قرار التقسيم .. ومأزق الأحزاب الشيوعية العربية

رياض حسن محرم
2018 / 10 / 12

لايمكن تغيير التاريخ بأثر رجعى، كأن تقول مثلا ، ماذا لو أن الإتحاد السوفييتى وقتها رفض الإعتراف بالقرار ونعت إسرائيل بأنها كيان صهيونى معاد لحركة التحرر، أو ماذا لو أقيمت إسرائيل فى منطقة أخرى غير فلسطين، فى أوغندا أو شبه جزيرة القرم مثلا، أو ماذا لو إنتصرت الجيوش العربية، أسئلة كثيرة ستبقى هائمة فى الخيال، ولكنها الحقيقة المرّة، أن الأسلحة والطائرات التى كانت تحارب بها إسرائيل قد زودها بها الإتحاد السوفييتى وقتها.
معظم شيوعييى الحلقة الثانية يتنصلون بذواتهم من أمرين، الأول هو الضلوع فى حل الحزب الشيوعى، وفى الدرجة الثانية يقررون أن لاهم ولا الفصيل الذى إنتموا إليه تمت موافقتهم على قرار التقسيم، جميع من التقيتهم ينكرون موافقتهم على الحل، ولا يعترفون بموافقتهم على قرار التقسيم، معضلة تحتاج الى تفكيك، سنحاول تناول الجزء الثانى من المعضلة "الذى نحن بصدده" وهو قرار التقسيم، والمأزق الذى واجهوه.
البداية مع الحزب الشيوعى الإسرائيلى الذى سبق بقية الأحزاب الشيوعية فى المنطقة بالتأسيس عام 1919، وقد تأسس الحزب على أيدي مجموعة من "العمال الثوريين اليهود"، باسم "حزب العمال الاشتراكي في فلسطين"، وأعلن مؤسسوه أنهم "سيقفون إلى جانب ثورة أكتوبر الاشتراكية في مواجهة الإمبريالية العالمية، وإلى جانب الأممية الثالثة الشيوعية (الكومنتيرن) في مواجهة أحزاب الأممية الثانية الانتهازية، والمشكلة تكمن فى أن هذا الحزب إعترف بالصهيونية بوصفها قوة ثورية معادية للإحتلال البريطانى، وفى نفس الوقت دعا لعدم الإنجرار الى دعاوى معاداة العرب، وأنّ هدف "الحزب" يجب ألا يقتصر على" إقامة مجتمع يهودي في البلاد"، بل يجب أن يتعدّى ذلك إلى" إقامة مجتمع أسمى، مجتمع عمّاليّ حُر قائم على الثورة والسلام، السلام ليس مع الحكومات فحسب، بل مع الشعوب أيضاً"، وفى 1924 إنضم الحزب رسميا إلى صفوف الأممية الشيوعية، بعد أن وافق على تعريب صفوفه، والانخراط بنشاط في النضال الوطني التحرري المعادي للامبريالية والصهيونية، واستطاع، منذ أواسط عام 1924، استقطاب وتنظيم عدد من العمال والمثقفين العرب، ولكن الحزب عجز عن تلمس خطر المشروع الصهيوني الرامي إلى استعمار فلسطين، والسيطرة الاقتصادية على البلاد، واقتلاع عرب فلسطين من وطنهم.
ومع تصاعد الصراع فى فلسطين إذدادت عزلة الفكر الماركسي في الوسط العربي، عزلة تعود إلى ثلاثة أسباب، أولها أن مَن بشّروا بهذا الفكر في البداية كانوا يهوداً، شكلوا جزءاً من المشروع الصهيوني الاستيطاني وبمساعدة الاستعمار الإنجليزي، الثاني هو السياسة المتطرفة التي انتهجها الحزب في مراحل معينة من وجوده، والسبب الثالث هو عداء القيادة الإقطاعية الفلسطينية للفكر الشيوعي، وحالما انتهت الحرب العالمية الثانية، كانت مقومات الدولة اليهودية قد وضع أساسها، وراح الشيوعيون اليهود يشيرون إلى المتغيرات التي طرأت، ويربطون ذلك بحق تقرير المصير لليهود، وكان هذا من العوامل الأساسية لانقسام الحزب الشيوعى وخروج العضوية العربية منه في مايو عام 1943، في العام 1944 تم إقرار "الميثاق الوطني للعصبة الشيوعية"، وتضمن نقاطا أهمها: جلاء الجيوش الأجنبية وإلغاء الانتداب، إنشاء حكومة ديمقراطية تحفظ حقوق السكان دون تمييز، التعاون مع الشعوب العربية للنضال من أجل المحافظة على الاستقلال، رفع مستوى العمال والفلاحين والمستخدمين الاقتصادي والاجتماعي، تعميم المدارس في المدن والقرى وجْعل التعليم الابتدائي إجباريا، نشر الثقافة في البلاد وإحياء التراث العربي، تعزيز مكانة رجال العلم والفكر والفن، ورفع مستوى المرأة الاجتماعي. وكانت للعصبة تحفظات على تركيبة (اللجنة العربية العليا)، وأسلوب تشكيلها، وهي لجنة برئاسة المفتى "أمين الحسينى" وكانت تمثَّل القيادات التقليدية التي عارضت انخراط العمال والفلاحين في العمل الوطني الفلسطيني، وأصرّت، بالتواطؤ مع جامعة الدول العربية، على عزل ممثّليها، ومنعهم من المساهمة في قيادة النضال الوطني.
ومن أواخر عام النكبة "1948" وقيام الدولة الصهيونية، تم توحيد "منظمات" عصبة التحرر الوطني التي بقيت في المناطق المسيطر عليها إسرائيليّا، وشكّلت بالاندماج مع أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني اليهود، ما صار يعرف بـ"الحزب الشيوعي في إسرائيل"، الذي أكد برنامجُه السياسيُّ، وأكدت مواقفُه أيضاً على "حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة، ومقاومة سياسة الضغط والتمييز العنصري تجاه المواطنين العرب، والسعي من أجل تثبيت حق اللاجئين بالعودة إلى وطنهم" ، وهو الحزب الذى شارك فى صدامات متكررة مع الكيان الإسرائيلى كما شارك أيضا فى صدام مع الكيان الأردنى والنظام المصرى، خصوصاً على خلفية رفضه لممارسات النظامين وسياساتهما، كالموقف من "مؤتمر أريحا" الذي شهد ضمّ الضفّة الغربيّة إلى الأردنّ ، أو الموقف المناهض من "حلف بغداد"، وما يتعلق باعتقالات الشيوعيين على يد نظام عبد الناصر فى غزة، كما أعلن الحزب بعد هزيمة 1967إشادته بالكفاح المسلح واعتباره شكلا مشروعا للنضال من أجل تحرير الأرض، وفى سنة 1982 تم إندماج جميع التنظيمات الشيوعية داخل الخط الأخضر فى كياان الحزب الشيوعى، وفى العام 1991 وبعد انهيار الإتحاد السوفييتى قرر الحزب تعديل لائحته الداخلية وتغيير إسمه الى "حزب الشعب الفلسطينى".
فى مصر تأسس "الحزب الإشتراكى المصرى" فى أغسطس 1921 وبعد أقل من عام تم تغيير الإسم الى "الحزب الشيوعى المصرى" الذى كان مقره الرئيسى ومحور نشاطه فى مدينة الأسكندرية، واستفاد الحزب كثيرا من الزخم الثورى الذى أحدثته ثورة 1919، ولكن الحزب سقط فى الذيلية للإتحاد السوفييتى والكومنترن، والى درجة من الإنحراف اليسارى الطفولى، والصدام المبكر مع حزب الأغلبية الجماهيرية "الوفد"، ما سهّل فى النهاية توجيه ضربة قاضية اليه وتصفيته بسهولة.
في الأربعينيّات، وفي ظلّ مقدّمات الحرب العالميّة الثانية، استعادت الحركةُ الاشتراكيّة عافيتها على يد بعض الإنتلجنسيا اليهودية، وكان من قيادات الحركة الشيوعية "هنرى كورييل" الذى أنشأ تنظيم "الحركة المصرية للتحرر الوطنى"، بينما أسس "هليل شوارتز" مجموعة الشرارة "أيسكرا"، كما أسس "مارسيل إسرائيل" منظمة "تحرير الشعب"، وجميعها منظمات سرية، بينما قام "جاكو دى كومب" بتأسيس منظمة أنصار السلام" التى عملت بشكل علنى، وربما كانت أحد المثالب التى أمكن لأعداء الشيوعية من الخول منها أن الآباء المؤسسين جميعا كانوا من الطائفة اليهودية (كورييل وشوارتز ومارسيل اسرائيل ودى كومب)، وبنهاية الحرب العالمية الثانية انتعشت الحركة الوطنية المصرية وتحرك بقوة العمال والطلاب فى مواجهة قوى الإحتلال والرأسمالية والقصر "متحالفا مع جماعة الإخوان المسلمين"، وربطها بالدستور والحريّات والحقوق السياسيّة، وقد اعتُبرتْ وقائعُ هذه المرحلة من "الممهِّدات" الرئيسة لثورة 23 يوليو 1952، التي كان من قادتها، في تنظيم الضبّاط الأحرار أعضاء فى الحركة الشيوعية كخالد محيي الدين والبطل يوسف صديق " تم تعيينه فى مجلس قيادة الثورة لدوره ليلة 22 يوليو" وغيرهم.
ورغم أن الشيوعين المصريين كان لهم السبق فى التمييز بين الصهيونية كعقيدة استيطانية توسعية على أرض فلسطين وبين الديانة اليهودية كمصدر روحى دعوى لا عدواني، وكتب سلامه موسى قبل نحو عقديْن من اغتصاب فلسطين أنّ "الصهيونيّة من حيث الوسيلة والغاية حركة رجعيّة تجعل من الدين اليهوديّ، الذي هو من أسرار الضمائر وصوفيّة النفوس، قوميّة وعصبيّة تعود إلى معنى الدين قبل 5000 سنة، حين كان لكلّ أمّةٍ ربُّها الذي يحميها ولا يحمي غيرَها من الأمم"، وفى اكتوبر 1942 أسس الشيوعيين "لجنة العمّال للتحرير القوميّ" حيث كان مطلب مكافحة الصهيونيّة وتأييد الشعب الفلسطينيّ فى نضاله الوطنيّ الديمقراطيّ على رأس جدول أعمالها، كما كتب الشيوعى "شهدى عطية شافعى" فى بيان "أهدافنا الوطنية" فى عام 1945 أنّه "ليس أخطرَ على القضيّة الفلسطينيّة من الفكرة الصهيونيّة القائلة بتكوين دولة يهوديّة"، وكتب يوسف درويش، الشيوعيّ المصريّ اليهوديّ، فى مجلة الضمير "لن تمرّوا هي الكلمة التى صاح بها الجمهوريّون الأسبان عام 1936 يوم أن هجمتْ عليهم الفاشيّةُ العالميّة، وهي الكلمة التى تصيح بها اليوم شعوبُ البلدان العربيّة في وجه الصهيونيّة... إنّ الفاشيّة والصهيونيّة من طينةٍ واحدة كالاستعمار والإرهاب لتستمرّ فى استغلال الشعب الكادح".
ولتحقيق هذه الأهداف، حين لاح خطرُ إنشاء الكيان الصهيونيّ على الأرض الفلسطينيّة المغتصبة، أسّس الشيوعيّون المصريّون من ذوي الأصول اليهوديّة "الرابطة الإسرائيليّة لمكافحة الصهيونيّة" وقد أصدرتْ بيانها التأسيسيّ في يونيو 1947، واعتبرتْ فيه الصهيونيّة " أداةً لخدمة السياسة الاستعماريّة... تريد استخدامَ اليهود لتأكيد سيطرتها على الشرق الأوسط" واتّهمت الرابطة الصهاينة "بصرف اليهود عن الكفاح ضد عدوّهم الأوّل ــــ ألا وهو الفاشيّة" وبـ"التعاون المتزايد مع عناصر مشهورة بنزعتها الفاشية، وفي ذلك خيانة لا تُغتفر للقضيّة اليهوديّة، هذه القضيّة التي لا يمكن فصلُها عن قضيّة الشعوب عامّة"، وذلك بالرغم من أنّ النشاط الصهيونيّ في تلك الآونة فى مصر كان نشاطًا شبهَ علنيّ، وكانت عمليّات تجنيد الشباب اليهوديّ تجري على قدمٍ وساق؛ بل شهدت مدنٌ مصريّةٌ عديدةٌ، منها الإسكندرية، استعراضاتٍ شبهَ عسكريّة للتنظيمات الشبابيّة الصهيونيّة، كمنظمة "البيتار،" من دون أن تعترض السلطات عليها، فيما كانت تطارد اليهودَ الشيوعيّين، وتتعقّب حركاتهم وأنشطتهم. ولعلّنا نشير في هذا السياق إلى مشاركة عددٍ من رموز المثقّفين والسياسيّين المصريّين (الليبراليّين)، مثل أحمد لطفي السيد، في افتتاح الجامعة العبريّة في القدس (عام 1925)، وفي أنشطةٍ عديدةٍ كانت الحركة الصهيونيّة تقف خلفها، من دون أن يحرّك ذلك ساكنًا في الطبقة الحاكمة المصريّة المتواطئة مع الملك والاحتلال .
إن كل من يحاول البحث فى أضابير الحركة الشيوعية "وخاصة المصرية" سوف يجد ما يمكن أن يسوّد مئات الصفحات من نقد مبدئى للصهيونية وضرورة الكفاح ضدها بجميع الوسائل بما فيها الكفاح المسلح، غلبت هذه المواقف بوجه عام على الحركة وذلك حتى مداولات ثم صدور قرار التقسيم وخطاب جروميكو فى الأمم المتحدة، وكان السقوط المدوّى الذى يناهض المواقف المبدئية لكارل ماركس التى سردها فى كتابه عن "المسألة اليهودية" وأيضا مواقف لينين من حزب البوند اليهودى، لا خلاف هنا أن الأنظمة العربية بلا إستثناء كانت رجعية فى مضمونها ومظهرها، فعلا جميعها كانت أنظمة تابعة للإمبريالية وشبه إقطاعية، ولكن كل ذلك لايعد مبررا لموقف ممالئ لإسرائيل باعتبار أنها دولة ديموقراطية تسمح بالنشاط الشيوعى العلنى وأن اتحاد عمالها "الهستدروت" يحمل رؤية ذات طابع يسارى أو أن نظام "الكيبوتزات" يهيمن عليه تكتيك شبه يسارى.
بررت معظم قيادات وبعض قواعد الحركة الشيوعية الرسمية فى فلسطين ومصر والأردن وسوريا والعراق بأنها تلتزم بقرار القيادة "وهو مبدأ شيوعى" وأن عليها تبنى هذا القرار وترويجه والدفاع عنه، وللأسف فإن معظم القوى الشيوعية الغير منضوية تحت راية الكومنترن أيدت فى أغلبها القرار أيضا، ربما لتأييدها الخط العام للحركة "حيث لايوجد منافس له حتى ذلك الحين"، وهؤلاء الشيوعيون للأسف لم يغيروا موقفهم من قضية فلسطين الاّ بعد أن غيّر الإتحاد السوفييتى موقفه من إسرائيل بعد حرب 1956.
ليس هنا مجال محاولات تحليل واقعية هذا القرار من عدمه، أو حساب الفرص الضائعة أمام الفلسطينين والعرب، فإن هذا الأسلوب الإنتهازى إذا مددناه على إستقامته سيؤدى الى تبرير كامب ديفيد وأوسلو وكل التنازلات العربية، وبدون تنظيركثير وفذلكة فارغة فعلينا أن نعترف أن اليمين الدينى هو الذى خرج رابحا من ذلك الموقف، لقد عزف على إيقاع الشعوب العربية، وهواها ومزاجها، هؤلاء الذين رددوا أغانى مثل "أخى جاوز الظالمون المدى" و "يامجاهد فى سبيل الله" وعشرات الأغانى غيرها، وجمع الإخوان المسلمين التبرعات بعشرات الالآف، وكدسوا الأسلحة جهارا، وكونوا كتائب الفدائيين بقيادة البطل "أحمد عبد العزيز" للقتال تحت رايتهم.
علينا أن نكون شجعانا بما يكفى، ونعترف بالخطأ فهو الوسيلة الصحيحة لنكون مبدئيين.