تقنية معالجة الحمأة في أحواض النباتات المائية

نعمة شريف
2018 / 11 / 9

تقنية معالجة الحمأة في أحواض النباتات المائية
Dr.-Eng. Noama Shareef- Frankfurt
تعتبر مسألة الحفاظ على نظافة البيئة وحمايتها من كافة أخطار التلوث، من المسائل الحيوية التي تطرح نفسها بإلحاح في عالم اليوم وتشكل هاجسا للحكومات. لهذا يعتبر ذلك هدفا ساميا تسعى البلدان لتحقيقه ضمانا لسلامة الإنسان وكافة الكائنات الحية، وحفاظا على حق الأجيال القادمة في التمتع ببيئة نظيفة وكذلك حفاظا على الموارد الطبيعية لحقوق أجيالا قادمة. وتعتبر الفضلات البشرية (المجاري) من العوامل التي تهدد بتلوث البيئة وتهدد صحة وسلامة الانسان لان هذه الفضلات تشكل مرتعا خصبا لكثير من الحشرات والكائنات الناقلة لجرثيم الامراض المعدية والأوبئة مثل التيفوئيد والكوليرا, ويكفي أن نشير إلى تقرير منظمة الصحة العالمية WHOإلى أن 80% من الأمراض المنتشرة في الدول النامية تاتجة عن تلوث مياه الشرب وسوء أنظمة الصرف الصحي.
تلجأ ألمانيا وباعتبارها بلدا رائدا في علوم وتكنولوجيا معالجة مياه الصرف الصحي والرواسب الناتجة عنه إلى اختيار الطرق الطبيعية وشبه الطبيعية لمعالجة الرواسب الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي والتي توفر في استهلاك الطاقة، إحدى هذه الطرق المستخدمة بصورة شائعة في ألمانيا هي معالجة الحمأة الناتجة عن مياه الصرف الصحي في أحواض النباتات المائية.

من المعروف أن مياه الصرف الصحي تتكون بصفة عامة من الفضلات الناتجة عن استعمال المياه في المنازل وكذلك المخلفات السائلة للمؤسسات العلاجية والصناعية ومياه الامطار والرشح وتحتوي هذه المياه على العديد من أنواع الكائنات الحية المجهرية والمواد الطافية والمواد العالقة إلخ...إلى جانب العديد من من الغازات مثل النتروجين NO2؛ ثاني اوكسيد الكربون CO2 ؛ و كبريت الهيدروجين H2S ؛ وغاز الميتان CH4 إلخ...........
وتعرف الحمأة (Sludge) بأنها مزيج من المواد العضوية المحملة بالبكتريا والفيروسات والمعادن السامة والمواد الكيميائية بالاضافة الى المواد الصلبة المترسبة والمزالة من مياه الصرف الصحي او الصناعي في محطات معالجة المياه؛ وتعتبر محطات تنقية مياه الصرف الصحي مصدرا هاما لإنتاج الحمأة.
يعتمد أسلوب ومراحل معالجة الحمأة واستراتيجيات التخلص منها على عدة معايير تتعلق بكمية الحمأة المطلوب معالجتها يومياً، ومواصفات هذه الحمأة، وبمساحة الأرض المخصصة لوحدة المعالجة، وثمن الأراضي الصالحة تقنياً كحفر الطمر، كما تتعلق بالمعايير القياسية التي تحدد مواصفات الحمأة المعالجة تبعاً للمصير النهائي لهذه الحمأة، وبالكلفة الاقتصادية أيضاً. وتتضمن معالجة الحمأة حسب الظروف التقليدية المعروفة تطبيق مرحلة أو مراحل متعددة اعتبارا من تكثيف الحمأة إلى نزع المياه منها مرورا بما يسمى تثبيت الحمأة أي هدم المركبات العضوية فيها.
ولتحويل الحمأة إلى وسط مستقر غير ضار يجب أن تخضع إلى عمليات تثبيت هوائي أو هضم لا هوائي، حيث يتم تنشيط بكتريا هوائية في عملية التثبيت الهوائي تقوم بتفكيك الملوثات العضوية ويتشكل غاز ثاني أوكسيد الكربون وماء ومواد ثابتة كيميائيا غير قابلة للتفكك، أما الهضم اللاهوائي فيتم في أحواض مغلقة وتتحول نسبة كبيرة من المواد العضوية إلى غاز حيوي يعتبر مصدرا بديلا للطاقة.
وتبدو أهمية معالجة الحمأة من خلال معرفة أن كلفة معالجتها لوحدها تمثل من
30%-40% من كلفة بناء أو إقامة محطات المعالجة لمياه الصرف الصحي، كما تمثل 50% من تكاليف استثمار هذه المحطات وحوالي 90% من مجمل مشاكل الاستثمار لمحطات المعالجة المذكورة.
إحدى الطرق الشائعة والمعتبرة في ألمانيا لمعالجة الحمأة هي معالجة الحمأة في أحواض القصب أو النباتات المائية وهي طريقة شبه طبيعية وغير مكلفة نسبيا، وباعتبار أن العامل الإقتصادي يلعب دورا هاما في تحديد نوعية معالجتها بالاضافة الى العوامل الأخرى مثل كمية الحمأة ونوعيتها والمساحة المتوفرة والقوانين التي تفرض على استخدام الحمأة بعد المعالجة إلخ.. مبدأ هذه الطريقة بسيط جدا وهو إنشاء أحواض ثم عزلها حتى لا يتم تسرب المياه الملوثة إلى المياه الجوفية ومن ثم فرش طبقة دريناج أي طبقة من الأنابيب المثقبة في قاع الحوض والتي تجمع المياه المنزوعة من الحمأة إلى أحواض معالجة مياه الصرف الصحي.

إن الهدف من استخدام هذه الطريقة في المعالجة هو:
 تخزين الحمأة في أحواض لمدة زمنية متفاوتة من خمس الى سبع سنوات وبالتالي توفير مساحات كبيرة.
 تقليل حجم الحمأة بنزع المياه منها والذي يحدث هنا بطريقة طبيعية حيث تلعب جذور النباتات دورا مهما في ذلك بينما في الطرق الأخرى يحتاج ذلك إلى تكنولوجيا عالية وكلفة أيضا
 هدم المواد العضوية المعقدة في الحمأة حيث يتم ذلك من خلال عمليات الاكسدة الطبيعية من خلال جذور النباتات المائية التي تشكل مصدرا للتهوية.

إن عملية تجميع الحمأة في هذه الأحواض يتم على مراحل زمنية معينة حيث يتم فرش طبقة الحمأة بشكل متراكم لمدة سنوات عديدة تصل إالى سبع سنوات أو أكثر حسب تصميم المحطة، وفي النهاية يتم تعزيل هذه الأحواض من جديد وتحديد مدى صلاحية هذه الحمأة للإستخدام وحسب قوانين التخلص منها إما بالاستفادة منها في الأغراض الزراعية أو الحرق.
تتبع ألمانيا الآن نظام بناء محطة معالجة الحمأة كمحطة مركزية واحدة لمجموعة محطات معالجة مياه الصرف الصحي في كل مقاطعة ألمانية وذلك نظرا لأن معالجة الحمأة تعتبر مكلفة اقتصاديا وذلك لإحتياجها لتكنولوجيا جديدة وخبرات وامكانيات هندسية ومهارات تشغيلية وفنية وإمكانيات مادية أيضا، حيث يتم تجميع الحمأة من محطات المعالجة لمياه الصرف الصحي لمنطقة واحدة ونقلها إلى محطة معالجة مركزية للحمأة ومن ثم معالجتها بإحدى الطرق الهوائية أو اللاهوائية.

إن الإستفادة من الخبرات الأوروبية وتحديدا الالمانية في مجال معالجة مياه الصرف الصحي والرواسب الناتجة عنها، تسمح لنا باختصار الوقت والجهد لتطبيق ما نراه مناسبا لبيئتنا من طرق وتقنتيات هندسية في هذا المجال، من حيث المناخ ونوعية الحمأة والمعطيات المحلية الأخرى، ومواكبة هذا التطور عن طريق تدريب كوادر هندسية فنية هي من أهم دعائم مسألة الحفاظ على صحة ونظافة بيئتنا وحمايتها من كافة أخطار التلوث والتي تضمن حق الأجيال القادمة في التمتع ببيئة نظيفة.