المساء الصوفي

بديع الآلوسي
2018 / 11 / 8

في الريف بيت أهلي ، أهلي الفرنسيون أو من أنتسبت لهم منذ ربع قرن . بيت شيد في بداية القرن الماضي ، حين كان القتلة يلهون بحروب كونية .. غرفتي في الطابق الأعلى ، بسرير كبير ، وأرضية ببلاط هندسي ، ورفوف من خشب الزان وضعت عليها طناجر من نحاس وأواني فخارية . عند العشاء في بهو الاستقبال نجتمع ونتحدث عن أمجاد ومغامرات قديمة وكذلك عن القديسين والآلهة التي بعيون زرقاء .
ولكني قبل العشاء أهرب إلى حقول الكروم الخريفية ، هنالك أعيد تنظيم حواسي واحاول خلق فراغ في ذهني ، هنالك أتذكر ترف طفولتي ، وأصرخ بوجه الوحش الكاسر الذي يريد ان يسلب حريتي . لم أكن شخصا ً جديا ً طيلة حياتي ، كنت أرى الحرية في تدافع الغيوم ، وفي تفجر الماء من اعالي الجبل ، وفي شوق العشاق المصابين بالحب الاذع . أنا الأن ، أكثر حرية بين الحقول التي تستعد لمواجهة الشتاء الذي يعاقب كل الكائنات . حين أصلُ إلى الأراضي الجرداء التي بلا نهاية ، أعجل الخطى ، وأركض أحيانا ، مرددا ً اغنية تمجد خلود الروح ، وأحيانا ً كالملدوغ اندهش ما أن أحس ان وجودي على هذه الأرض حالة مؤقته .
في الحقول الصفراء ، عرائش الكروم بلا سياج يحاصرها ، التفت رأيته يركض حولي قلت له : ماذا تفعل هنا أيها الكلب الأبلق ؟
أتذكر جيدا وجهه ، كانت تطوق رقبته سلسله تتدلى منها مدالية فضية، كان الشعرالكثيف يغطي عينية ، ثلاثون دقيقة لم نفترق ، كان يبتعد ويعود ، كأنه يريد ان أساعده بالرجوع إلى أهله .. لم انتبه كيف غاب عن نظري ، أختفي كما تختفي أشياء جميلة كثيرة في حياتنا دون ان ننتبه .
حقول الكروم تنعم بحياة مثالية ، لكنها اليوم ترزح تحت كآبة السكون القاتلة . هذه المرة .. المرة الوحيدة التي رأيت الريف الفرنسي يصغي لي ، لذلك اطلت الثرثرة معه عن المخلوقات الملائكية التي اثرت في حياتي ، وعن الهزائم التي تركت وشما ً كجرح غائر في وعيي .
إله المساء يترك على الحقول جزءا ً من روحة كطائر جنائزي ، في طريق العودة . تيقنت من ان جولتي دون غاية ، لكنها بهدف صغير هو : ان رياضة المشي تطيل العمر . وحين طالني التعب ، وقبل ان يهبط الليل وتنطفيء سعادتي ، وقبل ان تعصر الغيوم ماءها ، وقبل ان يبللني الشجن . عدت الى بيت أهلي الفرنسيين ، ما أن وصلت أمام الفرن حتى شعرت ان الأخطاء الصغيرة تخلق المآسي وتزهق أرواحنا ، تسللت الى الطابق العلوي ، طاردا عن ذهني ان في حقل الكروم بكيت بغزارة ، مرددا ً مع نفسي : الأفضل حين نموت أن ندفن معنا حماقاتنا وخيباتنا ...