علاقة الأيديولوجية الرأسمالية بالتفسيرات العنصرية لتخلف منطقتنا

رابح لونيسي
2018 / 11 / 9

علاقة الأيديولوجية الرأسمالية
بالتفسيرات العنصرية لتخلف منطقتنا

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-


يرى كارل ماركس أن أي نظام استغلالي في العالم يضع لنفسه إيديولوجية ومنظومة فكرية وفلسفية تستهدف الاستغلال، وتبرره، كما تحطم روح المقاومة والرفض والثورة ضده لدى المُستَغلين، وفي هذا المنظور تدخل البعض من النظريات التي تحاول تفسير تخلف منطقتنا إما استنادا إلى عنصر وثقافة ونفسية شعوبها أو بناء على جغرافيتها مثل المؤرخ الفرنسي ستيفن غزال الذي أستند على جغرافية المنطقة المغاربية لتفسير عجزها على التقدم أو إقامة دولة ثابتة أو إمكانية توحيدها في دولة واحدة، وتعتبر هذه النظريات أن هذا التخلف حتمي ودائم لا يمكن الخروج منه إلا بعامل خارجي كالاستعمار كما ذهب الإقتصادي الفرنسي بول باران على سبيل المثال لا الحصر في تفسيره تخلف العالم الثالث.
وتعود الجذور البعيدة لهذه النظريات إلى الثقافة الرومانية-الإغريقية التي تعتبر الآخرين برابرة ومتوحشين، وهي نفس الفكرة التي بنى عليها الإستعمار الفرنسي إستعماره للجزائر بالترويج بأن مهمته هو "تمدين هؤلاء الجزائريين"، والذي في الحقيقة لم يقم إلا بتدميرهم والإستيلاء على ممتلكاتهم وربطهم إلى اليوم بالإقتصاديات الرأسمالية الإستغلالية.
يعد الإستشراق أحد أسلحة النظام الرأسمالي الغربي التي تستهدف سلب الآخر أي محاولة لرفض إستغلاله وتخلفه، كما تسعى إلى غرس عقدة النقص فيه، فإن كان الإستشراق قد ظهر في بدايته كمحاولة من الكنيسة الأوروبية لمعرفة الشرق الإسلامي، فإنه تحول فيما بعد إلى أداة في يد الاستعمار للتعرف الدقيق على خصوصيات وثقافات ونفسية شعوبه، واستغلال تلك المعرفة لوضع خطط التعامل مع هذه الشعوب، مثلما استخدم الإستشراق أيضا كمرآة يتعرف الأوروبي من خلالها على ذاته-حسب إدوارد سعيد الذي كتب قائلا "فقد ساعد الشرق على تحديد أوروبا أو الغرب بوصفه صورتها وفكرتها وشخصيتها وتجربتها المقابلة"، فالإستشراق صورة الشرق نقيضا للغرب الأوروبي، ويصر في عمومه على القول بأن أوروبا ديمقراطية وعقلانية ومتحضرة ويقابلها شرق إستبدادي وخرافي ومتخلف.
وبوضع بعض المستشرقين صورة كهذه عن الشرق، نشأت لدى الأوروبي عقدة التفوق والإستعلاء مقابل عقدة النقص لدى شعوب منطقتنا، مما سيؤدي إلى إنشاء سلطة غربية على عقل شعوبنا تجعلها تقتنع أنه لا يمكن لها التقدم إلا بالتخلص من ذاتها والاندماج في الغرب الرأسمالي روحا وفكرا ونمطا استهلاكيا...وغيرها. وكتب إدوارد سعيد في بحثه الممتاز حول الإستشراق عن ذلك "وكان تمثيل الأوروبيين للمسلمين أو العثمانيين أو العرب، كما كانت شخصيات والترسكوت، دائما طريقة للسيطرة على الشرق المهيب، ويصدق هذا إلى حد ما على مناهج المستشرقين المعاصرين المتفهمين، الذين لم يكن موضوع دراستهم الشرق ذاته بقدر ما كان الشرق، وقد جعل معروفا، وبالتالي قل إرهابا لجمهور القراء الغربيين".
لكن فلنكن موضوعيين في هذا الحكم القاسي الذي أصدره إدوارد سعيد على الإستشراق، وقد رد عليه صادق جلال العظم بكتيب ممتاز في حينه عنوانه "الإستشراق معكوسا"، كما دعا المصري حسن حنفي إلى علم مقابل دعاه "علم الإستغراب"، وحاول التأسيس له، ويقصد به دراسة الغرب على طريقة الإستشراق، ففي الحقيقة الكثير من المستشرقين قد لعبوا دورا إيجابيا من خلال إحيائهم الكثير من تراث منطقتنا، فلولا المستشرق الفرنسي دوسلان لما سمعنا مثلا اليوم ببن خلدون ومقدمته التي يمكن أن تساعدنا كثيرا في فهم المجتمعات المغاربية.
ودائما في إطار هذه النظريات يذهب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber إلى نفس الطرح عندما يحاول أن يغرس في الأذهان أن القيم البروتستانتية الأوروبية هي وراء نقل المجتمع الأوروبي إلى مجتمع صناعي، ويذهب أبعد من ذلك عندما يعتبر أن كل قيم شعوب منطقتنا كانت وراء عرقلة تحول مجتمعاتنا إلى مجتمع صناعي بسبب إحتقاره الحرف والتجارة وسيطرة الفكرة الأخروية وغياب القانون العقلاني لديهم، فهذا الكلام لايختلف عما يقوله ماركس عن المالك البرجوازي الذي يحمل البروليتاري مسؤولية بؤسه برده إلى كسله مقابل إخفاء الإستغلال الممارس عليه وتوضيح تلك العملية الإستغلالية المبنية على نظرية "فائض القيمة".
يعتبر المفكر الفرنسي الكونت جوبينو (1819-1882) أحد رواد النظريات العنصرية في أوروبا، وذلك عندما وضع كتابه "مقالة عن عدم تساوي الأجناس البشرية" في عام 1854، يرى فيه أن حركة التاريخ من نتاج العنصر الآري أو الهندو-أوروبي، ويستدل في ذلك بقوله أن أي ملاحظ لكل الإبداعات الإنسانية في كل المجالات تدفعه إلى استنتاج أنها من نتاج عنصر واحد له فكر واحد هو العنصر الآري، وأن فقدان هذا العنصر نقاوته معناه نهاية الحضارة الإنسانية، ولأن الشعوب الآرية متحضرة ومتقدمة طبيعيا وبالوراثة عكس الشعوب السامية المتخلفة والجامدة طبيعيا.
إن القليل من العلمية والموضوعية كافية لدحض نظرية تفوق الجنس الآري، وقد دحض هذه النظرية الكثير من المفكرين والعلماء الأوروبيين عند ظهورها، ويمكن لنا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر دينكر Denker ومييMeillet ، وموللرMuller ، وهارتمان Hertmane ودوركايم Durkheimوريبلي Repleyوجان فينو Jean Vinau الذي وصفها بـ "خرافات ومزاعم باطلة"، وكذلك تارد Tarde الذي كتب "أننا إذا رجعنا إلى ماضي الأقوام التي نراها الآن في أوج العظمة والمجد –متصفة بقوة الإرادة وشدة الإقدام- وجدنا أنها كانت فقيرة ضعيفة ومحرومة من قوة الإقدام، وبعكس ذلك الأمم التي نراها الآن في حالة الانحطاط، فإننا إذا استعرضنا ماضيها، وجدنا أنها كانت مثلا للبطولة ومتميزة بروح الإقدام والمغامرة...".
وما يدحض هذا التفسير العنصري للتخلف هو وقوع دعاة نظرية الجنس الآري في مأزق عندما عجزوا عن تفسير سبب تخلف الهنود الذين هم من الجنس الهندو-أوروبي، مما جعلهم يضيفون تفسيرا جغرافيا للتخلف، فقالوا أن أوروبا الباردة هي وراء سمة النشاط والديناميكية لدى الأوروبيين، وأن الحرارة هي وراء كسل وخمول الشعوب الأخرى كالعرب والأفارقة والآسيويين، ولو أن هذا الطرح قديم إذ أورده مونتيسكيو من قبل في كتابه "روح القوانين"، إلا أن غرابة الأمر هو أن الرحالة المغاربي ابن بطوطة أورد نفس القول عن أوروبا لكن بشكل معكوس، فكان يرى أن تقدم العرب والمسلمين يعود إلى المناخ الحار، أما تخلف أوروبا آنذاك يعود إلى البرودة، مما جعل المفكر سمير أمين يعلق على ذلك بقوله أن " كلا الحكمين السطحيين والمتعارضين غير علميين".
نلاحظ من خلال محاولات بعض مفكري الغرب الرأسمالي تفسير تخلف شعوب منطقتنا بأسباب خاصة بهم كالعرق والثقافة والنفسية والبيئة الجغرافية، أنهم يحاولون إبعاد أي مسؤولية للاستغلال الرأسمالي الغربي لثروات هذه الشعوب، أفلا تشبه هذه الطروحات والتفسيرات ذلك الطرح والتفسير الذي يقدمه الرأسمالي الاستغلالي نفسه الذي ينهب فائض قيمة العمل للبروليتاري وعرقه وكدحه في المصنع، ثم يقول عنه أنه فقير لأنه سلبي وكسول مبعدا أية تهمة أو شبهة عن الاستغلال والنهب الذي يمارسه عليه، وقد ذهب بعض هؤلاء الإيديولوجيين الرأسماليين إلى حد استغلال الدين لتبرير تقدم أوروبا وتخلف الآخرين، فبعد ما يورد الاقتصادي ريتشارد جيل Richard T-Gill في كتابه (التنمية الاقتصادية: الماضي والحاضر) أرقاما وإحصائيات تبين مدى تزايد الفجوة الاقتصادية بين العالم المتقدم والعالم المتخلف، وبأنها تضاعفت من 15 إلى 20 مرة خلال مدة مضت قدرها قرن ونصف، فبدل أن يفسر ريتشارد جيل هذه الظاهرة علميا واقتصاديا، فإنه اكتفى بتفسير ديني فيورد قول من الأنجيل "كل من لديه سنزيده حتى يصبح لديه وفرا، وسنأخذ مما يفتقرون حتى الذين بين أيديهم "[إنجيل متى الأصحاح 25 الآية 29]. وكأن ما يحدث في العالم من ظلم واستغلال هو حتمي ومقدر من الله سبحانه وتعالى.




البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-