فشل منظومة التعليم في العالم العربي

الشهيد كسيلة
2018 / 11 / 9

وضْع التعليم في الجزائر ينذر بالكثير من الكوارث فبعد عشرية الحرب الأهلية التي لا تزال تداعياتها قائمة لا يبدو أن الجهات الرسمية قد أخذت العبرة من سياساتها المتغافلة أو غير المكترثة بما يحدث في أكثر القطاعات حساسية وهو قطاع التربية والتعليم .
النظام عندنا كذلك الأب التقليدي الذي يودع ابنه في الزاوية ويتركه هناك في ثقة تامة من انه سيتلقى أحسن تنشئة لعل ذلك كان في مراحل سابقة كان فيها التعليم بسيطا يرتكز على تحفيظ القرءان وشيء من اللغة العربية في مجتمع ريفي زراعي .
في العصر الحديث ، الأمر اختلف لكن عندما تكون القيادات "العليا" تعيش حالات غريبة من السذاجة وعدم الاكتراث لا ريب أن الكارثة ستكون بحجم الغفلة التي رانت على العقول وإلا كيف تسلّم الأنظمة الانقلابية قطاعا حساسا مثل قطاع التربية والتعليم لكهنوت الإسلام السياسي في طول العالم العربي وعرضه فتسقط كتابات طه حسين وسلامة موسى وجبران خليل جبران وباقي نخبة التنوير لتطفو على السطح فقاعات الشراذم الكهنوتية ، والذي أستغرب له هو السكوت شبه المطبق عما يجري في المدارس والجامعات التي تحولت إلى تكايا وزوايا وكيف أن تنابلة المشايخ أصبحوا هم القيادات الفكرية التي سلمت لها الأنظمة جموع وجماهير عامّة الشعب ومنحتها ملايين المنابر والمقرات (المساجد) ويومي الخميس والجمعة مدفوعي الأجر للترويج لخطابها الظلامي المغرر بالبسطاء .
الأخطر من هذا كله هو تسليم المقررات والمناهج لكهنوت الإسلام السياسي والعروبة السياسية وهما وجهان لعملة واحدة وتحويل سلك التعليم إلى جهاز اكليروس يمارس التفتيش في الضمائر ويحاكم مخالفيه ويؤطّر ميليشياته ويستجمع قواه للانقضاض على آخر ما تبقى له وهو إسقاط رأس النظام الفصل الأخير من مشروعه الظلامي الاستبدادي الكهنوتي .
الخطوة الأخرى الأخطر هي القضاء على اللغات الحية ورفع شعار "العربية لغة أهل الجنة" بل إن أحد الظلاميين أفتى بأن تعلم اللغات الحية يفتن المسلمين ويفتح باب "الكفر" وهكذا نشاهد في الجزائر حملة شرسة لإماتة اللغات الحية ، في بلاد كانت له نخبة حداثة متمكنة من إحدى اللغات الحية العالمية ، وهو ما كان يثير حسد القريب والبعيد وقد تعاونت العروبة السياسية العفلقية مع حليفها الإسلام السياسي الكهنوتي وها نحن نرى جيلا لا يتحكم في أي لغة وسيطرت أسلمة العلوم وأصبح كل المعلمين والأساتذة مشايخ وأصبح تدريس الأحياء دعوة إلى التحلي بإيمان العجائز وتحول درس المجموعات في الرياضيات إلى مجموعة أبو بكر الصديق ومجموعة عمر بن الخطاب وتحول التاريخ إلى تقديس الغزو الأموي وتمجيد السفاحين وتسويغ الاسترقاق وملك اليمين ...
تحولت المدارس إلى "أربطة" لتكوين مناضلين منافحين عن خطاب تغريري ضلالي كهنوتي خارج العصر واستشيخ الشباب وحبست الأنثى في قمقم اللباس "الشرعي" وأصبح الجمال جرما يستوجب الإعدام وحرية الفكر زندقة تطير لها الرؤوس وتحولت أفواج شباب الجامعات إلى قطعان يقودها ملتحون متكرشون حتى صاروا بلا رقبة "محفلطون مزفلطون" على قول المرحوم أحمد فؤاد نجم .
الدليل على أن منظومة التعليم فشلت هو أن الإفلات منها والاعتماد على العصامية يمكن أن تكون له نتائج واعدة ، جاءتني هذه الفكرة بعد متابعتي لشيء من مسار "روائي" ناشئ اسمه على صفحات الفيسبوك "جلال حيدر" غادرمقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية ، فقد وجدت في كتاباته تحكما في "صناعة" نص أدبي رفيع بلاغيا وفنيا وفيه تمرّد واضح على القوالب الفكرية الجاهزة وواضح أن قراءاته الحرة قد حررته من قمقم الأسلمة لأنه نجا من دكتاتورية وتوجيه المعلم الرسمي راعي المقررات والمناهج الرسمية التي هي في الواقع من صنع الزمر الكهنوتية .