من إسلام أباد للقاهرة .. عاجل للنفاذ والتمكين

حمدى عبد العزيز
2018 / 10 / 12

الظهور الأول لشعار (الإسلام هو الحل )
_________________________

كتاب صغير أصدره خالد الزعفراني الذي كان مرشحاً فردياً عن تيار التأسلم السياسي الفاشي في الأسكندرية في انتخابات عام 1984 ، والتي دخلتها تيارات التأسلم السياسي ضمن قائمة الوفد الجديد

خطورة هذا الكتاب الذي صدر قبل الإنتخابات البرلمانية بشهور قليلة أنه لم يشكل فقط المانفستو الذي اجتمع تحت عنوانه تنوعات تيارات التأسلم السياسي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين ..

الكتاب موجود في مكتبتي من أكثر من ثلاثة عقود ولم أنتبه إليه إلا بعد عملية ترتيب واسعة قمت بها في شهر مارس الماضي ، وكان مهملاً وسط كومات من مجلات وأوراق من جرائد قديمة ..

علي صغر حجم هذا الكتاب ،إلا أنه حمل لي مفاجأة أنه يحتوي علي وثيقة علي غاية من الأهمية ..إلي جانب أن هذا الكتيب حمل عنواناً دفعت مصر فيمابعد ثمنه غالياً ، وكلفنا ذلك ضياع دماء وعرق الملايين التي انتفضت في 25 يناير 2011 ..

ولعل هذه الوثيقة في الغالب هي سبب صدور الكتاب أصلاً ، وهي عبارة عن دستور معد سلفاً كنموذج تلتزم بطرحه كل تيارات التأسلم السياسي في العالم ، وهو ملزم لما أسماه مصدروه لشعوب"الأمة الإسلامية" لدرجة أن المسموح بإضافته فقط هو وضع أسم الدولة في مساحة تركها صائغوه خصيصًا لذلك ..

النموذج أصدره المجلس الإسلامي العالمي المنعقد في إسلام آباد في 10 ديسمبر 1983 ..

أما عن مضمون هذا الكتاب ، ومواد الدستور (النموذج) الذي كان موجهاً من هذا المجلس العالمي إلينا للتنفيذ عبر هؤلاء النقلة الذين درجوا علي إزاحة العقل تماماً لحساب النقل .. حتي ولو كان هذا الدستور قد أعد لجبال تورا بورا ، ولقبائل الباشتوت أو البلوش في السلاسل الجبلية الممتدة مابين باكستان وأفغانستان ..

لافارق إذن - لديهم - بين تورا بورا ، وقندهار وبين القاهرة أو حتي الأسكندرية التي صدر من إحدي مطابعها هذا الكتاب


الكتاب الذي أصدره خالد الزعفراني بعنوان (الإسلام هو الحل) صدر عن دار القادسية للنشر والتوزيع ، وتقوم بتوزيعه مكتبة محطة ترام الأسكندرية شأنها شأن كثير من المكتبات المتناثرة التي كانت تديرها هذه الجماعات في ذلك الوقت في مدينة الأسكندرية قبلة النازحين من مختلف أقاليم مصر من شباب الجماعات الإسلامية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ، والتي كانت تشهد حركة تأسلم سلفي وسياسي عارمة ، في ذلك الوقت نظراً لأن جامعاتها كانت تستوعب الغالبية الساحقة من طلاب الجامعات في الوجه البحري ومنهم خالد الزعفراني القادم من إحدي قري مركز فوة التابع لمحافظة كفر الشيخ ، وهومؤلف هذا الكتاب أو بمعني أدق المكلف من قبل جماعات الفاشية المتأسلمة بإعداد مادة هذا الكتاب للطبع والنشر في توقيت يتناسب مع بدء الإنتخابات البرلمانية في مطلع صيف عام 1984 ، والكتاب بدون رقم إيداع أو ترقيم أو تاريخ يسمح لنا بمعرفة توقيت نشره ، إلا أن تضمينه في المتن لنص الدستور الذي أقره المجلس الإسلامي العالمي الذي انعقد في 10 ديسمبر 1984 ، وكذلك ظهور الشعار الإنتخابي الذي شكل عنوانا لهذا الكتاب (الإسلام هو الحل) كشعار لأول ظهور إنتخابي سياسي منظم لجماعة الإخوان المسلمين وجماعات التأسلم السياسي يجعلنا نجزم بأن هذا الكتاب قد صدر علي الأكثر في بدايات عام 1984 وليس قبل ذلك ..

الكتاب يبدأ في نصفه الأول والأقل أهمية من وجهة نظري بالحديث عن لماذا "الإسلام" هو الحل ؟
وبادئ ذي بدء علينا أن نعرف أن المقصود ب(الإسلام) هنا هو تلك القراءة التي اعتنقتها الجماعات والتيارات التي نظرت للدين الإسلامي علي أساس أنه وسيلة لانتزاع السلطة ونظام للحكم ، وطريقة حياة معينة للعيش في ظل هذا الحكم ، وعليه علينا أن نفرق بين مصطلح(إلإسلام) الديانة وبين إصطلاح شيوخ وعمائم وزعماء هذه الجماعات علي مر التاريخ لقراءتهم وتفسيرهم الذي يشكل إسلامهم هم ، وبما أنهم يريدون فرض رؤيتهم هذه علي الجميع فيطلقون عليها مسمي (الإسلام) ..
فالإسلام الوارد إذن في محتويات هذا الكتاب لاينصرف إلي الإسلام الذي يمثل دينا للملايين من البشر في أنحاء العالم ، وهذه بديهية جديرة بأن تصاحبنا طوال تأملنا لشعار الإسلام هو الحل ، ففي حقيقة الأمر هنا أن الحل المقدم ماهو إلا رؤية هذه الجماعات ..

يتحدث الكتاب عن ضرورة الحل الإسلامي كبديل من وجهة نظره للفشل الذي وصلت إليه مصر بعد سقوط الخلافة العثمانية ، وكأن شعبها قد واجه اليتم بعد ذلك .. فهي قد طبقت الحل الليبرالي حتي عام 1952 (الكتاب يفترض ذلك) ثم فشل هذا الحل الليبرالي وسقط في هزيمة 1948 فقام (إنقلاب) يوليو 1952 وقام بتطبيق (الحل الأشتراكي) فجاءت هزيمة يونيو 76 لتعلن فشل هذا الحل ..

ويهمني هنا أن أوضح إلي أي مدي يمكن أن هذا المنهج التلفيقي المزيف للوعي فهو يصل التمادي الساذج فيه إلي درجة شبيهة بطريقة تأليف المواقف الكوميدية الشديدة السذاجة والركاكة بصورة لاتحترم العقل ولا المنطق ولا الأمانة في تأليف حكايات تعبر عن التشوه والتشوش الذهني لقيادات هذه الجماعات ومالكي ناصية خطابها .. إذ يقول الزعفراني أو يقول من كلفوه بطبع هذا الكتاب ونشره وقتها(ص 9) :

((ثم جاءت هزيمة يونيو 1967 ،وأخذ زعماء الحل الثوري الإشتراكي يقتلون بعضهم البعض ، وتنعاهم زوجاتهم الراقصات ..بينما تجمع الجنود اليهود حول حائط المبكي يهتفون مع موشي ديان :
هذا يوم بيوم خيبر .. يالثأرات خيبر
حطوا المشمش ع التفاح ، دين محمد ولي وراح
محمد مات .. خلف بنات ))

وبنفس هذه الطريقة الفجة يورد الكتاب حكايات يدلل بها علي تآمر الدول الإشتراكية علينا ، وأن تحالفنا معها كان أحد الأسباب الأساسية لهزيمة 67 فيحكي عن عدم إمداد الإتحاد السوفيتي لمصر بالسلاح اللازم!!!
، إلي أن يورد حكاية غريبة في (ص 32) عن جلوس الزعيم الكوبي فيدل كاسترو مع دبلوماسي إسرائيلي !!! ليحذر عبره إسرائيل من خطورة حركات المقاومة الفلسطينية (يسميها الكتاب هنا"حركات الفداء الفلسطيني") !!! وينصح كاسترو !!!! إسرائيل ألا تترك هذه الحركات تتخذ "طابعاً إسلامياً" لأن هذا الطابع العقائدي سبشعل الحماس في صفوف الشعب الفلسطيني ويستقطب الجماعات الإسلامية في البلاد الأخري للإنضمام إلي حركات "الفداء الفلسطيني" إلي أن يجعل ذلك من المستحيل علي أسرائيل أن تدافع عن بقائها ، وأن علي إسرائيل أن تجعل من كل دول جوارها دولاً إشتراكية لإن ذلك في صالح التعايش السلمي"الإشتراكي" العربي مع إسرائيل !!!!!!!

وبالمناسبة هنا فاللافت للنظر أن هذا الكتاب أو "المانفستو التاريخي لم ترد فيه أية إشارة للتحولات الإقتصادية والإجتماعية التي كانت تتم في هذه الفترة علي يد السادات وخليفته مبارك ، ولا أية إشارة إلي موقف ما من معاهدات كامب ديفيد ، وكذلك لاتوجد أية إشارة إلي إلقاء السادات ل99% من أوراق حل الصراع العربي الإسرائيلي في يد الولايات المتحدة الأمريكية ، ولاعن تعدي ذلك الأمر إلي البدء في سياسات التكيف الهيكلي التام مع سياسات المركز الرأسمالي العالمي ، والإندماج الهيكلي في سياسات الهيمنة الأمريكية علي منطقة الشرق الأوسط ، وسياساتها الإستعمارية في أفريقيا وباقي العالم ..

أما فيما يتعلق بالإتحاد السوفيتي فأمر مساندته لمصر ولجميع حركات التحرر الوطني في هذا الوقت لايمكن أن يكون محل بحث وتحقيق ، بل أنه في 67 قد قد أنقذ مصر بالفعل من توغل العدوان الإسرائيلي داخل مدن المصرية وعربية بالشكل الذي كان سيؤدي إلي دخولها لأحد العواصم العربية ، وربما يعرف الكثيرون أن مجلس الأمن قد اتخذ قراراً بالإجماع في السادس من يونيو 1967 بوقف إطلاق النار ، لم تمتثل له إسرائيل ، وتلاه قرار ثان في السابع من يونيو ، ثم في الثامن من يونيو وبعد أن أبلغت الحكومة المصرية قرارها بالموافقة علي وقف إطلاق النار لم تتوقف إسرائيل إلي يوم العاشر من الشهر نفسه ..
لم تتوقف إسرائيل عن عدوانها إلا بعد ثلاث ساعات من إبلاغ الإتحاد السوڤيتي للإدارة الأمريكية برسالة مفادها أنه "إذا لم توقف أسرائيل عملياتها العسكرية فإن الإتحاد السوڤيتي لن يتواني عن اتخاذ تدابير ذات طابع عسكري" (المصدر : أليكسي فاسيلييف "من لينين إلي بوتن : روسيا في الشرق الأوسط)

أما بالنسبة لكاسترو فمواقفه ومواقف كوبا من الحق الفلسطيني ومن مساندة القضية الفلسطينية معروفة تماماً ويكفي أن كوبا هي أول دولة في الأمريكتين تقطع علاقاتها مع إسرائيل بعد يونيو67 ، وكاسترو كانت تربطه صداقة قوية بياسر عرفات وقادة منظمة التحرير الفلسطينية وحتي مات كانت مواقفه دائمًا إلي جانب حقوق الشعب الفلسطيني ، ولكن العقل المتجمد والذهن المشلول والفكر المشوش لعمائم وزعامات تيارات وجماعات التأسلم الفاشي كلها أسباب لم تستطع معها هذه العمامات واللحي أن تضع هذه الحقائق أمامها وهي تقوم بهذا التأليف الساذج المريض للحكايات ..

المهم هنا لدي الزعفراني أو المؤلفون الحقيقيون للكتاب الزعم بأن كلا من الحل الليبرالي والحل الإشتراكي قد طبقا في مصر (كل بدوره كما ورد في الكتاب) ، وكلاهما قد فشل ، وبالتالي فإن الدور في التطبيق قد جاء علي الحل الإسلامي ، وعلي إعتبار أن تلك كانت حلول صناعية مستوردة فرضها الإستعمار ، وأن الحل الإسلامي (قلنا مسبقاً أن الإسلام هنا هو إسلامهم هم) هو حل طبيعي من صنع الله ، ثم يعرج الكتاب إلي مبدأ الحاكمية (الحكم باسم الله) باعتباره هو سر قوة الأمة

(ملحوظة : والأمة هنا هي ليست "الأمة المصرية" التي ترتبط برابط الوطنية ، إنما هي كناية عن "الأمة الإسلامية" التي ترتبط برابط الدين باعتبار أن رابط الوطنية هو بدعة من بدع الكفار الأوربيين)

ونلاحظ في (ص13) من الكتاب جملة تتبجح تبجحاً شديداً لتبرر وتشرعن الإستبداد والطغيان إذا ماأتي علي أيدي هؤلاء المتزعمين للحاكمية إذ يقول :

((لم يفكر حاكم من الحكام طول هذه القرون الثلاثة عشر أن يرفض الإلتزام بمبدأ الإسلام ، والإحتكام إلي شرعه ، وإن بلغ في الإستبداد والطغيان مابلغ .
ولم يخطر ببال شعب من الشعوب المسلمة أن يحكمه يوماً ما نظام الإسلام ، أو تسود فيه فكرة غير فكرة الأسلام ))
وهكذا إلي آخره كتمجيد لمبدأ الحاكمية التي يعد الأساس الذي بدونه لن يتم تشييد "الحل الإسلامي" من وجهة نظر الكتاب وصاحبه ، وأصحابه ..

وقد يسأل أحدنا عن معالم ذلك "الحل الإسلامي" الذي يطرحه الكتاب ويطرحه عنوانه((الإسلام هو الحل)) الذي سيصبح فيما بعد هو شعار جماعة الإخوان المسلمين وكافة جماعات فاشية التأسلم السياسي في كل المعارك السياسية التي أعقبت صدور ذلك الكتاب في أنحاء مصر مما يجعل الإعتقاد بأن هذا الكتاب كان عبارة عن تكليف سياسي و"مانفستو" عام يحدد الأجندة السياسية لهذه التيارات فيما بعد..

والحقيقة أن الحلول التي سيبحث عنها المهتمون في هذا الكتاب لاتعدو كونها شعارات عامة ، وشكوي من سيادة القوانين "الوضعية" التي كانت السر وراء فشل الحلين الليبرالي والإشتراكي ، والشكوي من أن الشريعة الإسلامية قد حصرت منذ سقوط الخلافة العثمانية في ركن ضيق هو (الأحوال الشخصية) وهكذا .. إلي أن يصل الكتاب في ص 38 إلي حالة تشبه الهتاف الصاخب علي النحو التالي :

((فلم يبق إلا حل واحد
هو الحل البديل
وهو الحل الحتمي
وهو الحل الوحيد
ذلكم هو الحل الإسلامي ..))




كوازث الحل الإسلامي المزعوم
____________________

نأتي إلي معالم الحل الإسلامي كما يقدمه خالد الزعفراني أو كتاب (الإسلام هو الحل ) بغض النظر عن ملابسات إعداد مادته للطباعة والنشر والجهة التنظيمية الحقيقية التي وضعت مادته وأمرت بإعداده وطبعه ونشره علي هذا النحو ..

ولنبدأ أولاً بهذه الفقرة الكاشفة لقناعاتهم التي تشكلت عبر استنساخ مجتمعات بدوية كانت لها ظروفها المختلفة تماماً عما تعيشه البشرية منذ عبورها للقرون الوسطي وحتي الآن ..
يقول الكتاب في ص 40 :

((فالحل الإسلامي ـ في نظر الكثيرين ـ يتمثل في قطع يد السارق ، وجلد الزاني ، أو رجمه ، وجلد السكيرين ، والقصاص من القتلة ، وتطبيق أحكام الشريعة في إقامة الحدود فقط ، أو في سائر شئون المعاملات أيضًا..
ولاريب أن هذه الأحكام أو القوانين جزء أصيل من الحل الإسلامي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لابد منه ، ولاغني عنه ، يكفر من جحده ، ويفسق من أهمله ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكنها ـ مع ذلك ليست كل الحل الإسلامي ))
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهمنا إذن أنه لاتنازل ولاتوقيف ، ولا إرجاء لقطع يد السارق أو رجم الزانية وجلد الزاني أوما إلي غير ذلك من تطبيق للحدود إرتبط بشروط وظروف مكانية وزمانية معينة وليس في المطلق كما يريد لذلك الأستاذ الزعفراني والعمائم التي كلفته بكتابة هذا الكلام بدليل إيقاف عمر بن الخطاب لتطبيق هذه الحدود لتغير الظروف ولتعذر الشروط ، فضلاً عن أنها قد تعذر تطبيقها لفترات وسنوات في ظل بعض دول الخلافة الإسلامية ، ناهيك عن كارثة التطبيق الإنتقائي لتلك الحدود والتي شاهدناها ونشاهدها في عديد من الدول التي طبقت ماأسمته هي (الشريعة الإسلامية) ..
ماعلينا فمايقصده الزعفراني هو أن هذه الحدود هي أساس الحل الإسلامي ، ولن يتم تطبيق الحل الإسلامي بدون تطبيق هذه الحدود ..
قد لاندري ونحن نقرأ ..
أهذا حل أم كارثة مطلوب أن تحل بالشعب الذي يريدون حكمه ، ناهيك عن أنهم لاقدر الله في حين سيتمكنون نهائيًا من السلطة والدولة سيقولون (هذا حكم الله .. أفحكم الجاهلية تبغون) وطبعاً لن تكون الجاهلية هنا هي جاهلية قريش ، بل جاهليتنا نحن الذين لايرون أي قدسية لأية سلطة تزعم أنها تحكم باسم الله وأنها أمتلكت توكيلاً عاماً للتصرف وفقما تشاء في البشر دونما أن يكون هناك حق لإبداء الرأي أو المعارضة لأن ذلك سيعد كفراً وفسوقاً يستحق ما يستحقه الكفر والفسوق في مجتمع "السلف الصالح" أو "الفرقة الناجية" أو "الطائفة المنصورة" ..
حيث لامكان في المجتمع إلا للطائفة المنصورة ، ولامكان هنا لاطوائف سواها ، ولامذاهب ، ولا عقائد سوي عقيدتها التي هي عقيدة كل جماعات الفاشية المتأسلمة علي تنوعاتها المختلفة
لامجال هنا لمبدأ المواطنة ، ولامجال بالتالي لتنوع الثقافات ،بل لامجال للتنوع الإنساني بشكل عام ..
أي مصر تلك التي كان يمكن لها أن تقام كذلك سواء في القرن العشرين أو في الألفية الثالثة ؟
هم يريدون كارثة لا وطن حينما يرددون كما يردد كتابهم هذا مايلي ..
(( معني "الحل الإسلامي" أن تكون عقيدة المجتمع إسلامية ، وشعاراته إسلامية ، ومفاهميه ، وأفكاره إسلامية ، ومشاعره اسلاميه ))

يقولون في حلهم الإسلامي المزعوم

في التعليم والثقافة (ص 45 )

(( وضع نظام ثقافي إسلامي بحيث يكون عقلية إسلامية موحدة للأمة ، ويصبغ التعليم في جميع مراحله بالصبغة الإسلامية ، ويحدث وعي إسلامي عام ويقف أمام الأنظمة الثقافية المستوردة))

لاحديث هنا في التعليم عن معالجة ظاهرة الدروس الخصوصية مثلاً ، ولا عن تكدس الفصول ، ولاعن تطوير المعامل والبحث العلمي ، ولا عن الصحة المدرسية ، ولا عن تطوير الهياكل التعليمية من إنشاء مبان لمدارس وجامعات حديثة ، ولا عن تطوير مناهج العلوم ، ولا شئ من هذا القبيل ..
ولاشئ عن الثقافة والإبداع ولا عن دور الدولة والمؤسسات التابعة لها في دعم المبدعين ..
لاشئ من هذا القبيل

إذن هذا هو التعليم ، وهذه هي الثقافة بالنسبة إلي من وضعوا هذا الكتاب ك"مانفستو" سياسي وإجتماعي وثقافي للحركات المتأسلمة في مصر ..
تعليم لايضع في حساباته حق المواطنة لغير من هم علي مذهب أهل السنة والجماعة بل يسقطها عن غيرهم ، ولا يضع في حساباته الإتصال المعرفي بالمنجز الحضاري العام للإنسانية ، وثقافة تخاصم العصر الذي نعيش وتعطيه ظهرها ،لتدخل بنا إلي كهوف وصحراوات ماقبل القرون الوسطي ..

إنه تعليم وثقافة قندهار وجبال تورا بورا ، وجلال آباد (علي أفضل تقدير) في آواخر القرن العشرين وفي مقدم الألفية الثالثة !!

ـ في الناحية الإجتماعية ص 46 .. (( منع الإختلاط المثير بين الجنسين))
ـ في الناحية الإقتصادية ص 47 .. ((الإسلام عبادة مالية هي "الزكاة" وأحد الموبقات السبعة كبيرة ومادية هي "الربا")) ثم ماذا بعد ذلك ؟
ثم مجموعة من الشعارات العامة التي لاتليق بوضع أي خطوط عامة أو ملامح لأي حل إقتصادي يجب أن ينص علي سياسات محددة وآليات لتنفيذها ..

وتبلغ الكارثة ذروتها الكبري حين نصل إلي آخر بنود حلهم الإسلامي المزعوم ..
وذلك هو البند الخاص ب"الناحية لعسكرية" ..

والغريب هنا أنه لايوجد استخدام لكلمة جيش باعتباره جيش الدولة المصرية فالحديث هنا عن العسكرية دونما ملامح وطنية تحدد الإلتزام الوطني لهذه "العسكرية" ..
فهم يرون حسب (الإسلام هو الحل) ..
1- إعداد أقصي قوة حربية ..
2- خطه جاده متكاملة بالتعاون مع (مكانة المسلمين المخلصين - الإستفتاء نهائيًا عن استيراد العتاد والسلاح) !!!!
3- إشاعة روح (الجهاد) في الأمة

ثم بوضوح تام يفسر ماسبق ويصل به إلي الذروة الكارثية :
((وأخيرًا - وهذا أهم من كل ماسبق - ربط الجهاد بالعقيدة الإسلامية كما فسر ذلك رسولنا"من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله " .)) ص49

إذن لن يكون هناك في - ظل حلهم الإسلامي المزعوم - جيش دولة وطنية يحارب من أجل حماية حدود ووحدة أراضيها ، وإنما ستكون هناك عسكرة عقائدية تحارب من أجل المذهب والديانة والطائفة سواء في الداخل أو الخارج ..
إذن ستكون المعارك والحروب طائفية ومذهبية والأعداء لن يكونوا أعداء الوطن بل سيكونوا أعداء الإسلام (إسلامهم هم بمدلولاته المذهبية والطائفية والعقيدية المرتبطة برؤيتهم هم ، ومصالحهم هم) .. أي كارثة هذه ؟؟

ثم ينتهي هذا القسم بمجموعة محددات للحل الذي يتحدثون عنه وهي :
أولاً .. إستبعاد فكرة فصل الدين عن الدولة والعودة إلي أنظمة الدولة الإسلامية (الإمامة ثم الخلافة)
ثانياً.. ((لانفصل السياسة في الإسلام عن العقيدة ولاعن الشريعة ولاعن الأخلاق)) ص 50
ثالثاً.. وضع دستور إسلامي يحدد نظام الحكم
((طبقاً لنموذج الدستور الصادر من المجلس الإسلامي العالمي المنعقد في إسلام آباد 10 ديسمبر 1983 والذي يمثل القسم الثاني والرئيسي من متن "الإسلام هو الحل")) ..

ويحدد الكتاب ملامح السياسة الخارجية في الحل الإسلامي (إسلامهم هم) بأنها تقوم علي أسس أهمها :
أ ـ (إعتبار المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة ) ص 51

وطبقاً لتلك الرؤية فالمقصود هنا إعتبار الأمة هي أمة المسلمين أينما كانوا وبالتالي فأن حقوق المسلم الأندونيسي في مصر هي نفس حقوق المواطن المسلم أما المواطن المصري المسيحي الديانة فحقوقه هنا ستكون تالية لحقوق الأندونيسي أو الغيني أو الأذيربجاني أو الشيشاني طالما كان مسلماً ..
ولذلك تم التأكيد في (ب) علي أنه ((يجب حماية جميع أقطار المسلمين ولها حق الحماية والنصرة ))

وهذا بالضبط ماطبقه الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي حينما ردد هتافه المشهور في جموعه المحتشدة "لبيك سوريه" وأمر بفتح باب التطوع لصفوف عصابات التأسلم الفاشي في سوريه (النصرة وجند الشام ، وداعش فيما بعد) ..
ثم فتح سيناء كنقطة تمركز وتدرب وكمسرح لعمليات تلك العصابات التي دخلت إليها في عهده من مناطق وبلاد شتي ..
ثم يطرح الكتاب أول شروط هذا الحل وهي :
1- ضرورة الدولة المسلمة ، وحاجة الإسلام إلي دولة (ص55)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ بمايعني إقصاء كل مظاهر المدنية عن الدولة وإصباغها بالصبغة المذهبية الدينية ..
بل أن هناك وظيفة جديدة للدولة ستتمثل في :
((فالصلوات الخمس: لابد أن "تشرف" الدولة علي "حسن آدائها" فتنشئ المسجد ، وتنصب الإمام ، و"تراقب" إقامة الفريضة ، وترغب في إقامة هذه الصلوات ، و"تؤدب" المستهترين بهذه الفريضة )) (ص 56)

2- الإستمداد من مصادر الإسلام (ص 57)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ ذلك بمعني أن يكون إسلام الجماعات والتيارات الفاشية هو مصدر شرعية أي إلهام أو فكر أو علم أو عمل ..
3 ـ لابد من عنوان الإسلام (ص58)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ بمعني أن توضع عناوين إسلامية لكل شئ ، وإن تتم إزالة أية عناوين تخالف ذلك ..
4- أن يكون الإسلام هو غاية (ص59)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معني أن يكون الهدف من أي عمل ومنتهاه هو خدمة الإسلام لاغير ، وليس خدمة الوطن أو المواطن أو حتي الإنسان بعكس مانعرف جميعنا أن جميع الديانات قد وجدت لخير وسعادة الإنسان
5- الإسلام شامل لايقبل التجزئة (60)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي أن حلهم الإسلامي المزعوم لابد وأن يطبق مرة واحدة ككل لايقبل التجزئة ولا إرجاء جزء وتقديم جزء ..

وأخيرًا يصل الكتاب إلي الموقف مما أسماه تبجحاً ب(الأقليات الغير مسلمة) ويخصص له جزءاً تحت عنوان رئيسي هو
((الحل الإسلامي والأقليات غير المسلمة)) ص79
ومن الواضح تماماً أن هذا الفصل مخصص للإجهاز علي أي ظن حسن قد يفترض أن هؤلاء الفاشست المتأسلمين قد يغضون النظر الطائفي ولو قليلاً ليسمحوا بالتعامل علي أساس قيم المواطنة مع تنوعات مذهبية أو عقائدية طبيعية تحت سقف الوطن ..
الموقف محدد هنا وهو بعبارات مثل الرسول أوصانا خيراً بالأقباط ، طعام أهل الكتاب ونسائهم حل لنا ، أو ما إلي ذلك إلي أن ينتهي بفرض مبدأ الجزية علي "غير المسلمين" !!!
طبعاً مع تقديم برهان الرحمة والتسامح المتمثل في إعفاء الأعمي والمريض المزمن ، والرجل العاجز، والشيخ الكبير من الجزية !! ثم
((ولاتضرب الجزية علي نساء أهل الكتاب ، ولاصبيانهم حتي يبلغوا)) (ص81) ..

أهذا حل إسلامي إذن أم كارثة مدمرة لكل معاني المواطنة والحقوق الإنسانية ، فضلاً عن تفجير الوطن من داخله بمثل هذه التروهات ؟؟

لننتقل إذن لبيت القصيد الذي طبع من أجله هذا الكتاب ..
إلي الجزء الذي يدل علي أن هذا الكتاب قد صدر كتكليف معمم وكدليل عمل موحد تعمل من أجله كل جماعات وعصابات التأسلم السياسي في بلدان العالم ..

إلي النموذج المعمم للدستور الإسلامي الذي أقره المجلس الإسلامي العالمي في 10 ديسمبر 1984 كفريضة واجبة التحقيق علي كل هذه الجماعات والتيارات والتنظيمات بعمائمها ودعاتها ومسلحيها وزعاماتها السياسية ..

وهذا سيكون موضوع المنشور القادم
إن سمح الأجل