لماذا الإرهاب في أوروبا ؟؟

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 10 / 26

لماذا تُرى الإرهاب في أوروبا ؟
لماذا تُرى تتفاقم ظاهرة الإرهاب اليوم في بلدان أوروبا أكثر منها في غيرها من البلدان؟ هل لأنّ أوروبا تستقبل منذ مدّة طويلة أكثر من غيرها المهاجرين من البلدان الإسلاميّة؟ وهل هي حقيقة أنّ الإسلام وحده مصدر للإرهاب كما يدّعون؟ أوليس هناك أسباب أخرى ذات فاعليّة هامّة في هذه الظاهرة الخطيرة غير دينيّة ؟
للإجابة عن كلّ هذه الأسئلة لا بدّ من الكشف ولو بصورة مُجملة عن طبيعة كلّ من المجتمع الغربي والمجتمع الإسلامي ومحاولة تحليل شخصيّة كلّ من الإنسان الغربي في ظروفه الحالية والإنسان المسلم المهاجر إليه في الظروف الحالية أيضا عسانا نتعرّف على ما قد تكون الأسباب والدّواعي الحقيقيّة للتوجّه إلى مثل هذا التصرّف الغريب في هذا الزمن ذاته والتعرّف ما أمكن على أبعاد هذه الظّاهرة التي هي في الحقيقة بمثابة تصادم مباشر بين إنسان الجنوب المهاجر إلى أوروبا في طلب الرّزق والمتحوّل هكذا إلى إجرامي أو إرهابي ضدّ صاحب البلد المضيف لا لشيء – في الظّاهر- إلاّ لأنّه غير مسلم مثله ومخالف له في العقيدة وهذا غير معقول لا منطقيا ولا أخلاقيا إلا إذا كان له ما يبرره وربّما يصحّ فيه قول الشّاعر:
«إن أنت أكرمت الكريم ملكته  وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّد»،
أم أنّ الأمر هنا لا يتعلّق بكرم الأصل ولا بلؤمه بل بأمور أخرى يصعب علينا إدراكها بسهولة ما لم نبحث بجدية عن أسبابها ؟
المجتمع الغربي قد استقرّ به الحال منذ نهاية الثّورة الأوروبية على الأخذ بأسباب العلم والمعرفة في حياته وعمل منذ ذلك الوقت أيضا على فصل الدّين عن الدّولة في السّياسة وفي الحياة الاجتماعية، بحيث لم يعد الدّين إلاّ ظاهرة شخصيّة بين الإنسان ومعتقده أو ما يؤمن به ولم يعد للدّولة شأن به كما كان قبل تلك الثّورة وبفضل ذلك تمكن من قطع أشواط بعيدة من التقدم في جميع المجالات الحيوية في التربية والتكوين وكسب المعرفة العلمية ما جعله يحقق طفرة نوعية في الصناعات والتكنولوجيات والحياة الاجتماعية وصار يطمع في التوسع عن طريق الاستعمار في مختلف بلدان العالم . أمّا المجتمع العربي والإسلامي بصفة عامّة فهو في أغلبه لا يزال يخلط بين الدّين والدّولة وليس لأفراده حرّية المعتقد وإنّما هم على آثار آبائهم مقتدون ولا حول ولا قوّة لهم في الخروج عن ذلك إلى الأبد إلاّ «من رحم ربّك وكان من الآبقين أو"المتزندقين» كما يٌتّهمون أو من " العلمانيين " المكروهين ، ومادام هؤلاء لا يزالون يعتقدون بأنّ الدّين (كلّه) عند الله الإسلام كما يذكرون وليس هناك في هذه الدنيا كلها أيّ دين آخر غيره له الحق في أن يكون فهم إذن لا يكتفون بذلك لأنفسهم فقط بل يعتقدون أنّ كلّ من ليس مسلما مثلهم فهو" كافر" وواجب لذلك قتاله إذا لم نقل قتله. وما دام أغلب المهاجرين من هذا النّوع من المسلمين الحاملين لهذا الإرث من العقلية المتعصّبة لدين واحد، فهم إذن مشحونون بنعرة الجهاد في سبيل الله أيضا كشعيرة دينية يجب العمل بها دائما في أيّ مكان يوجدون فيه وفي أي زمان ولو بطرق مختلفة. هذا وأنّ رحلتهم إلى أوروبا قد زادت في تعقيد تركيبتهم الفكريّة والعقائديّة هذه خصوصا منهم هؤلاء الذين قدموا إليها وكانوا غير مزودين بلغتها التّي هي في العادة ما يُسهّل عليهم اندماجهم فيها فيضطرّون إذن إلى الاكتفاء بما لديهم من الموروث من ثقافتهم وهكذا قد يتوقّف نموّهم في حدود ما جاؤوا به من بلدانهم فيصبحوا محافظين أكثر من غيرهم من الذّين تركوهم في أوطانهم خوفا منهم على أنفسهم من أن يضيع منهم موروثهم ذاك ولا يحصلون على شيء يعوّلون عليه من محيطهم الجديد ، ويكاد يصير ذلك الموروث من ثقافتهم من ضمن المقدّسات عندهم يدافعون عنه بشدّة ويعتقدون أيضا أنّ من واجب غيرهم أن يكونوا مثلهم ويدخلوا في عقيدتهم. ومن مثل هؤلاء يمكن للحركات السياسيّة ذات المرجعيّة الدينية هذه أن تستقطب عناصر الإرهاب في خدمة وتنفيذ أهدافها.
وإضافة إلى ذلك يمكن الإشارة إلى أمر مهمّ جدّا يكون مساعدا على تنفيذ خططهم هو ما آل إليه المجتمع الغربي في الحقبة الأخيرة من تاريخه من تكالب على المادّة وتماه معها إلى درجة كبيرة جدّا أبعدتهم كثيرا عن روحانياتهم وجعلتهم مهمّشين هم أيضا، وربّما أكثر من غيرهم في حياتهم ولم يعد أغلبهم في حاجة إلى" ساعات " لضبط نشاطاتهم وجداول أوقاتهم ، بل هم قد صاروا في حاجة أكثر إلى " بوصلات " لمساعدتهم على تحديد أهدافهم وغاياتهم وهكذا قد صار من السهل انقيادُهم وانجذابُهم إلى غيرهم كما جعلت أغلب الشباب منهم يشعرون بفراغ روحي يصعب ملؤه بسهولة، الأمر الذي يسهّل على بعض المثقّفين من هؤلاء المهاجرين الناشطين في تلك الحركات السياسية المتطرفة أن يجلبوا الكثير من هؤلاء الشباب إلى جانبهم ويشحنوهم بثقافتهم تلك ويوقعوهم في شراكهم ويجعلوهم متحمّسين مثلهم للهجوم على غيرهم وإلحاق الضرر بهم إذا لم يخضعوا لمشيئتهم خصوصا إذا كان هؤلاء من الجهلة أو من المقموعين اجتماعيا أوالغوغائيين وبالخصوص من هؤلاء المعطّلين عن العمل الذين لم ينالوا نصيبهم من الدنيا في أوروبا مثل غيرهم من الأوروبيين الأصليين ووجّدوا لدى هؤلاء ما يُلبّي حاجتهم إلى شيء من الرّفاه الذي طالما حُرموا منه في بلادهم وبالخصوص منهم هؤلاء الذّين هم من أصول شرقيّة أو عربية أـو إفريقية والذين يحسون بأنهم منبوذين وغير مرغوب فيهم دائما ...
والمهمّ في كلّ هذا هو ما يُضمره أغلب هؤلاء المهاجرين من عداوة قديمة للغرب الأوروبي بسبب كفره وعدم إسلامه أولا – كما هو في اعتقادهم - ولاستعماره لهم في الحقبة الأخيرة من تاريخهم خصوصا عندما يتذكرون المذابح الفظيعة التي قام بها هذا الاستعمار في فياتنام وفي شمال إفريقيا وبالخصوص ( في الجزائر ) وفي غيرها من البلدان قديما وحديثا،وللذكر فقط وليس للحصر نشير هنا إلى ما كان لفرنسا فقط من الاستعمار الأوروبي إضافة إلى ما كان لها من المستعمرات في الأمريكيتين وجزر الكاريبي هذه مستعمراتها في ما صار يعرف لاحقا بالعالم الثالث:
__ شمال إفريقيا كله
__ جنوب الصحراء الكبرى
__ إفريقيا الاستوائية
__ غرب إفريقيا
__ وبلدان المحيط الهندي _ والشرق الأوسط أيضا : سوريا ولبنان وخطاي .
هذا كما هو مسجل في الانترنات اعتمادا على البوابة الفرنسية وبوابة اللغة الفرنسية والفرنكفونية .مع العلم أنه كان لهذا الاستعمار من القتلى فقط بالملايين دونما احتساب ما خلفه في تلك المستعمرات من دمار وخراب لا ينسى أبدا :
- ضحايا الاستعمار الفرنسي بفياتنام ومستعمراته الأخرى يُعد بمآت الآلاف
- وضحايا الجزائر وحدها في كامل مدة الاستعمار لها أكثر من 9 ملايين نسمة
- ضحايا التدخل الأمريكي في فياتنام وحدها أكثر من 4 ملايين نسمة دونما الحديث عن ضحاياه في المدة الأخيرة في فلسطين وافغانستان والعراق والمنطقة العربية بكاملها ...
فما لم ينتبه الغربُ الأوروبي والأمريكان إلى فظاعة ما قاموا به وما لا يزالون يقومون به من الجرائم ضد الإنسانية وبالخصوص ضد تلك الشعوب ولم يتقدموا إليها باعتذاراتهم ولم يُبدوا بعدُ استعدادهم لتدارك أخطائهم وللتعامل معها بالحسنى وبكامل الندية وبالروح الإنسانية اللازمة فإن الصدام معهم ، مع تلك الشعوب سوف لن يتوقف أبدا وإن كل إرهاب يتولد عنه إرهاب ما لم نعجّل بتدارك الخطأ والاعتذار عنه وإبداء الرغبة في التسامح والتعاون الأخوي النافع والمجدي ...
هذا وإن المعروف عن هؤلاء القادمين إلى أوروبا في المدة الأخيرة أنه في أغلبهم يحملون اعتقادا راسخا ودّائما في إمكانية استرجاع " الخلافة" في الحكم كقوّة مركزية لهم يستعيدون بها مجدهم القديم وينتقمون بها من أعدائهم ( الكفار في نظرهم ) أو( المجرمون في حقهم ) رغم أن ذلك في الحقيقة ما هو إلاّ وهم من الأوهام المزمنة التي لا يزالون يتوارثونها دائما ولا يمكن أن تتحقق لهم أبدا لأنه ليس حقا بأن التاريخ يعيد نفسه كما يتردد بين الناس دائما ولكنه وهم قد يهددون به عالم اليوم ويصنعون به إرهابا ضد أنفسهم وضد غيرهم ما لم يجدوا حلولا أخرى لمشاكلهم التفسية- الاجتماعية مناسبة لهم ولغيرهم تشعرهم بالاطمئنان على حاضرهم ومستقبلهم .