المجرم الخائب

حنان محمد السعيد
2018 / 10 / 12

اعتادت الأنظمة العربية - الا قليلا - على فعل أي شيء دون الحاجة الى تبرير أفعالها أو إيجاد منطق سليم ورائها، وهي في ذلك تستند إلى بطشها بكل من تسول له نفسه الاعتراض على هذه الأفعال، وهي أيضا تقول ما شاء لها من تصريحات دون أن تحاول إرجاعها الى المنطق السليم أو تستند فيها الى الحقائق.
ويبدو أن هذه الأنظمة من كثرة ما أعتادت على سلوك مثل هذا النهج بين شعوبها ظنت أن نفس الأسلوب يمكن أن يتماشى مع الجميع داخل وخارج بلدانها ولذلك فهي لم تعد تبذل أي جهد على الاطلاق في اخفاء جرائمها أو صياغة أكاذيبها بالصورة التي تبدو عليها منطقية أو عقلانية أو مستساغة.
ومن ذلك جريمة اختفاء خاشقجي التي يظهر فيها درجة من الفشل والقصور لا يمكن أن تحدث بين اكثر المجرمين غباءا وفشلا ولا حتى في فيلم من افلام الكوميديا، فهي جريمة تحدث على أرض دبلوماسية، ويتم فيها تسجيل لحظة دخول الرجل الى القنصلية بالكاميرات، وهو يترك خطيبته في الخارج للاتصال بمن يمكن أن ينجده في حالة أراد نظام بلده عمل أي شيء يضر به ويرتدي ساعة تحدد موقعه وعلاماته الحيوية.
وفوق ذلك يتم استدعاء طاقم من كبار رجال دولته في نفس اليوم ويتم تعطيل الكاميرات حتى لا تسجل ما حدث في ذلك اليوم ويتم استدعاء طبيب شرعي بين المجموعة التي دخلت الى تركيا في هذا اليوم بجوازات سفرها وبأسمائها الحقيقة.
وهم بعد ذلك يدخلون الى القنصلية بحقيبة معدات، ويشترون مجموعة من الحقائب ويغادرون في نفس اليوم بدونها، وبالاضافة الى ذلك تسجل المخابرات الأمريكية اتصالات بين أميرهم وبينهم حول اختطاف خاشقجي واعادته الى بلاده.
وفوق كل ذلك يزيد المشهد البائس بؤسا بفتح ابواب القنصلية أمام احد وكالات الانباء الأجنبية للتأكيد على انهم لم يحتفظوا بالرجل بين الأرفف أو في الأدراج!
مع الاستمرار في صوغ مجموعة أكثر فشلا وبؤسا من الأكاذيب وحتى رغم ظهور الكثير من الدلائل حول حقيقة ما حدث الا أن ماكينة الأكاذيب مازالت تعمل بلا توقف.
فعلى ما يبدو أنهم تدربوا على عملهم من خلال افلام الجاسوسية المصرية الغير محبوكة أو صنعوا نسخة فاشلة للغاية من أفلام جيمس بوند!
ولا أرى أي عمل أخر يفوق هذا العمل غباءا وفشلا مر عليّ في حياتي إلا عملية دخول صدام حسين الى الكويت التي تم استدراجه اليها مثل الثور الهائج لتتحول المنطقة العربية بعدها الى منطقة صراع وتفكك وتحلل وانهيار متسارع وتفقد تريليونات الدولارات منذ ذلك الحين وتتحول اغلب دولها الى دول فاشلة مصابة بكل أمراض الدول بل أن بعضها لم يعد يصح أن يطلق عليه مسمى دولة!
إن ما ترتكبه الأنظمة العربية من أفعال وجرائم في حق معارضيها بوجه خاص وفي حق شعوبها بوجه عام لا يفيد حتى وجودها وبقائها، ولو أنها حاولت الاستماع الى نصائح الناصحين وانتقادات المنتقدين ونظرت الى شعوبها وبلدانها نظرة الحاكم الشعبي الذي يبحث عن صالح البلاد والعباد لما وقعت في كل هذه الأخطاء التي لا يستفيد منها الا القوى العظمى التي تحميهم لتطالبهم بعد ذلك علنا بنفقات هذه الحماية سرا وجهرا.
ولو أن هؤلاء اتخذوا من شعوبهم حماة لهم ورفعوهم الى المكانة التي يستحقونها ما احتاجوا الى حماية خارجية ولما نالهم كل هذه المهانة ووقعوا في كل هذه الكوارث وجروا بلدانهم الى الهلاك.
ولكن ماذا تقول في حكام وأنظمة غاب عنهم العقل والمنطق واحاطوا أنفسهم بثلة من المنافقين والمنتفعين ولم يعبأوا كثيرا بمصير بلدانهم التي جرفوا ثرواتها وافقدوها تدريجيا القدرة على البقاء وغيبوا شعوبهم عمدا مع سبق الاصرار.
أتمنى ان تكون جريمة اختفاء خاشقجي اخر جريمة من نوعها وأن تكون دمائه لعنة على من استحلوا حياة الناس وحقوقها ودمائها وبرروا لأنفسهم أشنع الجرائم وظنوا أنه ما من اله سيحاسبهم على ما اقترفوه من آثام.