عن ذلك الحصير في القصر الجمهوري

عبدالرزاق دحنون
2018 / 11 / 9

(من يقتل الناس ظلماً وعدواناً, ويذق بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشردهم ويقتلهم, فمن المحتم أن ينتهي به الأمر إلى ان يصبح طاغية, و يتحوّل إلى ذئب بشري)
أفلاطون في جمهوريته
1
الحصير سُمي بذلك لامتناعه عن الأعين. قال تعالى: وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا, وسميت جهنم حصيرا لمنعها من فيها من الخروج. فالحاكم يحصر حاله ضمن نطاق ضيق فيسمى حصيرا. قال الشاعر:
وقماقم غلب الرقاب كأنهم
جند لدى باب الحصير قيام
و في عصرنا الحديث نادراً ما نجد الحاكم يخرج إلى الناس دون حرس وأمن بل نراه محاصراً من كل جانب, وكأن بينه وبين الرعية ثأراُ متروكاً. والسؤال ما الذي يمنع الحاكم من التحرك بحرية بحيث ينزل إلى الشارع متى شاء ويقابل الناس ويدخل بيوتهم في أي وقت يريد؟ يروي الطبري في تاريخه أن عمر بن الخطاب صادف في تجواله الليلي أرملة تطبخ الماء, فيسألها عن السبب, فتخبره أنها تُسكت به جوع أولادها حتى يناموا. ثم تستطرد الأرملة قائلة: الله بيننا وبين عمر. فيعترض عليها موضحاً أن عمر لا يدري بهم. فتجيبه: يتولى أمرنا ويغفل عنا. ويضيف الطبري أنها كانت تقول له وهو يساعدها في طبخ الدقيق بعد أن أحضره لها: جزاك الله خيراً أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين. تقصد أنت أحق بالخلافة منه, وعدم علم الحاكم بأحوال الناس لا تعفيه من حقوقهم عنده. والحكاية بهذا التفصيل تحتمل الشك, لصعوبة تصديق كيف أن امرأة بسيطة تفهم مهمة السلطة على هذا النحو الذي لا يتيسر في الوقت الحاضر للكثير من المثقفين والسياسيين. ولكننا نقول إن صحة الوعي لا تتعلق بثقافة الفرد بقدر ما تتعلق بتجربة الحياة اليومية, فالحكمة الشعبية تنطق بها أفواه العامة. فانظر إلى المثل السومري وهو يغمز من قناة أهل السياسة: المدينة التي لا توجد فيها كلاب حراسة يحكمها ابن آوى.
2
السؤال: كيف نشأت هذه الجفوة بين الحاكم والمحكوم؟ وهل الحاكم المؤتمن على رقاب العباد يتصرف وفق أهواء السلطة أم وفق مصالح الخلق الذين هو راعيهم والمسؤول أمامهم وأمام الله عن أحوالهم و أموالهم وأعراضهم وحياتهم؟ مع العلم أن الحاكم يستمد سلطته من الجماهير الغفيرة التي يحكمها وهو ملزم بتحقيق رغباتها لا رغباته وهو المسؤول عن معيشة رعاياه. بل وأكثر من ذلك قد يُسمي حاكم البلاد أجيراً، فقد روى هادي العلوي –طيَّب الله ثراه- في دراسة له عن فيلسوف المعرة هذه الواقعة:
في رواية ترجع إلى صدر الإسلام عن تابعي يدعى أبو مسلم الخولاني، من أهل اليمن, دخل على خليفة أموي, فخاطبه بعبارة: أيها الأجير. ولما استنكرها الخليفة بيَّن له: نعم أنت أجير استأجرك رب هذا الأغنام لرعايتها. وفيلسوف المعرة يتحدث عن علاقة الإيجار التي تربط الحاكم بحكمه, فيهاجم الحكام لظلمهم الرعية, وإهمال مصالحها رغم أنهم أجراء لها:
ملَّ المقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
فعدوا مصالحها وهم أجراؤها
وإذا كان الحاكم أجيراً عند الناس فمن حقهم خلعه عندما يخل بشروط العقد الذي أبرمه معهم. و هناك قاعدة فكرية خطيرة ترجع إلى كونفوشيوس وتوسع فيها أهل الفكر في الحضارة الإسلامية تقول: إن أخلاق الناس تتبع سلوك الحاكم, فإن كان عادلاً مستقيماً عدلوا واستقاموا وإن جار وسرق جاروا وسرقوا. وقد قال سقراط في معرض رده على أفلاطون: إن إي رجل دولة مسؤول يستوجب القصاص منه والحكم عليه بالفعل؛ لأنه ترك القطيع البشري الذي يرعاه أكثر شراسة مما كان عليه حين تولى أمره.
3
من هُنا يرى هادي العلوي أن سر الأسرار في السياسة العرجاء للحاكم يكمن في انه يريد التفكير والعمل نيابة عن جميع الخلق. وما أن يقعد ذلك الحصير في القصر الجمهوري حتى يكتسب صفات القدسية ويتحرك على قاعدة "كن فيكون" ويمكن التوصل من الاستقراء الميداني لتجارب الحكّام أن القصور العقلي ملازماً لهم. وأن ما يُصيب للبلاد والعباد من كوارث هو في بعض أسبابه من نواتج هذا القصور العقلي للحكّام -ولنا في زين العابدين بن علي و معمر القذافي وصدام حسين وعلي عبد الله صالح وعبد الفتاح السيسي وجعفر النميري وعمر البشير وحسني مبارك وأنور السادات ومحمد سياد بري وحديثاً عبدالفتاح السيسي وذلك "الحصير في القصر الجمهوري" عبرة حسنة, ولا حولة ولا قوة إلا بالله, فإن الفعل الكارثي للسلطة يأتي في المقام الأول من نذالة حُكّامها ولصوصيتهم وانحرافهم الأخلاقي وخساسة رغباتهم, وبالجملة من صغر نفوسهم.
ولكن يا هادي ما تفسير ذلك؟
عندي أن نفس الحاكم يجتمع فيها من الشر ما "تفرق" في نفوس الأفراد وتفسيره أن وجوده في السلطة يجعله قادراً على استيفاء صفات الشر والفساد بسبب زوال الرادع الذي يجعل الفرد العادي يخاف من التهمة والحساب إذا اجتمعت فيه هذه الصفات. وخوف الفرد العادي يكون من الناس والسلطة القضائية, والحاكم لا يخاف منهما. ومن المعتاد ان يتصرف الحاكم بوصفه قوة ردع ضد المخالفات القانونية والأخلاقية مما يتيح له الانفراد بالشر والعدوان لكونه آمراً لا مأموراً. وتدل التجارب على أن هذه الصفة مرافقة للحاكم العسكري بشكل دائم-الحمد لله حُكّامنا عسكر- ومن ينظر في تكوين شخصية ذلك الحصير في القصر الجمهوري ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة يجد خواء يسده البطش. فقيرة وصغيرة هي نفس الحاكم التي تبطش بالبلاد والعباد بطش الصبيان. فقيرة يا- أبا العلاء المعري- هي تلك النفوس التي لا تُخفف الوطء لأنها لا تدري أن أديم الأرض هي من هذه الأجساد.