تساؤلات حول حلف الشرق الأوسط والعداءلإيران أخطر تحدي يواجه الأمة العربية مؤتمر المنامة :25أوكتوبر 2018

فتحي علي رشيد
2018 / 11 / 9

قد تكون التغطية الواسعة التي قامت بها وسائل الإعلام العربية والعالمية لجريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي مقنعة لتفسير الصمت الدولي عن تناول أبعاد وأخطار الحلف الذي تم الإعلان عنه في مدينة "المنامة" (عاصمة البحرين ) بين كل من الولايات المتحدة الامريكية ودول الخليج العربي ومصر والأردن . مع أن الحلف حضرته وفود من خمس وعشرين دولة موالية لأمريكا.وعلى الرغم من أن الحلف كما تم الإعلان عنه رسميا ,هوبمثابة أكبر حلف أمني عسكري سياسي دفاعي جديد "حلف الشرق الأوسط الاستراتجي "ضم وفودا تمثل حوالي مليار إنسان . لمواجهة ماسمي بالخطر الإيراني وخطر الإرهاب .
ومع أن بعض الصحف الأوربية توقعت أنه سيكون أقرب إلى حلف "الناتو"( الذي أقيم عام 1949 بعد الحرب العالمية الثانية بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا لمواجهة الخطر الشيوعي ).وهذا ما يجعلنا نتوقع أن هذا الحلف الجديد لن يكون موجها ضد الخطر الإيراني فحسب بل ضد الحلف الذي تقوده إيران والذي يطيب للمنتمين إليه إطلاق مصطلح " حلف المقاومة والممانعة "عليه بمعنى أنه سيقسم دول المنطقة إلى حلفين و باقي الدول ستضيع مابينهما ,وهذا بحد ذاته أمر خطيرجدا .
موقف حلف الممانعة والمقاومة من الحلف الجديد :
من الملفت للنظرهوأن وسائل إعلام حكومات حلف الممانعة والمقاومة ومنظريه الفطاحل فوتواهذه الفرصة الثمينة ولم تشن هجوما على هذا الحلف الذي يتهدد رسميا ـ إيران زعيمتهم.
هل لأنهم يعرفون أنه ليس موجهاضدهم ولاضد إيران ولا ضد الإرهاب ,بل ضد الشعوب العربية ؟ وما يدفعنا لهذا الإعتقاد والشك هومعرفتنا بأن جميع هذه الدول المتخاصمة عندما أعلنت رسميا الحرب على الإرهاب ,اتخذت من ذلك الشعار ذريعة للفتك بالشعبين العراقي والسوري ولتدميروتهجير وقتل وتدمير أكبر عدد ممكن من البشر والأبنية في أغلب المناطق التي كان يسكنها العرب والسنة.
وهذا مايجعلنا نشك في أن يكون هدف ا لحلف معاداة إيران مثله مثل معاداة الارهاب .حجة من أجل دمج اسرائيل المعادية( بالكلام لإيران )ضمن المكونات التي تزعم أنها معادية لها, بما يؤدي إلى تعميق وتوسيع الفجوة بين حكومات وشعوب الدول العربية بين منحازة لإيران ودول معادية لها .
الشئ بالشئ يذكر:
قد نصدق أن حلف الناتو( 28دولة ) وأحلاف أخرى مثل حلف جنوب شرق أسيا (تشكل عام 1954 من عشرين دولة في مانيلا )وحلف بغداد (تشكل عام 1955من سبع دول ) لمواجهة الخطر الشيوعي لأن كلا من دول الاتحاد السوفييتي والصين ودول اوروبا الشرقية كانت تشكل في ذلك الوقت كتلة و قوة فكرية وسياسية وعسكرية واقتصادية وبشرية هائلة ,( تضم حوالي نصف سكان العالم يومها ).لكننا لايمكن أن نصدق اليوم أن إيران وحلفائها تتطلب قيام حلف تقوده الولايات المتحدة (أكبر قوة عسكرية وأمنية واقتصادية في العالم) لمواجهة دولة صغيرة مثل إيران ,أو لمناطحة حلف هزيل تقوده إيران.
فأحداث الخمسين سنة الماضية بينت أن حلف شمال الأطلسي "الناتو"وحلفي بغداد ومانيلا كانت أمريكا تهدف من وراء تشكيلهم إضافة إلى جعل تلك الدول تحارب المعسكر الاشتراكي معها ,كانت تعمل بشكل رئيسي على أن تحارب شكليا حكومات تلك الدول تحت يافطة محاربة المد الشيوعي محاربة التطلعات التحررية التي كانت تقودها الأحزاب الشيوعية والحركات القومية والاجتماعية التحررية في تلك البلدان بهدف إخضاعها للهيمنة الأمريكية .و كان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الولايات المتحدة تهيمن على حكومات وشعوب تلك الدول ومن خلالها على العالم من يومها وحتى هذا اليوم .وهذا ما يبرر لنا طرح التساؤل ذاته :هل هذا الحلف موجه أيضا لفرض مزيد من الهيمنة الأمريكية على شعوب وحكومات المنطقة والشرق الأوسط تحت ذريعة محاربة إيران ؟
"إسرائيل " الحاضر الغائب :
فبمجرد ما أن يضم حلفا كهذا كلا من الولايات المتحدة وقطرودول مجلس التعاون الخليجي ( المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت )والاردن ومصرالمطبعتين رسميا مع إسرائيل فهذا معناه أن إسرائيل موجودة فيه .ولاحاجة للجميع لأن يعلنوا عن انضمامها إليه ,فبذلك تكون بمثابة العضو الحاضر الغائب فيه وربما تكون على رأسه . فحضورإسرئايل العلني في الحلف قد يكون مدمرا له على الأقل في المرحلة الحالية .بمعنى أننا لايمكن أن نستبعد انضمامها إليه رسميا في مرحلة قادمة .خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار زيارة "نتنياهو" لسطنة عمان في ذات الوقت .والتي قد تمهد الطريق للإعلان عن دخول رسمي لإسرائيل والسلطنة في هذا الحلف لاحقا .من هنا ينشأ خطر كبير على المنطقة وشعوبها بسب احتمال انقسامها إلى حلفين رئيسيين تكون إسرائيل حاضرة في أحدهما بشكل علني ورسمي .وهو ماسيشكل نقلة نوعية في تاريخ النزاعات في المنطقة والصراع العربي الصهيوني .وهذا بحد ذاته مبررإضافي يجعلنا نأخذ الموضوع بجدية أكبر ويدفعنا للتفكر برويةوشمولية لنتعرف على إمكانيات تلافي أخطاره المحتملة على شعوبنا وبلداننا العربية .
إسرائيل والخطر الإيراني :
بما أن إيران كانت وماتزال تزعم منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1980, وخاصة بعد أن تلقفت القيادة الإيرانية شعار "إزالة إسرائيل من الوجود". بعد أن تخلت الدول العربية رسميا بما فيها منظمة التحرير عنه. فلقد تصور أوآمن بقايا القوميين والوطنيين والثوريين الشرفاء بأن ايران تشكل البديل المناسب لمواجة إسرائيل وللإلتفاف حولها لمواجهة الخطر الصهيوني .وما عمق هذه القناعة هو أن إسرائيل باتت تروج أن إيران تشكل الخطرا الرئيسي عليها . بسبب دعمها لحماس وحزب الله ,وبخاصة بعد النصر الذي أحرزه لبنان عليها عامي 2000و2006 ,وهكذا تشكلت قناعة عامة وراسخة لدى غالبية أبناء الشعوب العربية ونخبها ترى بأن الدول العربية الأخرى عميلة للصهيونية ولأمريكا .بالتالي لابد الالتفاف حول إيران وتقويتها من فتح الأبواب والنوافذ لها ولمليشياتها وجعلها تتمدد وتأخذ راحتها بل وإقامة حلف معها ضد هؤلاء العملاء والخونة المنضوين في الحلف المضاد غير الرسمي .وهكذا تحول كثير من المنظرين والثوريين العرب ( بما فيهم الشيوعيين ) إلى أدوات وأقزام تديرهم إيران ,فبدلا من أن يتصدوا هم للتحديات الخارجية ويقودوا ويتزعموا نضال شعوبهم تحولوا إلى أبواق ومرتزقة وأدوات بيد إيران وسلموا لها دفة تسييرشؤون بلادهم . في حين وقف كثيرون ضدإيران وضد كل من يصطف معها .وهذا ماأدخلنا كعرب دون أن ندري في فخ الصراع بين بعضنا البعض فدمرنا انفسنا وبلادنا ,فيما بقيت كلا من إسرائيل وإيران تتفرجان . ومن المؤسف أنه لم يتبين للبعض منا (إلا بعدفترة طويلة ) أن الرابح الوحيد من كل الغثاءكانت وماتزال إسرائيل التي لم يوجه فيه خلال كل هذه الفترة أي من الطرفين المتخاصمين أية طلقة على إسرائيل . بل ركزوا جهودهم على محاربة بعضهم ففتكوا ببلدانهم و نكلوابشعوبهم وخلفوها .
وما يجعلنا نميل للشك بإيران وحلفائها أكثر هو كونها منذ أن رفعت شعار محاربةالشيطانين أمريكا و إسرائيل بعد الثورة الخمينية و منذ عام 1980 وحتى اليوم لم تطلق صاروخاواحدا على إسرائيل بينماحاربيت العراق ودمرته خلال ثمانية أعوام تدميرا شديدا .كما أطلق حلفائها مئات الصواريخ الإيرانية من اليمن على السعودية. ولأن مليشياتها قتلت وهجرت ونكلت ـ خلال السنوات الثمان الماضية ـ بعشرات الملايين من الشعبين العربيين في سوريا والعراق ولم تؤذي إسرائيليا واحدا .
وما يجعلنامتأكدين مما نزعمه هو أن أمريكا منذ قيام الثورة الإيرانية وحتى اليوم لم تقف موقفا جديا واحدا من إيران باستثناءمسرحية (بروبغندا) المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران والتي أسفرت عن تقديم كل من أمريكا وإسرائيل مئات الصواريخ بعيدة المدى ( فضيحة إيران غيت ) مما مكنها من الاستمرار بالحرب على العراق ست سنوات إضافية قتل فيها مايزيد عن نصف مليون عراقي .بما يعني أن عدائهما المزعوم لإيران شبيه بعداءإيران المزعوم لهما , مجرد لغو وكلام .فالوقائع تظهروتؤكد أن عداء الطرفين للعرب والسنة هو أشد وأقوى من معاداتهما لبعضهما البعض . وما يشجعنا على هذا الاعتقاد هو أن أغلبنا بات اليوم يدرك أن حكومات الدول العربيةخاصة الثورية التي أعلنت وأقسمت منذ قيامها على تحرير فلسطين , لم تكن جادة في ذلك ( ولانقول أنها كانت تكذب (قاصدة )على شعوبها وحركاتها الوطنية والثورية. بل لأنها من ناحية لم تكن تمتلك لاالنية الصادقة والجادة !!ولأنها من ناحية أخرى كانت تعرف أنها لاتستطيع أن تشن حربا على إسرائيل, حربا ٍكانت تدرك قياداتها العسكرية والسياسية سلفا أن أمريكا ستصطف فيها فورا إلى جانب اسرائيل لذلك ستكون فاشلة . ولأن قياداتها السياسية من جانب آخر ـ كانت (في العمق ) ترتبط مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية المساندة لإسرائيل بمعاهدات واتفاقات وعلاقات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة لاتمكنها من شن تلك الحرب أو من الانتصار فيها .
وهذا مايجعلنا اليوم نطرح عدة أسئلة للنقاش :إذا كان قد تبين لنا أن حكومات الدول العربية الملكية والجمهورية والثورية كانت تكذب على شعوبها كي تحكم سيطرتها عليها .بما جعلها تبدد ثرواتها وتعمق من تخلفها وتخلف شعوبها وتزيد من تبعيتها على كافة المستويات لمصلةالغرب و أمريكا وإسرائيل بالذات . فلماذا لانستبعد أن تكون هذه الدول التي تزعم المقاومة والممانعة اليوم ومعاداة إسرائيل , كاذبة ايضا وتسعى لأهداف مماثلة وربما أسوأ ؟ لماذا لايكون خطابها للتدليس والخداع ؟
فبما أن روسيا تشكل صلة وصل بين الطرفين ,من جهة حامية وداعمة لحلف الممانعة والمقاومة , وفي ذات الوقت من الجهة الأخرى حليفة جيدة لإسرائيل وحريصة على أمنها وسيادتها, وتنسق في كل خطوة تخطوهامعها ومع أمريكا . فإن هذا يدفعنا للشك أكثر فأكثر بكل شعارات وأطروحات إيران وحلف الممانعة .
ثمة اسئلة آخرى نطرحها للتمعن : هل يقف قادة وزعماء تلك الدول والأحزاب التي تزعم حاليا أنها تقاوم الهيمنة الصهيونية الأمريكية على المنطقة ,موقفا جادا وفعليا ضد هذه الهيمنة ,أم أن ذلك مجرد كلام وشعارات ؟ هل تشير أفعالها على أرض الواقع والفعل بأنها تقاوم هذه الهيمنة أم أنها بأفعالها تمهد لها ؟ هل هي قادرة على مقاومة تلك القوى فعلا ؟هل بهذه الطرق والأدوات والأساليب العفنة (القمع والاعتقال والتجويع والتهجير والتنكيل والدوس على الرقاب ) ستجعل شعوبها وجيوشها( بالسوط )تقاوم الهيمنة الصهيونية الأمريكية على المنطقة وتَفٍلها ؟أم أنها بهذه الاساليب التي اتبعتها وماتزال تتبعها وتمارسها على أرض الواقع في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن (إذ تقوم وتساهم في تدميروتخريب هذه البلدان وشعوبها وحركاتها الوطنية والثورية وتفرغها من الداخل ) تتيح لإسرائيل أن تهيمن فعليا وعمليا على المنطقة ؟
أليست بسياساتها القميئة والفجة وبتصرفات مليشياتها المتخلفة والظلامية والقمعية قدمت وما تزال تقدم اليوم كل الذرائع لحكومات تلك الدول وكثير من شعوبها لتَقبل وقبول الإنضواء في حلف تقوده أمريكا لمواجهة خطرها هي وليس خطر إسرائيل ؟ولن تمانع مستقبلا إذا ما استمرت تلك الدول بهذه تلك السياسة من تقبل أن تصبح إسرائيل عضوة فيه ؟
توسيع دائرة الرؤية:
لنخطوا خطوة أخرى ولنسأل .طالما أن كل من يفكر أو سيفكر في أية مواجهة شاملة أومحتملة مع إسرئيل يعرف ,أو يتوجب عليه أن يعرف أنه سيدخل في مواجهة شاملة مع كل من أمريكا وأوروبا وربما مع روسيا أيضا :
هل خطط جيدا أو لديه خططا لمثل هذه المواجهة الشاملة ؟ هل لديه الامكانيات لاحراز تفوق أو نجاح فيها ؟
ولنتوجه للقلة الواعية من الشعب الإيراني وحكومته ونخبه (لأننا نعرف أن أدمغة أغلبهم مقفلة على فكرة واحدة تقوم على الثأر من السنة ( بحجة مقتل الحسين ) والعرب (لهزيمة أجدادهم عام 636 ). وللكثرة من العرب المخدوعين ولمن ينقادون لهم وينساقون وراءهم كونهم المستهدفين من وراء هذا الدمار والخراب ,بسؤال بسيط فربما يصحون :
لوكرست إيران كل امكاناتها البشرية والفكرية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية , ولو صنعت القنبلة الذرية وآلاف الصواريخ البالستية هل ستقدر على مواجهة شاملة وحتى محدودة مع أمريكا وإسرائيل ؟
إذا كانت الصين ومن قبلهاروسيا قد تخلتا منذ زمن بعيد عن مثل هذا النمط من التفكير وليست بوارد أن تشكل أية قوة عسكرية مناوئة للولايات المتحدة .فكيف تضع إيران نفسها في مثل هذا الخيار المدمروالمبدد للثروات بلا طائل لها ولشعبها ولكل الشعوب المنقادة لها ؟ فالقيادة الصينية باتت منذ عام 1980 أوعى وأحكم من أن تضع نفسها في مواجهة خاسرة سلفا مع أمريكا بل لجأت لأسلوب آخر فهي من خلال النمووالتطور العلمي والصناعي والتجاري تسعى لتلفوق عليها وقد تشكل خطرا استراتيجيا على الولايات المتحدة أكثر من الجميع من دون أن تطلق طلقة واحدة عليها .وهذا مايجعل أي إنسان عاقل من أن يتسائل إذا كانت الصين كأكبركتلة بشرية في العالم وأكبر كتلة اقتصادية بعد الولايات المتحدة لم تفكر قيادتها ولم تخطط لأية مواجهة عسكرية محتملة مع أمريكا, فما الذي جعل ويجعل من القيادة الإيرانية تنصب نفسها قوة منافسة لأمريكا وإسرائيل على مستوى المنطقة بل أحيانا على مستوى العالم ,أوفي مواجهة عسكرية مع اسرائيل واقتصادية مع أمريكا ؟ .طالما أنها تعرف أن قوتها العامة أقل من خمسة بالمئة من قوة روسيا أو الصين ؟ هل هو نوع من الجنون ,جنون العظمة الفارسية الجديد التي أحياها الشاه محمد رضا بهلوي عام1971 ولم تنطفئ جذوتها بعد والتي اشتعل أوارها أكثر بعد الثورة الخمينية ؟ ألم يكن من الأفضل والأجدى للحكومة الإيرانية ولشعبها من أن يركزواعلى تطوير وتقدم ورفاه بلدهم وشعبهم ,واستغلال امكاناتهم الاقتصادية والعلمية والحضارية لإقامة علاقات حسن جوار مع الدول العربية والتعاون معها .ومن أن يكفوا عن عمليات صرف الأموال الطائلةلقلب الحكومات والتورط في حروب مدمرة للطرفين (استفادت منها إسرائيل ) ومن ثم في عمليات تسلح وتجييش طائفي لاجدوى منها ؟وفي عمليات تمدد في منطقة يعرفون سلفا أنهم مهما تمددوا فيها سيخسرون في النهاية .فهم في أحسن حالاتهم عبر التاريخ لم يسيطروا على المنطقة لأكثر من مئتي عام . حتى لو استخدموا كل شيعة الوطن العربي كحطب لإشعال نيران حرب طائفية قد تقدرفيها هزيمة حكوماتها عسكريا لكنها لن تقدر على حكم شعوبها كونهم لايزيدون في أحسن الأحوال عن عشرة بالمئة من مجوع السنة في العالم وعن ثلث العرب ؟ فكيف سيتمكن الفرس اليوم أو مستقبلا من التمدد في منطقة تنافسها فيها وعليها قوى أكبر منها بعشرات المرت ؟
,اؤكد أن لايفهم من ذلك أن على إيران أن تستسلم ولا أن على العرب أن يسستلموا ويسلموا لما تريد أمريكا وإسرائيل فرضه عليهم .بل هو تأكيد على أن المواجهة مع إسرائيل أو أمريكا أو مع الغرب تحتاج لرؤى وسياسات وبرامج وتوجهات مختلفة تضع استراتيجة وأساليب وطرق مختلفة كليا وجذريا .وهذا موضوع آخر .
ماذا وراء معاداة الحلف لإيران ؟
نعود لموضوعنا الرئيسي فربما نتوصل إلى بعض النتائج التي قد تنير لنا الطريق لنتلمس الحلقة الرئيسية التي تمكننا من تجنب الأخطار التي ترمي أمريكا وإسرائيل إليها من وراءهذا الحلف فعلا . بماقد يمكننا من اتباع سبل مختلفة أوبما قد يجنبنا الوقوع في هفوات وسياسات مدمرة ولاطائل منها كما جرى معنا سابقا .
مايجعلنا نشك (بل نؤكد) بأن هذا الحلف العسكري والسياسي والاقتصادي الجديد لن يكون موجها ضد إيران ولا ضد الارهاب هو أن أمريكا لو كانت جادة فعلا ( كما تتظاهر اليوم )في مواجهة إيران لأوقفتها عن التمدد منذ زمن بعيد , وهذا مايجعلنا نذكر من نسي :بأن أمريكا هي التي مهدت الطريق لهيمنة إيران على العراق منذ عام1991 وحتى اليوم. ألم يدخل ملالي إيران والعراق على الدبابات الأمريكة أو خلفها أو بالتنسيق معها وبضوء أخضر منهاوبتشجيع منها ؟.و لوكان الوجود الإيراني في العراق منذ 15 سنة يشكل خطرا جديا على أمريكا( حتى في العراق ) هل كانت ستسكت عنه أم أنها سكتت عليه وستسكت عليه لأنه صب ومازال يصب في مصحلتهاوتستخدمه لابتزاز وتركيع دول وشعوب أخرى؟:هل كان من الممكن لإيران أن تدخل سوريا علنا وبتلك الكثافة (حوالي عشر مليشيات شيعية,مسعورة ) لو لم تكن أمريكاوإسرائيل راضيتين وموافقتين على هذا التدخل لتدمير سوريا بما يصب في مصلحة إسرائيل ؟ وهذا ماينطبق على موقفهما أيضا من روسيا .
وهنا نسأل هل كان من الممكن للنظام أن يتخلى عن 180 ألف طن من الأسلحة الكيميائيةومئات صواريخ فروغ بعيدة المدى الرادعة واللتي جعلت ظهر سوريا مكشوفا لإسرائيل لولا تدخل روسيا ؟أي هدية قدمتها روسيا لإسرائيل أفضل من هذه ؟ ألم يكن دخول روسيا إلى سوريا بتلك الكثافة والصفاقة واللؤم مكافأة لها على مافعلته لمصلحة إسرائيل ,ولولم تكن أمريكا وإسرائيل راضيتيتن على مافعلته وتفعله روسيا ,هل كانت تجرؤ على بناء قواعد عكسرية لم تتمكن من بنائها في عزأيام السوفييت والعلاقة الجيدة معهم ؟
ألم يكن تدمير سوريا ناتج عن أفعال دولا مثل إيران وروسيا والنظام ومليشياتهم مصلحة إسرائيلية ؟ ألم يشكل هذا التدخل حجة لتركيا ومن ثم لأمريكا وفرنسا كي تدخل هي أيضا إلى سوريا ؟ ألايشكل هذا التدخل إضعافا للنظام بما صب ويصب في مصلحة إسرائيل ؟ ألم يشكل استمرار هذا التدخل الإيراني في سوريا واليمن مبررا لإقامة هذا الحلف لتفرض أمريكا حمايتها على جميع تلك الدول وللتدخل فيها لتركيعها أكثروأكثر ؟
لوكانت أمريكا جادة اليوم في إيقاف النفوذ والتغلغل الإيراني وبناء المفاعلات النوووية والصواريخ البالستية لفعلت ذلك بطرق آخرى( كما فعلت مع العراق عام 1981و2003 ) غير التصريحات الكلامية وبعض العقوبات التي تزيدمن منعتها ,ولأوقفتها اليوم و فورا .
وهذا مايجعلنا نميل إلى الاعتقاد أنهامن الأساس وطوال الوقت وحتى اليوم وغدا ليست جادة في معاداة إيران لعدة أسباب .
أولا: لأنهاتعرف أنها إن فعلت ذلك فسينشأ بعد ذلك أو فورا في المنطقة واقع جديد لاتعود فيه للدول العربية النفطية أية حاجة لخضوع للحماية الأمريكية أو لإقامة هذا الحلف الجديد معها .لذلك فإن من مصلحة أمريكا الإبقاء على النفوذ والتمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن بما يجعل الدول النفطيةفي حالة خوف ورعب دائم فتلجأ لأمريكا لتحميها. وهكذا تستمرار بابتزازها على الناعم وتحتوي الطرفين معا .
ثانيا :طالما أن كلا من أمريكا وإسرائيل( ومن أمامهم روسيا ) لاتوجد لديهما القوات البرية ( الجحافل البشرية الهائجة ) لضرب التيارات العديدة لحركات التحرر الوطني والقومي والديمقراطي والثوري العربي فلماذا لاتترك إيران تقود تلك الجحافل بدلا منها فلا تقتل جنديا أمريكيا أوإسرائيليا .ولماذا توسخ أيدي جنودها بجرائم لاتريد أن توسخ سمعتها بها أكثر .فتنفس عن أحقادها وترضي غرور شعبها وتطفئ لهيب أحقاده الدفينة وتحيي عزته القوميةالفارسية المهدورة .
ثالثا : طالما أن إيران بذلك تخسر بشريا وسياسيا ومعنويا وتبدد ثرواتها النفطية على التسلح والحروب فلماذا قد تفكر أمريكا بإيقافها عن تقديم مزيد من الخسائر طالما أن المتضررمن وراء ذلك هم العرب والإيرانيون ,وأن إسرائيل ستكون مستفيدة أكثر كلما أو غلت إيران وميليشياتها بالدم العربي ؟
رابعا : طالما أن ذلك يرهق كل من الدول العربية وإيران ويجعلهما أضعف في مواجهتم معها ومع إسرائيل فلماذا قد تفكر بلجمها فعلا ؟
خامسا :طالما أن لاإسرائيل ولا أمريكا بحاجة لقوة دول هزيلة (دول تطلب الحماية الأمريكية لها )كي تضاف لقوتهما كي يواجها إيران. فهذا يدفعنا للتساؤول ماهي مصلحة أمريكا من الإعلان عن إقامة هذا الحلف مع هذه الدول ؟عدا عن محاولة رخيصة(كالعادة ) لإسترضاء الشعوب العربية والضحك عليها ؟ وهو ما يجعلنا نطرح السؤال بطريقة مختلفة :
هل سيكون هذا الحلف لحماية هذه الدول ؟ أم لحماية مصالح أمريكا وإسرائيل ؟ هل أمريكا ترامب جمعية خيرية ؟ هل ستعمل لمصلحة هذه الدول ولحمايتها دون مقابل ؟أم أن مجرد قبول أمريكا دخولها في حلف مع هذه الدول يشكل حمايةلمصالحها هي ولحماية إسرائيل دون أن تصرف فلسا واحدا .بل على العكس سوف تحصل مقابل ذلك على أموال طائلة ( مليارات ستدفع نقدا أومن خلال ضخ مزيدمن البترول بسعر منخفض ,هذا عدا عن مليارات أخرى ستشغل الماكينة العسكرية وملايين العمل والمهنسين في أمريكا ) من دون أن تحرك أية حاملة طائرات واحدة .يفهم مماسبق أن الاحتمال الأكبرمن الغاية عن الاعلان وعن قيام هذا لحلف هو ابتزاز هذه الدول ماليا وسياسيا بزعم حمايتها من الخطر الإيراني .لكنها فعلا وعمليا لن توقف التمدد الإيراني كونه هو الذي أتاح ويتيح لها إقامة هذا الحلف والاستمرار في ابتزازونهب خيرات شعوب المنطقة كلها وترغم فيه حكوماتها على دفع الملاريات مقابل بيعها الأوهام ولانقول لاشيئ ؟
وبهذا نكون قد مهدنا الطريق لطرح الأسئلة الأهم :أولا : كيف نتجنب محاربة بعضنا البعض ونخرج مما وقعنا فيه من أخطاء ؟ وثانيا كيف نتوحد نحن كدول وشعوب في الشرق الأوسط لمواجهة الهيمنة الأمريكية والغطرسة الاسرائيلية؟
ثالثا: كيف نتوحد نحن كعرب أولا لمواجهة التحديات الخارجيةبدلا من التلهي بكل مايؤدي إلى الانقسام والتمزق الداخلي أكثر,بما يمهد لقيام حلف عربي عربي بدلا من حلف عربي أمريكي أو إسرائيلي ؟رابعا : كيف نضع حدا للتغلغل الفارسي المعادي للعرب والعروبة ؟ وفي ذات الوقت كيف نقنع ملالي إيران والعراق ولبنان واليمن بالكف عن التعبئة الطائفية؟خامسا : كيف يمكن أن نجلس نحن وهم والأتراك معا كجيران فعلا وليس كمسلمين فقط , وننسى أحقاد الماضي والانتقام من ـ ولوم وكسرـ بعضنا ولنبحث في كيفية التوافق على أساليب وبرامج وسياسات تقربنا لبعضنا و توحدنافي مواجهة تحديات خارجية كبيرة جداكما فعلت دول أوروبا ؟
فتحي علي رشيد
9/11/ 2018