السياسة والدين...من منهما يستغل الآخر

حكمت حمزة
2018 / 11 / 9

تحياتي للجميع.
تحدثت في موضوع سابق عن سبب محاربتنا للخرافة، بوصفنا مفكرين أحرارا وعلمانيين ولا دينيين، وبينت بشكل مبسط كيف تؤثر الأديان على الحياة العامة للفرد والمجتمع، إن تم إتباعها كنهج حياتي عام دون أن تبقى نهجا خاصة وإيديولوجية تحكم كل فرد بذاته فقط ولا تتدخل في شؤون غيره، ولأن كل الأديان لا تقوم على المساواة، لا بد من تنحيتها جانبا عن التحكم بمفاصل الحياة العامة، والبحث عن نهج مناسب يضمن الحرية والعدالة للجميع، ولا يفرق بين أحد وآخر لا بسبب دين ولا طائفة ولا عرق ولا لون.
وفي رد لأحد المعلقين الأعزاء المحترمين، قال بأن سبب تخلف البلدان الاسلامية هو السياسة، وأرجع ذلك إلى اعتبار أن الاسلام هو عبارة عن حركة سياسية، سوقت نفسها على أساس أنها دين، أي تقنعت بالدين لتدخل وتتسرب وتتغلغل إلى عقول وقلوب الناس، وتسيطر عليهم كي تخدم فكرها وقادتها ومنظريها وساداتها، وهذا في الحقيقة ما دفعني كي أكتب السطور القليلة التالية، في محاولة لإيضاح أن المشكلة في السياسة نفسها كما قال هو، ولكن ليس لأن الاسلام حركة سياسية، بل لأن أي مفهوم يدعي أتباعه القدسية، ستوظفه السياسات الاستبدادية وتيله بيدها أداة للقمع والتسلط على الآخرين وبث الروح في الاستبداد القديم الذي يأبى الرحيل، طالما أن هناك سياسات كهذه تغذيه. ولتوضيح هذه النقطة باختصار، لا بد من محاولة تسليط الضوء على العلاقة بين الأديان والسياسة كما نستشفها من التاريخ الانساني.
علاقة السياسة بالدين، هي علاقة قديمة قدم البشرية ذاتها، و هذا شيء لمسناه في مراجعة تاريخ الأمم القديمة، ففي أول قصة خلق قديمة سابقة للشعوب السامية، نجد الـ (إينوما إيليش) أو أسطورة الخلق البابلية، والتي تتحدث عن بداية الخلق، من بداية تواجد أبسو و ممو و تعامة، إلى انفصالهما وولادة إيا أو إنكي، إلى قيام تعامة بثورة على الآلهة انتقاما لقتل زوجها، وتصدي مردوخ لها، وشقها إلى قسمين نصف خلق منه السماء والآخر الأرض...وهكذا إلى آخر الأسطورة وخلق الانسان وبناء هيكل للآلهة.
هناك نوع من الاجماع بين دارسي التاريخ البابلي على أن قصة الإله مردوخ، ما هي إلا تجسيد لقوة وعظمة الملك البابلي حمورابي، و بالإمكان استشفاف هذه النظرة بقراءة فصل التكوين البابلي في كتاب الأستاذ فراس السواح، وسفر التكوين البابلي في كتاب منابع سفر التكوين للأستاذ سيد القمني، كما ان عالم النفس ومؤسس علم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ (تلميذ سيجموند فرويد) قد ألمح إلى تفسير كهذا أيضا، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الكتاب السابقين، بالإضافة إلى كتاب آخرين، نجد أن الملحمة الدينية كانت مجرد تصوير وتبجيل لعظمة وقدرة الملك البابلي حمورابي، خاصة وأن الملحمة كتبت في عهده تقريبا، وببساطة، يمكن أن نستنتج أن حمورابي قد استخدم هذا الأثر الديني الموجود سابقا عند السومريين، في إضفاء القوة والعظمة والقداسة على نفسه، لبسط سيطرته على المنطقة، وإخضاع من فيها، وهذا مثال من أقدم الأمثلة التاريخية على استخدام فكرة الدين والخرافات والخوارق، وتوظيفها لخدمة المصالح السياسية والسلطوية الاستبدادية. وجدير بالذكر أن الكثير من التراث الإغريقي، والتراث الكنعاني والفينيقي يمتلك الكثير من النقاط المشتركة مع التراث البابلي والسومري، كما أن الفرعون كان يعتبر الممثل الشرعي للإله على الأرض، أو يعتبر الإله نفسه، وعلى الجميع السمع والطاعة، وهذا ما يؤكد الفكرة القائلة بأن كل الملوك والسلاطين وظفوا فكرة المقدسات والخرافات والماورائيات في خدمة بقاءهم واستمرار حكمهم، وسواء كانوا فعلا يصدقون بتلك الأمور، أو يعرفون أنها كذب ويدعون التصديق، إلا أن النتيجة واحدة، وهي توظيف ذلك خدمة لمصالحهم.
بالنسبة للديانة اليهودية، فهي أيضا لا تختلف كثيرا عما سبقها، ولنضع في حسباننا أن بداية الخليقة في سفر التكوين، شديدة الشبه في أساطير التكوين السومرية والبابلية والكنعانية، ولكن القصة استمرت معهم لتأخذ منحى آخر، من نجاة نوح وسلالته بعد الطوفان، و نسل سام الذي أتى منه ابراهيم، بدأت المعتقدات اليهودية تأخذ قداسة أكثر، وصولا إلى إسرائيل الذي صارع الملاك يوما وليلة، ثم نسله بني إسرائيل، الذين انبثق منهم الأنبياء حتى موسى، إذ قام موسى بالصعود إلى جبل حوريب وملاقاة الرب هناك وأخذ منه لوحي العهد، و أمره بعد إخراجه من مصر، بالتوجه إلى فلسطين، وأصبحت فلسطين بالنسبة لليهود هي الأرض الموعودة، و لكن موسى وهارون لم يدخلا أرض الميعاد بسبب أنهم أخطئوا وعاقبهم الرب بأنهم لم يدخلوا الأرض التي وعدهم، ثم أكمل يشوع المهمة، وأمره بقتل الشعوب أمامه من العماليق و الموآبيين و الأموريين...الخ ودخلوا واستوطنوا فلسطين في الاحتلال الأول لها تاريخيا. هذه القصة باختصار هي قصة شعب اسرائيل، وهنا نرى أن الإله نفسه سخر تعاليمه ومقدساته في تبرير قتل وسفك دماء الشعوب الأخرى واستعبادها، لا بل كان أحيانا يشارك مع الشعب نفسه، وبنو اسرائيل اتخذوا من أوامر الرب منطلقا لاحتلال وقتل شعوب أخرى بريئة لا ذنب لها فيما جرى لبني إسرائيل أو لغيرهم.
وعلى صعيد العصر الحديث، قام الصهاينة مرة أخرى، باحتلال فلسطين الحبيبة، والجميع يعرف ما هي الحجة، غنها أرض الميعاد، التي وعد بها الله شعب اسرائيل، و كل معاناة الشعب الفلسطيني اليوم من الاحتلال، بسبب هذه الأفكار الدينية البالية، وبسبب هذه الخرافات التي نشن عليها حربا فكرية. وسواء كان الفهم اليهودي للتوراة بأن فلسطين هي أرض مقدسة وليست وطنا لهم، أو كان فهمهم بأن الله وعدهم بها كوطن، إلا أن النتيجة أيضا واحدة، وهي احتلال الصهاينة لأرض ليست لهم تحت مسمى ديني، بسبب خرافات عمرها أكثر من ألفي عام، ولا زالت إلى الآن تشكل مسوغات لكل ما يقومون به، والجميع يعلم أن اسرائيل كدولة لا كشعب، هي أبعد ما يكون عن الدين والتدين، لكنها رغم ذلك توظف الدين لخدمة سياستها، و لازالت تبحث عن آثار سليمان ومملكته، رغم أن الفراعنة والشعوب الأخرى لم توثق شيئا بل لم تذكر شيئا عن هذه المملكة، وهي بالفعل لو كانت عظيمة كما تم وصفها، لا بد أن أحدا ما من خارجها قد وثقها، ومع ذلك لم نجد في تواريخ المناطق المجاورة ذكرا لها، ويذهب الأستاذ سيد القمني في هذا المجال أن من كتب التوراة كان من المولعين والمبالغين بإفراط، مما جعله يكتب عن مملكة سليمان بهذا التهويل.
على الصعيد المسيحي، يحدثنا التاريخ عن وجود ثمان حملات صليبية توجهت نحو الشرق، لأجل بيت المقدس و كرمى لعيونه، وهي أيضا مقدسات عند المسيحية، هذا عدا عن الحملات الصغيرة، كما أن أوروبا ظلت ترزح تحت ظلم واستبداد الكنيسة ردحا طويلا من الزمن في عصور أسموها هم عصور الظلام بعد أن خرجوا منها، ومع مطالعتنا لكتب المسيحية وتراثها، نجد أنها بعيدة عن السياسة وعن تشكيل دولة وما إلى هنالك، ولكن رغم ذلك فقد تم استغلالها هي وخرافاتها، وتوظيفها في خدمة المشاريع الملكية وغزواتهم التوسعية، وفرض سلطتهم وتسلطهم واستبدادهم على الآخرين، والكل يعرف المجازر التي قامت بها الحملات الصليبية، والعقول التي تم إعدامها وإقصاؤها في أوروبا بسبب التسلط الكنسي، أي توظيف الدين خدمة للسياسة والاستبداد مرة أخرى، مع مفارقة هنا، أن المسيحية بعيدة عن السياسة وعن تشكيل دولة، إلا أن ذلك لم يشفع لها سياسيا، فوظفت خدمة نفس الأغراض مرة أخرى.
نأتي إلى الإسلام، والكل يعرف أن القرآن والتراث الاسلامي مليء بآيات قتال الكفار، ومحاربة أهل الكتاب حتى يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقتل المرتد، والجهاد على اختلاف أنواعه بين دفع وطلب...الخ، إلا أن الاسلام الأول لم يسعى لتشكيل دولة أيضا على ايام محمد، رغم الحروب والجرائم الكثيرة التي ارتكبها، وهجومه على القبائل اليهودية وقتلهم، ومهاجمة القوافل، والحوادث الكثيرة التي حصلت أيامه من رق وسبي...الخ، إلا أنه لم يسعى لهيكلة دولة، ولم يشكل نواة دولة، يمكن وصف أفعاله و مجازره بأنها الأشنع، لكنه لم يهيئ نواة دولة حتى، نعم أراد بسط سيطرته على المدن التي يحمل في قلبه ثأرا تجاهها كمكة والطائف، وجهز جيشا وأرسله لمحاربة الأسود العنسي أو عبهلة بن كلب، لكن رغم ذلك لم يكن بدافع تأسيس دولة، وإنما بدافع السيطرة من النموذج القبلي، ذاك النموذج المتعارف في السيطرة للقوي بين مجتمع القبائل قبل محمد، والدولة الحقيقية أنشأت على يد الخليفة الأول، ابن ابي قحافة، و استكملها ابن الخطاب، و تتابع الحال حتى وصل التاريخ إلى ما معروف بالنسبة للجميع، ومن يراجع النصوص الاسلامية من قرآن وحديث، يرى أنه لا يوجد ما يدعو أو يؤسس لتشكيل دولة، وإنما هناك وحدة حال مع اليهود في هذا المجال، في السيطرة وقتل المخالفين واستعبادهم، وما نراه اليوم هو ما حدث مع الأديان السابقة، توظيف الإسلام لكي يكون دولة ويحكم باسمه، وهو مصيبتنا الكبرى هذه الأيام، والسبب الأول في نهر الدم الذي يجري دونما انقطاع. إذا من جديد، توظيف لدين من أجل السيطرة والتسلط ونشر الاستبداد.
مما سبق نجد أن الأديان على مر تاريخها ونشأتها، كانت نقطة استغلال واضحة لنشأة حكم استبدادي ليتسلط على الآخرين، وأنا هنا لا أتحدث من باب الدفاع عن دين ما واتهام آخر، إلا أننا راينا أن البشرية دأبت على استغلال الدين كنقطة لتثبيت الحكم والتسلط، دون أن تكون هي نفسها مهتمة بالدين، والسبب الأساسي في كون الدين أكثر النقاط استغلالا في هذا المجال، هي قدسيتها والخرافات التي تحتويها، لأن الانسان الذي سيعارض هذه الأفكار، لن يكون بمواجهة فرد أو شيء من الأرض، بل سيقف في وجه السماء، وهو ما يصعب المهمة كثيرا، في ظل وفرة المكممين فكريا بهذه المقدسات والخرافات، وكما تعلمون، عقوبة من يقف في وجه السماء، مختلفة تماما عن أي عقوبة أخرى.
وحديثا تم التحول إلى أنظمة أخرى شمولية، لا تختلف عن الأديان سوى بأنها لا تدعي سماوية مصدرها، وأهم مظاهرها الحكم الشيوعي الذي يحد حريات الجميع، إضافة إلى نماذج مثل كوريا الشمالية، التي يدعي رئيسها عدم تبني الدولة لأي ديانة، وهذا صحيح شكليا، إلا أنها تقدس أشياء أخرى، تقدس عائلة (كيم)، وكأن المشكلة لدينا هي في مصدر المقدس، سماويا كان أم أرضيا، وليست في فكرة التقديس نفسها.
في النهاية، نرى أن الشيء المشترك بين الأنظمة الشمولية ذات المرجعية الأرضية، والأنظمة الشمولية ذات المرجعية السماوية، هو تقييد حرية الانسان، و تقييده والتحكم في أسلوب تفكيره وحياته، وهذا من شأنه أن يحد من طاقات الإنسان الفكرية، ويؤخره عن قطار التطور، وكل تلك الأنظمة تعلم أن مجرد تمتع الإنسان بحريته وحقوقه الكامنة، سيجعل من المجتمعات أعاصير هائجة، لا يستطيع أعتى الاستبداديين والسلاطين أن يقف في وجهها، وبالتالي سيتلاشى كل أمل في الالتصاق بكراسي الحكم، من هنا ندعو نحن كعلمانيين أحرار ولادينيين، إلى الوقوف في وجه الخرافات السماوية، والمقدسات الأرضية أو السماوية، ومنعها من أن توظف لخدمة المتسلطين، كي نتحول إلى دولة علمانية تحكم بالعدالة والمساواة على أسس الإنسانية البحتة، دون مرجعيات سماوية أو أرضية.
ودمتم بخير.