رواية الراحل حميد العقابي - المرآة - تنقل الواقع بلغة أدبية جميلة

علي المسعود
2018 / 10 / 12

رواية الراحل حميد العقابي " المرآة " تنقل الواقع بلغة أدبية جميلة

علي المسعود

(ماارحم المنفى ...ماأقصى الوطن ) ص114
ترى هل هذه هي صرخة الكاتب الراحل حميد العقابي ام هي صرخة (سامي عبد الحسين كاظم ) بطل روايته " المرآة :الصادرة عن ( دار ميزوبوتاميا )؟. الراحل حميد العقابي الكاتب و الشاعرو الذي ظل مسكونا بالوطن , هو شاعر وقاص وروائي عراقي، ولد في مدينة الكوت في العراق في 1956، رحل عن العراق في 1982، تعرض للأسر في إيران ثم عاش في سوريا وبعدها أقام في الدنمارك منذ 1985. كتب “حميد العقابي” الشعر والقصة القصيرة والرواية وله حوالي عشرون عملا إبداعيا، لكنه كان يعاني من صعوبة النشر، ومن قلة انتشار أعماله في البلدان العربية مثل معظم الكتاب العراقيين، ورغم ذلك كان بارعا في أدبه واستمر يكتب حتى فاجأه الموت بسكتة قلبيه في منفاه بالدنمارك . توفي” حميد العقابي” في مدينة (فايله) الدنماركية بتاريخ 4 أبريل عام 2017 .
عند قراءتي لسيرته الذاتية وجدت الكثير منها مشتركا مع سيرة حياة سامي عيداكاظم في رواية ( المرأة) و بالتحديد رحلة الفرار من الحرب و الدكتاتور , “ففي عام 1982 هرب الشاعرو الروائي ( حميد العقابي ) من العراق مشياً على الأقدام إلى إيران عبر جبال كردستان. في إيران وعاشُ ثلاث سنوات في معسكرات اللجوء التي لم تكن تختلف عن أبشع المعتقلات. خلال هذه المدة حاول الهرب مشياً إلى أفغانستان وتم القبض علي من قبل (المجاهدين) ثم تم تسليمه إلى الشرطة الإيرانية ليلقى به في سجن داخل سجن، حتى استطاع السفر إلى دمشق بعد أن قام أحد الأصدقاء بعمل دعوة له. بقي في دمشق ستة أشهر، كانت هناك معاناة تختلف عن المعاناة السابقة حيث عاش فيها الجوع الحقيقي والتشرد والنوم على الأرصفة، لحين وصوله بما يشبه المعجزة إلى الدنمارك. الكاتب الراحل حميد العقابي في إحدى حواراته ( في حوار اجراه عبدالواحد مفتاح ونشر في صحيفة دنيا الوطن الفلسطينية ) تحدث عن العراق وأزماته تحدث قائلا :
“العراق، الحرب، صدام حسين.. هذه المفردات اللعينة هي التي شكّلت تفاصيل حياتي ولم أستطع التخلص منها. تصور.. أنا أقيم خارج العراق منذ 31 سنة ولكني مازلت أحلم كل ليلة (تقريباً) بأني عائد إلى العراق وشرطة صدام السرية تطاردني في الشوارع وأنا أركض.. أركض والقذائف تسقط بين ساقيّ، وحينما استيقظ أحمد القدر على أني أعيش بعيداً عن موتي بآلاف الأميال، حتى وإن كان مكان إقامتي موحشا *1.
في رواية ( المرآة ) استخدم الروائي اسلوب الفلاش باك في سرد حكاية البطل ( سامي عبد الحسين كاظم ) في رحلته في هذه الحياة ,وتبدأ الرواية من لحظة القاء القبض علية من قبل الشرطة الدانماركية بعد ارتكابه جريمة قتل ابنته ( روز ) التي تمردت عليهم وخرجت عن العادات و التقاليد. وخلال رحلة الطريق التي تفصل مابين مدينة كوبنهاكن و مدينة هورسنس حيث يقع السجن المركزي الذي سيقضي بقية عمره ومن خلال تلك الثلاث ساعات يدرور شريط السينما – السردي لحكاية (سامي عبد الحسين كاظم ). سامي الذي كان نجما ساطعا وسط حلقة الرفاق في المرحلة الجامعية ويستذكر الكاتب السفرة الجامعية و التي قام بها الحزب الشيوعي العراقي بمناسبة العيد الحادي والاربعين لميلاده وكيف كانت الانظار مشدودة اليه وهو يقرأ مقاطع من قصيدة ( لينين ) لمايكوفسكي " وكانت نظرات الاعجاب تلمع في عيون الرفيقات , والحسد يأكل قلوب الرفاق الذين اصبحوا متفرجين خارج مضمار إبراز العصلات الثفافية " ص 11 . وفي عام 1975 بالتحديد وهوعام المراة العالمي وكان موضوع حرية المراة و المساواة وقانون الاحوال الشخصية هو محور احاديث طلبة الجامعات فقد كان للطالب ( سامي كاظم ) صولات وأراء نالت اعجاب الرفيقات , رغم ان " تلك الاراء لايضيق بها محيط العراق فحسب . بل أكثر المجتمعات ألاوربية تحضرأ"ص 12 . ومنها انجذبت اليه سهاد وبعدها تطورت العلاقة الى الزواج فيما بعد , وبعد الهجمة الشرطة لجلاوزة البعث الفاشي يتعرض سامي الى الاعتقال ويقع في قبضتهم ومدة سبعة أيام كانت كافية كي يرفع سامي الراية البضاء و يدلي باعترافه بكل مايعرفة عن رفاقه في الحزب .خرج من دائرة الامن العامة مكسورا ومهزوما . وكان والد سهاد رجلا منفتحا وشيوعي قديم وسجن عدة مرات حتى وصل الى احداها الى الاعدام بعد انقلاب 1963وبعدها ابتعد عن الحزب اعتراضا على تحالف الحزب مع اعداء الامس !. توطدت العلاقة مع سهاد واهلها وكان يقتنص الفرصة لزيارة سهاد الى البيت حين يهرب من معسكر المحمودية القريب من بغداد ليقضي ساعات معها ثم يعود ليلا الى المعسكر . وتمت خطوبة سهاد وسامي بعد اسبوعين من تسريحه من الجيش رغم اعتراض والد سهاد على السرعة التي تمت فيها الخطوبة متحججا بانه لم يزل غير مؤهل لفتح بيت وإعالة أسرة وعلى العكس من ام سهاد التي باركت هذه الخطوة. تم تعين سامي كمدرس لمادة اللغة الانكليزية في ثانوية في مدينةالعزيزية التي تقع في منتصف الطريق بين مدينتي بغداد و الكوت وفي سخرية يغني " صرت لاني لهلي ولا ني لحبيبي " ص42. لاه اهله من سكنة مدينة الكوت , وبعد اندلاع الحرب العراقية _ الايرانية عام 1980 تم استدعاءه الى خدمة الاحتياط وهذه المرة رمى به في اتون محرقة الحرب وفي جبهة المحمرة الساخنة. اقترحت عليه سهاد الهروب من الجبهة و الالتحاق بفصائل الانصار المسلحة في كردستان وبعد وصولهم الى اربيل قضى سامي وسهاد ليليتين في ضيافة الرفيقين وبعدها انطلقت بهما سيارة بيك اب شوفرليت حديثة باتجاه قلعة دزه عبر طريق اربيل – السليمانية بعد رحلة مضنية في الجبال . وكان سعيدا حين اخبره احد الرفاق في المقر بانهم سيوفرون له غرفة خاصة لكي يقضي ليلة من كل اسبوع مع زوجته لان الرفاق علموا بانهم جعلوا رحلة النضال شهر عسلهم . وكانت الصدمة جعلت سامي يترنح من الحمى حين اكتشف ان ( سهاد) لم تكن عذراء عند اول اتصال جنسي معها واخبرته ان ارتبطت بعلاقة مع "صارم " وهو جارهم ومدرس التاريخ الذي كان يعطيها دروس خصوصية قبل امتحانات البكالوريا والذي خدعها ( كنت مخدوعة به .. خدعني بثقافته وسعة اطلاعة ..كنت احسب كل شيوعي انسانا شريفا ..وكل شيوعي مخلصأ لمبادئه وأفكاره ) ص60 لكن صارم بعد ان حصل على غايته ترك سهاد وتزوج ابنة عمه وحجبها وهذه من جمال الرواية و صدق الكاتب في طرح مثل تلك الشخصيات المتنافضة و المهزوزة . بعد تلك الانتكاسة خاطبها (سامي ) بقراره الحازم –( لنترك كل شئ الماضي و الحزب والعراق ولنذهب الى ايران ومنها يمكننا السفر الى اوروبا ) ص 62..
وهذا ماحدث فبعد سير متواصل ليومين وصلوا احدى القرى الايرانية وتم حجزهم في معسكر في ظروف غاية في الصعوبة وبعد شراء جواز سفر مع التاشيرة وصلوا الى بلد الاغتراب الدانمارك حدث الكثير من التغيرات في شخصية سامي و سهاد وعلاقتهما وكذالك في بلد الاغتراب ولدت ابنته ( روز ) . وبعد ان كبرت راح تكيل التهم لوالديها بالتخلف و العجز في الاندماج بالمجتمع الدنماركي الذي وفر لهما حياة كريمة , لانهم متعلقين يخيط وهمهم عن وطن بعيد , وطن متخلف يصدر الى العالم شعبا يحمل كل عقده وهمجيته ( حسب وصف الابنة"روز" ( ص 152 ). وهذا التمرد للابنة (روز ) المستمر وتحديها لذويها بحجة ( انا ألان على مشارف العشرين من عمري ولم اعد طفلة , ولايحق للأحد التدخل في حياتي...وإلا ...) ص152. وبغرور مراهقة قالت : ( أنا لست عراقية.....ولا أريد مثلكما أعيش في دوامة الماضي ) ص 153 وينفجر هذا الصراع حين تصرخ الام حين تكتشف حبوب ملونة ( حبوب منع الحمل ) في حقيبتها وبتحد استفزازي تقف ( روز ) بوجه أمها ( سهاد ) لتؤكد لها بأنها تقيم علاقة مع زميل دانمركي وفي تلك اللحظة الرهيبة و المواجهة الخطيرة ارتكب سامي جريمته ويقوم بطعن أبنته (روز) . وفي أشارة أخيرة من الكاتب عن مصير سامي عبد الحسين كاظم يخبرنا بأنه ( بتاريخ التاسع من حزيران من العام الحالي توفي العراقي سامي عبد الحسين كاظم في مستشفى هورسنس حيث نقل اليها من السجن المركزي بعد اصابته بسرطان المخ ) ص160
الكاتب ( حميد العقابي) في هذه الرواية ينطلق من الواقع في اتجاه الفكروالسلوك الانساني ويعود مرة أخرى إلى الواقع مستغلا في ذلك تقنية اللغة التي توظف الكلمات المناسبة لخدمة التعابير والجمل للرواية المؤثثة لفضاء مثل هذه الأعمال الروائية الكبيرة وبالرغم من اهتمام الروائي الراحل ( حميد العقابي) بالأساليب الفنية و الجمالية،وقدرته على توليد أساليب السرد المختلفة . من جانب أخر , الرواية مرتبطة بشكل واضح وفاضح لواقع المهاجرين ومشاكلهم و معاتاتهم وطريقة أندماجهم مع المجتمع الجديد مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم التي تربى عليها وعلى سبيل المثال انحراف ( روز ). تلك الاحباطات والاسقاطات نتج منها افعال وردود أفعال عكست الحالة النفسية لسلوك وتصرفات شخوص الرواية. رواية تحكي آمالهم وآلامهم وخيباتهم وكذالك توثق مرحلة من مراحل الحركة الوطنية ونضالها ضد النظام البعثي الفاشي والديكتاتوري.
بلغة متذبذبة بين البياض الناصع والواضح في الطبيعة بتجلياتها، والسواد القاتم القابع في نفوس الشخصيات المشكلة للرواية،سواد يطفح على بياض الفطرة و الطبيعة التي جبل عليها الانسان. وهذه الاستعارة وهذه الانزياحات اللغوية التي تنحرف فيها الدلالة من معناها الحقيقي الى معاني أخرى تفهم في سياقها وفي إطار المنظومة التي قيلت فيها كما في النهاية ألماساوية و التي ألت عليه الاحداث و ذالك بمقتل ألابنة ( روز) على يد والدها ( سامي ) بعد أكتشاف علاقتها الغير شرعية بزميلها الدانماركي !!. شخصيات ( حميد العقابي) شخصيات متأزمة تعيش التشرذم و التشظي تتجاذبها الأحداث وتطوح بها في أماكن مختلفة عبر فضاءات الرواية. وفي الأخير يمكن أن نقول بأن الروائي عندما كان يسرد روايته " كانت عينه على الواقع وقلمه على الصيغة التي يعكس بها هذا الواقع المتردي والمتشظي .(اي وطن هذا ألخروج منه بهجة و العودة إاليه غمً؟)ص 113 .
في حوار أجراه السيد ( عمر الجفال ) مع الكاتب الراحل ( حميد العقابي ) نشر في صحيفة الصباح تحدث قائلا " أما ما كنت أطمح إليه هو كتابة سيرة ذاتية لا تتخلى عن الشروط الفنية محاولا رصد الواقع والتجربة بشكل غايته المتعة الفنية بصدق وبراءة " *2.
وفي رواية ( المرآة) نجح الكاتب في نقل الواقع بلغة أدبية جميلة، تميزت بقاموس خاص ميز أسلوب ( حميد العقابي ) وسطرت له خطا بارزا في مجال الكتابة الأدبية ،كتابة تعبر عن كيفية فهم الروائي المحترف بطريقة نقل هذا الواقع دون الوقوع في خطابات أخرى غير أدبية، كتابة تملي عليه كيفية استخراج المعاني و الدلالات و المقاطع الفنية و المشاهد المعبرة، رواية تحكي المكبوت في نفس البشر وتعبر عنه بلغة أدبية متزنة وجميلة، لغة تمتزج فيها الأزمنة بالأمكنة وكأن الزمان والمكان و اللغة شئ واحد.



علي المسعود

المملكة المتحدة


الهوامش :

*1- حوار اجراه عبدالواحد مفتاح ونشر في صحيفة دنيا الوطن الفلسطينية بتاريخ 04/08/2016

*2 -2-- الحوار مع الشاعر والروائي العراقي حميد العقابي المنشور في جريدة الصباح بتاريخ 20 – 1 – 2011