيئا حول شخص "يوسف الشاهد" بسياق عملية سلخ لحزب نداء تونس من ابن أبيه...
و باختصار فان وصف رئيس الدولة بعدم الندية بينه و بين رئيس الحكومة سواء على مستوى المسيرة السياسية او شيخوخته و شباب الآخر، فكأنه يصف رئيس الحكومة يوسف الشاهد بالتهور و الحماقة و الاندفاع بالقيام بفعل متهور له عواقبه السيئة.. اذن، انه تهديد مبطن..اي ان تونس قادمة على صراع سياسي رهيب..فهل هو صراع الجديد مع القديم، ام الشرعية الجديدة مع الشرعية القديمة، ام بين منطق السلطة الابوية الوصية ( التي اختارها الشعب و هو يعلم السن المتقدم ـ وفق قول رئيس الدولة) و منطق السلطة في طريق الديمقراطية..