علم الاجتماع في الجامعات الليبية – دعوة لإعادة التعريف

حسين سالم مرجين
2018 / 10 / 12

خلال العام 2015م ألقيت محاضرة علمية على عدد من أساتذة، وطلبة قسم علم الاجتماع- بكلية الآداب-، جامعة طرابلس- تناولت "مفهوم التغير والتغيير في علم الاجتماع "، حيث خلصت في تلك المحاضرة إلى ضرورة إعادة تعريف علم الاجتماع، من خلال الدعوة إلى أن يرتفع أعضاء هيئة التدريس بعلم الاجتماع من ممارسة النقد، إلى ممارسة التقويم، مستفيدين من وجود بيئة داعمة، ومشجعة، تستند إلى حرية التفكير، والتعبير، حيث أنه من المفترض أن يقوم علم الاجتماع مع وجود تلك البيئة بكشف كل ما هو جديد، وقول كل ما هو جديد، خاصة بعد الحراك المجتمعي الحاصل في ليبيا أواخر 2010 وبدايات 2011 م، وبعد أيام قليلة من تلك المحاضرة إنهالت ردود أفعال غاضبة من بعض الأساتذة – التقليدين-الذين لا يزالوا يتمسكون بمفاهيم قديمة لعلم الاجتماع، وكأنها اللوح محفوظة، حيث تمحورت تلك الردود كون مفاهيم علم الاجتماع مصانة من أية دعوة للخروج عليها، أو المساس بها، بالرغم من كون تلك الردود كانت تفتقد لقواعد الإبستمولوجية التي تحكم بناء أي مناقشة سوسيولوجية، حيث لم يوجه لي من أولئك الأساتذة أيّ سؤال عن أسباب الدعوة للخروج على مفاهيم علم الاجتماع، والمطالبة بإعادة تعريفه؛ إلا أن تلك الردود الفعل الغاضبة زادت الحاجة بداخلي إلى المعرفة السيوسولوجية، حيث أعتقد بأنه من حق كل سوسيولوجي أن يبتكر سوسيولوجياه، كما أن سوسيولوجيا بنت عصرها، كما دفعتني تلك الردود إلى طرح مجموعة من التساؤلات القديمة الجديدة، لتقدم صورة أوضح لما يجرى من حولنا من تغييرات خاصة تلك الحاصلة في المجتمع الليبي أواخر 2010 وبدايات 2011 م، كما ستعمل تلك التساؤلات على توضيح أسباب دعوة الخروج من جهة، والمطالبة بإعادة تعريف علم الاجتماع من جهة أخرى، وأهم تلك التساؤلات، هي :
 هل مفاهيم علم الاجتماع ونظرياته هي حقًا اللوح محفوظة، لا يحق لنا المساس أو الاقتراب منها، أم من حقنا أن نطورها، ونبتكر مفاهيم ونظريات تتواءم وطبيعة التغييرات الحاصلة في مجتمعنا ؟
 هل يحتاج علم الاجتماع إلى بيئة خاصة ليتطور كما تطور في الجامعات الغربية ؟
 هل المشكلة تكمن في طبيعة النظام السياسي الرافض لأيّ نقد أو تقويم ؟ أم المشكلة تكمن في البيئة الأكاديمية في جامعاتنا، المرتبطة إلى حد كبير بطبيعة النظام السياسي الحاكم ؟
أن التغييرات الحاصلة في المجتمع الليبي منذ أواخر العام 2010م وبدايات العام 2011م، وضعت أساتذة علم الاجتماع في الجامعات الليبية أمام محك حقيقي إزاء ما يتعرض له المجتمع من تغييرات؛ تحتاج إلى إظهار أسلوب جديد في التشخيص، والفهم، والتنبؤ، وفي تحديد القواعد الإبستمولوجية، التي تحكم بناء الموضوع السوسيولوجي، كما أن تلك التغييرات قد تكون أرضية مناسبة لمراجعة تقويمية بغية إعادة تعريف علم الاجتماع للنهوض به، وتجديده في الجامعات الليبية، وربما يُساهم ذلك أيضًا في الانتقال بعلم الاجتماع من مستوى التقليد إلى مستوى التجديد، ووصولاً إلى بناء مفاهيم ونماذج معرفية، أو إرشادية خاصة بها.
وفي ضوء هذه الخلفية فإن الأهداف التى نسعى إليها في الصفحات القادمة،هي :
 التعرف على تاريخ علم الاجتماع في الجامعات الليبية.
 التعرف على واقع التحديات التي واجهت علم الاجتماع في الجامعات الليبية.
 إبراز الحاجة لوجود نموذج معرفي أو إرشادي في تشخيص وفهم الحراك المجتمعي 2011م
 اقتراح بعض التوصيات.
كما تسعى هذه المداخلة إلى طرح عدد من تساؤلات، هي :
 هل تشكل مسألة إرساء دعائم الحرية والديمقراطية في المجتمع الليبي في مرحلة ما بعد الحراك المجتمعي 2011م، فرصة لتوطن الإنتاج المعرفي، وترسخيها في أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية؟ وبعبارة أخرى، هل ستشكل تلك الأحداث والتغييرات أرضية للبُحاث في أقسام علم الاجتماع في إمكان التنظير من خلال السعى لبناء مفاهيم ذات علاقة بطبيعة تلك التغييرات، وبالتالي ربما تساعد على تحريك المياه الراكدة التي كان يسبح فيها علم الاجتماع لسنوات، خاصة في الجامعات الليبية؟ وبالتالي هل ستشكل مـعرفة وتبيان أسباب وقوانين تلك التغييرات فرصة للسعى للقيام بمراجعة نقدية وتقويمية لبعض المفاهيم والنظريات الاجتماعية التي تُدرس في أقسام علم الاجتماع؟
 هل سيقـوم علم الاجتماع لدينا بالدور المماثل والمشابه لما قام به في المجتمع الغربي، خاصة بعد التغييرات الحاصلة في المنطقة العربية أواخر 2010م وبدايات العام 2011م ؟
 ألا يحتاج علم الاجتماع في الجامعات الليبية إلى قراءة تقويمية لمعرفة مواطن ضعفه، وإحباطاته، وأخطاءه، بغية التخلص من الرواسب السلبية الماضية، والكشف عن أصولها، وبيان طبيعتها والظروف التي أنتجتها، ومن ثم القيام بالمعالجات المطلوبة بتصحيح الأخطاء، والتخلص من الإحباطات، ليتم بعد ذلك إعادة تعريفه وتجديده؛ ليكون محفزًا على الإبداع والابتكار؟
 هل يصل الأمر بنا إلى تأسيس علم اجتماع جديد، له علاقة بالتغييرات الحاصلة في المنطقة العربية بشكل عام منذ أواخر 2010م وبدايات العام 2011م ؟
كما إن معالجتنا لهذه التساؤلات ستقوم من خلال تقسيم هذه المداخلة إلى ثلاثة محددات أساسية، - والتي نريد من خلالها تأطير معالجتنا لتلك التساؤلات، والمحددات- هي:
 المحدد الأول : تاريخ علم الاجتماع في الجامعات الليبية.
 المحدد الثاني : أهم مشاكل وتحديات أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية
 المحدد الثالث : علم الاجتماع والحراك المجتمعي في ليبيا 2011 م.
 المحدد الأول : علم الاجتماع في الجامعات الليبية.
في الحقيقة تبقى المرحلة التأسيسية الأولى لهذا العلم مبهمة في الجامعات الليبية، وذلك لأسباب منها إهمال التاريخ من جانب البُحاث في علم الاجتماع، وأقصد هنا الأساتذة الأوائل، حيث تفتقر كتاباتهم إلى تناول المراحل الأولى لتأسيس علم الاجتماع في ليبيا، إضافة إلى عدم اهتمام جهات الاختصاص بأرشفة وتوثيق أنشطة وبرامج هذا العلم، سواء كانت وزارة التعليم العالي، أم الجامعات، أم أقسام علم الاجتماع نفسها، وبشكل عام، فلقد مضى على نشأة علم الاجتماع في الجامعات الليبية ما يزيد على نصف قرن من الزمان، حيث أصبحت لا تخلو جامعة من الجامعات الليبية من وجود قسم لعلم الاجتماع، بل قد يصل الأمر إلى وجود أكثر من قسم في نفس الجامعة، حيث أصبح انتشار أقسام علم الاجتماع كانتشار النار في الهشيم، فأصبحت لا توجد جامعة إلا وتحتوى على قسم أو أكثر من أقسام علم الاجتماع، والعدد في زيادة، وهذا مؤشر قد لا يعني أن علم الاجتماع يلقي قبولاً أو أنه بخير، إنما قد يعني العكس، كما أن هذه الزيادة في أقسام علم الاجتماع ليست مؤشراً لاتساع نطاق التخصص لهذا العلم، أو لبروز أهميته في المجتمع، وعلاقته بسوق العمل، ومن ثم فالسؤال المطروح: لماذا هذه التوسع في انتشار أقسام علم الاجتماع ؟ وهل المجتمع بحاجة إلى هذا الكم الهائل من أقسام علم الاجتماع؟ بمعني آخر: هل ممكن أن تكون هناك حاجة كبيرة لخريجي علم الاجتماع في الوقت الذي تتزايد فيه إعداد العاطلين عن العمل من خريجي علم الاجتماع ؟
وبشكل عام يمكن رصد بعض الملاحظات على نشوء أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية، في النقاط التالية:
1. ضعف التوثيق العلمي لجُلّ أنشطة وأعمال علم الاجتماع في الجامعات الليبية، مما يعني ضعف ذاكرة الماضي بما تحمله من وثائق ومعلومات وأدلة تساعد على عمليات النقد، والكشف عن مكنون المشاكل والتحديات التي تواجه هذا العلم؛ بغية تحديد القواعد الإبستمولوجية التي تحكم بناء الممارسة السوسيولوجية في أقسام علم الاجتماع، وصولاً إلى استنتاج المعارف التي قد تساعد على حلها أو تجاوزها، ولئن كان التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، فهو عند ابن خلدون" في باطنه نظر وتحقيق"، فهي أقرب إلى عائمات جليد، طرفها ظاهر فوق الماء، وكتلتها الرئيسة تحت سطحه، ومن يريد استكشافها وفهمها عليه بالغوص والبحث، لذا يتوجب على الباحث في علم الاجتماع أن يهتم بالتاريخ كي يفسر به الحاضر، ويتنبأ بالمستقبل، إلا أن ذلك لم يتأصل في واقع الممارسة السيوسيولوجية داخل أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية التي افتقرت إلى عملية توثيق تلك الممارسات، وأعتقد بأن موضوع البحث عن تاريخ وواقع الممارسة السوسيولوجية في أقسام علم الاجتماع بالجامعات الليبية، من الموضوعات الجديرة بالاهتمام من قبل الأساتذة والباحثين، حيث يصلح أن يكون موضوعًا لرسالة ماجستير، لما يكتنفه من غموض في الكثير من نواحيه، لذلك يحتاج إلى البحث والدراسة.
2. كان التأسيس الأوّل لأقسام علم الاجتماع في الجامعة الليبية وفْقًا لرؤية واضحة، فكان هناك معايير في اختيار الكادر التدريسي، إضافة إلى وجود أسس علمية وفنية في تنفيذ تلك الرؤية والأهداف، وذلك من خلال إشراك الأساتذة والطلبة في مجموعات عمل، وبرامج تدريبية مصاحبة للعلمية التدريسية.
3. عاش علم الاجتماع في مرحلة ما بعد الثمانينيات من القرن الماضي في ظل فوضى متعمدة الإحداث، من خلال عمليات التفكيك وإعادة البناء، حيث كان هناك تخبط وارتجالية في صدور قرارات إلغاء، أو تفكيك بعض الكليات التي تضم أقسام علم الاجتماع، أو دمجها، وبعد فترة من الزمن يتم إعادة تشكليها مرة أخرى، دون وجود إطار علمي واضح لتلك العمليات، وفي الحقيقة مع عمليات تفكيك أقسام علم الاجتماع، ومن ثم إعادة بنائها من جديد تبدأ تلك الأقسام بداية علمية جديدة، ليس لها علاقة بالمرحلة السابقة، وهنا تستحضرني مقولة ابن خلدون حين قال: " إذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث". وربما كان هذا هو المقصود من ذلك !
4. شكل قسم علم الاجتماع بجامعتي طرابلس وبنغازي النواة الأولى لتشكيل أقسام علم الاجتماع في كل الجامعات الليبية.
5. عاشت جُلّ أقسام علم الاجتماع في حالة عدم الاستقرار الإداري، والأكاديمي، خاصة في جامعة " طرابلس ، حيث كانت دائمًا معرضة للتغيير دون مبررات حقيقية، وهذا آتٍ من ردود أفعال النظام السياسي تجاه بعض الجامعات، أو الكليات، وأحيانًا أخرى تجاه بعض الأساتذة.
6. أصبح هناك تخبط وعشوائية في تأسيس أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية، دون مراعاة لاحتياجات المجتمع، والتنمية، وسوق العمل، كما لم تتوفر الإمكانات المادية والبشرية لكثير من تلك الأقسام، كالمباني التعليمية الجيدة ، وتوافر أعضاء هيئة التدريس ذوو كفايات.
7. سطوة النظام السياسي السابق، وفرض نمط تفكيره على أقسام علم الاجتماع من خلال قيامه بوضع نموذج نظري لتوجهاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث أصبحت بمثابة خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، فكان لها التأثير السلبي على عمليات تفعيل دور ووظائف علم الاجتماع وقدرته على النقد والتفكير والابتكار والاكتشاف، ومن ثم على عملية إنتاج المعرفة.
8. يمكن تصنيف مستويات الإنتاج المعرفي لأساتذة علم الاجتماع في الجامعات الليبية إلى التالي :
 النوع الأول : وهو الإنتاج المعرفي الذي له علاقة بمشاريع تخرج الطلبة، سواء كانت دراسات حقلية، أم نظرية، حيث كان هذ الإنتاج المعرفي يتمتع بدرجة عالية من المهنية، خاصة فيما يتعلق باتباع مناهج البحث، وآليات واضحة في اختيار الموضوعات، وكذلك آليات المتابعة والتقييم، خاصة في مراحل التأسيس الأولى، ولكن الأمر ازداد سوءاً لهذا النوع من الإنتاج، خاصة في مرحلة نهاية الثمانينيات وما بعدها، حيث أصبح بعض هذا الإنتاج لا يتمتع بالمصداقية السابقة، حيث يفتقر البعض منها إلى اتباع مناهج بحث، إضافة إلى انعدام آليات التقييم.
 النوع الثاني : وهذا الإنتاج المعرفي له علاقة بمخرجات برامج الدراسات العليا من رسائل الماجستير أو أطاريح الدكتوراه ، وهذا النوع من الإنتاج يعتبر أكثر اتباعًا لمناهج وخطوات البحث العلمي، لكنه يفتقر إلى آليات واضحة في اختيار الموضوعات البحثية، و دليل أولويات البحث العلمي، كذلك لا توجد آليات واضحة بخصوص اختيار لجان التقييم، كما يتميز هذا النوع من الإنتاج بإمكان حصره وتصنيفه، حيث تحتفظ الجامعات ببليوجرافيا أو ببيانات تحتوي على عناوين تلك الرسائل والأطاريح.
 النوع الثالث : وهو الإنتاج المعرفي المرتبط بالترقيات العلمية، وهو عبارة عن البحوث أو الدراسات أو الكتب المنهجية المعتمدة من قبل القسم، والتي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس بأقسام علم الاجتماع بغية حصولهم على ترقيات علمية، حيث توجد لوائح تنظم آليات التقديم والتقييم، لكن لا توجد آليات واضحة بخصوص أولويات البحث العلمي، كما أن جُل هذا النوع من الإنتاج المعرفي يتم نشره في مجلات علمية محلية، دون أن يتم اشتراط النشر الإقليمي أو الدولي، حيث يفتقر هذا الإنتاج إلى عدم إمكان حصره لأسباب لها علاقة بتنوع وتعدد مصادر النشر، خاصة المجلات العلمية المحلية، التي أصبحت تعج بها كل الجامعات.
 النوع الرابع : وهو الإنتاج المعرفي الذي يقوم به أساتذة بأقسام علم الاجتماع بشكل فردي، بناءً على طلب من بعض الوزارات، مثل: وزارة التعليم، أو وزارة التخطيط، أو وزارة الشباب، أو وزارة الشؤون الاجتماعية، أو وزارة الإسكان، أو مجلس التخطيط الوطني، وهذا النوع من الإنتاج في العادة تقوم الجهة طالبة الإنتاج بالاحتفاظ به على هيئة تقارير أو دراسات محدودة التداول، أو يتم نشره، كما تفتقر هذه الدراسات أو التقارير إلى الإشارة إلى الفريق البحثي الذي قام بإعداده، ومن ثم فإنه من الصعب تحديده وحصره.
 النوع الخامس : هذا الإنتاج المعرفي الذي يتم بناءً على وجود أدلة تصدر عن جهات حكومية عن أهم الموضوعات المراد البحث فيها، أو ما يُسمى بأولويات البحث العلمي، حيث تصدر تلك الأدلة عن بعض المراكز والهيئات البحثية الحكومية، مثل هيئة البحث العلمي، أو معهد الإنماء العربي "سابقًا"، أو قيام الباحث بتقديم مقترح بحثي إلى بعض المؤسسات المتربطة بأفكار وتصورات النظام السياسي السابق، مع التزام الباحث بإبراز أهمية النظرية الثالثة في ذلك الانتاج، وأهم تلك المؤسسات هي المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر" سابقا"، أو أكاديمية الفكر الجماهيري" سابقا"، كما تقدم هذه الهيئات والمؤسسات بشكل عام الدعم والتمويل للأساتذة الراغبين في التقديم، وهذا النوع من الإنتاج في العادة تقوم الجهة الداعمة بنشر الإنتاج العلمي على هيئة كتب أو دراسات تنشر باسمها، كما يتم الإشارة فيها إلى القائمين بذلك الإنتاج، وهذا الإنتاج يصعب حصره، خاصة منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، وأكاديمية الفكر الجماهيري نتيجة لحالات التدمير التي أصابتهما بعد الحراك المجتمعي2011م، كما أصبح جل البُحاث يتحاشون حالًيا ذكر إنتاجهم المعرفي المرتبط بهاتين المؤسستين.
9. كانت هناك نتائج سلبية لتوسع أقسام علم الاجتماع، غير المدروس والمخطط،، منها ما هو متعلق بكفايات أعضاء هيئة التدريس، وإهمال رؤية وأهداف علم الاجتماع، إضافة إلى عدم وضوح مجالات العمل والتوظيف، كذلك هناك التأثير السلبي على إنتاج المعرفة من حيث ضعفها وقلتها، وعدم وجود معايير وشروط محددة لقبول الطلبة في أقسام علم الاجتماع، إضافة إلى عدم مراعاة تنوع المقررات الدراسية بحسب طبيعة كل قسم، واحتياجات المجتمع المحلي والتنمية.
 المحدد الثاني - أهم مشاكل وتحديات أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية:
أعتقد بوجود إدراك من قبل جُلّ المشتغلين في أقسام علم الاجتماع بالجامعات الليبية بأنها مليئة بالمشاكل والتحديات، وأنها تقف حجر عثرة أمام إنتاج المعرفة العلمية، ولكن القلة منهم مهتم بتناول وتحليل تلك المشاكل والتحديات، ولعل أهم من تحدث عن هذه المشاكل والتحديات هو الأستاذ الدكتور/ مصطفي التير، ففي حديثه مع مجلة علوم إنسانية العدد "40" لسنة 2009م، ذكر بأن الإشكال الذي يواجه علم الاجتماع هو طبيعة الحكم المطلق في النظم السياسية في الوطن العربي، كونها لا تسمح بعملية النقد، وأعتقد بأن هذا الموضوع جدير بالاهتمام من قبل أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية، وعمومًا فإنه ليس من المستبهم علينا تحديد أهم تلك المشاكل والتحديات التي تواجه علم الاجتماع، وهي(حسين مرجين، 2015):
 أهم تحدٍ يواجه علم الاجتماع هو الأعداد الكبيرة من أقسام علم الاجتماع في كل الجامعات الليبية، حيث أصبحت أقسام علم الاجتماع متطابقة إلى حد الرتابة، وكأنها مقاس واحد يناسب الجميع، حيث إن ما يحتاجه علم الاجتماع على مستوى كل الجامعات هو أعداد محددة من الطلبة، تكون على دراية مسبقة بماهية هذا العلم والوظائف المرتبطة به، كما تكون محددة مسبقاً من قبل الهيئات البحثية والمؤسسات الرسمية المختلفة، التي تحتاج لمثل هؤلاء الخريجين.
 تأثير طبيعة النظام السياسي السابق على معظم القائمين على هذا العلم ، حيث أصبح جل أعضاء هيئة تدريس عبارة عن معلمين فقط، وابتعدوا عن المهام البحثية إلا في حدود الترقية العلمية، أو إذا ُطلب منهم القيام بذلك، وأتذكر هنا قصتي مع أحد رؤساء أقسام الاجتماع السابقين عندما طلبت منه القيام ببعض الأنشطة والبرامج الداعمة للعملية التعليمية، رجاني بالتوقف عن طلب ذلك، معللاً بأن مهام القسم تنحصر في التدريس فقط، وبشكلٍ عام، فإن اللافت للنظر أن معظم القائمين على هذا العلم لا يتحلون بالقدر المطلوب من وجود رؤى تغييرية حقيقية للمجتمع، فلم تحرك فيهم تلك الرغبة الثورية التي ترتبط عادة بعلم الاجتماع لتناول الواقع وإشكالات المجتمع الليبي، وتشخصيها، وتفسيرها، وربما يرجع ذلك إلى طبيعة الحكم المطلق للنظام السياسي السابق الذي يرفض أي نقد للواقع المجتمعي لا يتماشى مع أطروحاته السياسية .
 من الأسئلة التي لا تزال تُسأل واللافتة للنظر هي عدم معرفة طلبة علم الاجتماع مجالات عمله، حيث كان هناك سؤال يتكرر دائمًا عند الطلبة وهو: ما هي مجالات عمل علم الاجتماع؟ وهذا السؤال تكرر خلال العام الجامعي 2015- 2016م، فعندما قدمنا برنامج اليوم المفتوح في القسم تبين أن جل الطلبة لا يعرفون شيئًا عن مجالات عمل علم الاجتماع، وبالتالي فهم يلتحقون بهذه الأقسام دون دراية، وفهم، لطبيعة هذا العلم والوظائف، والمجالات المرتبطة به، وهذا يعطينا مؤشراً على عجز القائمين على علم الاجتماع عن توضيح وتبسيط ماهية علم الاجتماع، ومن ثم استمرار انعدم وضوح ماهية علم الاجتماع.
 من التحديات التي تواجه علم الاجتماع ما يقدمه لطلبته من خلال المقررات الدراسية، حيث يقوم بعض الأساتذة بتدريس بعض المقررات تجاوز توصيفها العشرات السنوات، لذا أصبحت عملية التعليم مجرد تكرار لمحتويات ذلك التوصيف دون زيادة أو نقصان.
 انشغال جُل أعضاء هيئة التدريس بالعملية التعليمية، حتى أصبحت أقسام علم الاجتماع مجرد ساحات للنقل وتقليد وتكرار لما يدور في الجامعات الأوروبية والأمريكية من مفاهيم، ونظريات، وإشكالات، لها علاقة بخصوصيات تلك المجتمعات، مما أدى بالابتعاد عن سياقات البحث العلمي، وتأصيل وتحليل قضايا المجتمع الليبي المهمة، وبالتالي أصبح الأساتذة المهتمون بقضايا البحث العلمي كوكبة تتكرر في أكثر من عمل أو برنامج، قد يزيدون قليلاً أو ينقصون، ومن ثم كانت تصوراتهم المعرفية تتكرر في بعض تلك البرامج أو الأعمال التي قاموا بإنجازها، فكانت أقرب إلى إعادة صياغة أفكارهم القديمة، ولكن بأسلوب جديد.
 من ضمن التصورات والمنظورات المعرفية التي لم تأخذ حقها من الاهتمام في قسم علم الاجتماع بالشكل المطلوب والمناسب، هو أهمية التأصيل الإسلامي لعلم الاجتماع، واستكشاف مقولات نموذج المجتمع من المصادر الأساسية المتمثلة في الوثائق الأساسية للإسلام "القرآن والسنة"، وفي كتابات المفكرين الإسلاميين، ومحاولة الاستعانة بهذه المبادئ والمقولات في تحليل وتفسير وقائع المجتمع وإشكالاته، كون الدين الاسلامي يُشكل قاعدة دينية للمجتمع الليبي، كما نود التوضيح بأن هذا الابتعاد أصبح من الخطوط الحمراء التي يلتزم بها جل أساتذة علم الاجتماع لتحاشي تناول موضوعات ربما تكون محل خلاف مع أفكار وتصورات النظام السياسي، كما أن دخول النظام السياسي في حالة عداء مع بعض الجماعات الدينية ساهم في ذلك الابتعاد، وحاليًا وبعد الحراك المجتمعي 2011م ، أعتقد بأن العامل الديني سيقدم لنا تصورات معرفية، قد تساعدنا على الوصول إلى وضع تصورات معرفية لبعض السلوكيات المجتمعية، وبالتالي ربما أدى ذلك الإهمال المقصود إلى فهم خاطئ عن طبيعة الإشكالات المجتمعية، كما نشأ عنها في بعض الأحيان تفسيرات ذاتية، أو تصورات ذات علاقة بنظريات غربية لا تطابق الواقع، ولعل أهم تلك التصورات المعرفية هي أهمية قاعدة الجمع بين القراءتين(الوحي والكون)، وأهمية المقاصد الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في الواقع المعاش.
 ساهمت بعض الدراسات والأطاريح في تجريد علم الاجتماع من ثوريته، وقدرته على تشخيص وفهم وتفسير الواقع المجتمعي، ومن ثم تحويله إلى مجرد أرقام وإحصاءات، حيث اتسمت نتائج تلك الدراسات كونها مجرد أرقام وجداول وإحصاءات، دون تلك القدرة على التشخيص والفهم والتفسير، حيث تتوقف تلك القدرة على حرية التفكير والتعبير المسموح بها لفهم الواقع، وكشف جذوره وعلاقاته التاريخية والبنوية، ومن ثم أصبح جل البحاث والأساتذة يركزون في دراساتهم على الأرقام والإحصاءات لعلها تقول شيئاً عن المكنون، لم يجرؤ على البوح به، أو التعبير عنه.
 بالرغم من إنجاز المئات من الدراسات، والبحوث، ورسائل الماجستير، وأطاريح الدكتوراه، في أقسام علم الاجتماع، إلا أن ذلك لم يتمخض عنه إنتاج نموذج إرشادي، وطريقة بحث تتلاءم مع خصوصية المجتمع الليبي تكون أكثر فاعلية، ولها علاقة بطبيعة الحياة الاجتماعية في ليبيا، وتكون لها أيضاً أهداف وإستراتيجيات واضحة لمعالجتها، وحلها في إطار تلك الخصوصية، هذا إضافة إلى إصباغ تلك الدراسات والبحوث بمفاهيم لها علاقة بطبيعة المجتمعات الغربية، لذا يمكن القول أن نتائج تلك الدراسات مهما كانت دقتها إلا أن إنتاجها تم في نطاق تصورات معرفية ذات علاقة بالمجتمعات الغربية، وهي بهذا تكون قد أغفلت عوامل أو معطيات مهمة وجوهرية من العوامل المؤثرة والفاعلة في المجتمع، وكذلك ربما تكون هذه التصورات والتحليلات مغتربة عن الواقع المُعاش.
 مع وجود بعض الاستثناءات، فهناك ضعف في إنتاج المعرفة العلمية من قبل أساتذة علم الاجتماع بالجامعات الليبية، كذلك هناك نقص في نوعية الأبحاث والمقالات المتميزة، حيث اقتصر جُل الأساتذة على نشر أبحاثهم أو مقالاتهم العلمية في مجلات علمية محلية، والابتعاد عن النشر الإقليمي أو الدولي.
 لم يستطع أساتذة علم الاجتماع الأوئل تأصيل مبدأ قبول النقد، والاختلاف في جل ممارساتهم، وأنشطتهم العلمية، حتى على مستوى تبادل الأفكار، والمقالات العلمية، والأمثلـة على ذلك عديدة، ومن ثم تفتقد جل أقسام علم الاجتماع إلى وجود برامج أو أنشطة تشجـع على طرح وتأصيل مبدأ النقد والاختلاف، وربما ذلك متأتٍ من التأثر بطبيعة النظام السياسي الرافـض لهذه الخاصية، كما ساهم في تأصيل رفض النقد والاختلاف وجود الانقسام ما بين أساتذة علم الاجتماع ،حيث أصبح هذا التوجه- وهو عدم قبول النقد والاختلاف - يشكل قاعدة أساسية، تقوم عليها جل أعمال وأنشطة أساتذة علم الاجتماع، حيث يتضح لنا أن ثمة علاقة وثيقة بين عدم قبول النقد والاختلاف، والأعمال والأنشطة التى يُشارك فيها أساتذة علم اجتماع، فتجد مثلًا: بعض الأساتذة الذين يمثلون اتجاهًا معين تتكرر أعمالهم المشتركة من دراسات، أو بحوث، أو كتب مشتركة، أو لجان تقييم لرسائل الماجستير، أوأطاريح الدكتوراه، دون مشاركة غيرهم من الأساتذة.
 يجب أن نصارح بقيام بعض الأساتذة بتوظيف علم الاجتماع في خدمة قضاياهم الشخصية، والابتعاد والهروب به بعيدًا عن هموم وقضايا الوطن، من خلال قيامهم بتحديد الوظائف التي يقومون بها واحتياجاتهم لتنفيذ تلك الوظائف، ومن ثم الابتعاد عن إشكالات وقضايا المجتمع الحقيقة.
 وجود أغلبية صامتة من أساتذة علم الاجتماع، تملكتهم مشاعر الخوف من النظام السياسي السابق، وربما كان شعارهم: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، لا أكتب، حيث تمثل دورهم السلبي في النأي بأنفسهم وتنصلهم عن طرح وتناول قضايا الواقع المجتمعي المعاش، حيث أصبحوا حبيسي قاعات التدريس، أو بعض الأنشطة المحددة بأعمال الترقيات العلمية، أو نشر الكتب المنهجية.
 غياب مراكز بحثية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، سواء التابعة للجامعات، أو المستقلة، ويأتي هذا الغياب المقصود من قبل النظام السياسي السابق كون تلك المراكز البحثية ربما ستسلط الضوء على جوانب الضعف في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وكذلك على مكامن الخلل في السياسات التنموية الجاري اتباعها، وبالتالي ربما أيضًا ستطرح مباشرة وسائل الإصلاح والتطوير للخروج من ذلك الضعف أو الخلل، وهذا يتعارض مع طبيعة الحكم المطلق للنظام السياسي السابق الرافض لأيّ نقد موجه إلى ذات النظام.
وخلاصة ما سبق، فلا شك أن المشاكل والتحديات يرين على جل أقسام علم الاجتماع، كما أنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث والنقاش المعمق والموسع، وتصلح أن تكون مجالاً للدراسة والبحث لطلبة الدراسات العليا، وربما يحتاج الأمر أيضاً إلى عقد مؤتمر وطني للمشتغلين والبُحاث في علم الاجتماع في الجامعات الليبية، لتناول تلك المشاكل والتحديات؛ بغية الخروج بمعالجات لها، كما يتطلب الأمر مع تزايد أقسام علم الاجتماع إلى تشكيل جمعية أو شبكة ليبية لعلم الاجتماع، تكون إطارًا وطنيًا، ومرجعية في عمليات تطوير علم الاجتماع على المستويين النظري والمنهجي.
 المحدد الثالث - عـلم الاجتماع في ليبيا والتغيير المجتمعي العام 2011م:
بالرغم من مرور أكثر من خمسة سنوات من عمر الحراك المجتمعي في ليبيا ، فإنه ما كُتب عنه من قبل أساتذة علم الاجتماع لا يُشكل إلا النزر القليل، ومن ثم هناك سؤال موجه إلى أساتذة علم الاجتماع في الجامعات الليبية : أين الإنتاج العلمي فيما يتعلق بالمقاربات السوسيولوجية بتشخيص وتفسير الواقع المجتمعي المعاش؟
ألم ندعي بأهمية هذا العلم الساعي نحو تطوير وتحسين المجتمع، من خلال التشخيص والفهم والتفسير لمشاكله ومن ثم معالجتها، حتى اسميناه بعلم الأمراض الاجتماعية، أم إن علم الاجتماع في الجامعات الليبية لا يزال يعيش في حالة المتفرج العاجز عن الفهم والتشخيص والتفسير، أم أننا في انتظار ما تنتجه لنا الجامعات الغربية من لُقاحات اجتماعية؛ لنعاود ترجمتها أو استنباتها في بيئة مجتمعنا ؟ لنعاود مرة أخرى ونكرر طرح السؤال القديم الجديد: هل يستطيع المجتمع أنْ يعيش ويزدَهِر بدون علماء اجتماع؟
وفي الحقيقة فإنه يُعاب على أعضاء هيئة التدريس بأقسام علم الاجتماع ابتعادهم عن فهم وتشخيص وتفسير التغيير المجتمعي الحاصل في ليبيا ، حيث جعلت منه عند البعض مجرد تدخل خارجي ومؤامرات أجنبية، كما أن غياب الفكر جعل الحراك المجتمعي عند البعض الآخر مجرد تمرد أو خروج عن الحاكم وانفعال وعنف شعبي بدون نتيجة سوى الدمار وخراب للبلاد، بالرغم من كون الثورة الفرنسية 1789م، كانت رغم عنفها كانت ثرية بالمفكرين الذين صنعوا من الفعل الشعبي حدثاً مفصلياً في تاريخ أوروبا، حيث أعتقد أنه لولا أفكار مفكرين أمثال جان جاك روسو، الذي ركز على الحرية والمساواة، وشارل مونتسكيو، الذي طالب بفصل السلطات، وفرنسوا فولتير، الذي انتقد التفاوت الطبقي، ما كان للثورة الفرنسية أن تشتعل.
وبالرغم من كل ذلك، فإننا أمام ظاهرة اجتماعية – سياسية – تستوجب وتستحق التشخيص والتدقيق، كما أنها لا تحتاج فقط إلى إعمال الفكر والتأمل العميق، إنما هي في حاجة إلى وجود نموذج إرشادي تتحدد من خلاله المنطلقات الفلسفية والمنهجية، كما تحتاج أيضًا إلى إيجاد علاقة ديالكتيكية ما بين ذلك الفكر والمنطلقات الفلسفية؛ كي تقود الباحث وتوجه تفكيره، وبالتالي يتوجب علينا إدراك أن علم الاجتماع التجديدي لا يمكن أن يقوم أو ينهض في إطار القوالب السابقة، أو تقليد نظريات ناجحة في مجتمعات أخرى، ولكن يمكن الاستفادة من تلك النظريات الجيدة وتطويعها ومواءمتها بما يتفق مع خصوصية ومتطلبات المجتمع العربي- الليبي ، مع ضرورة التشجيع على إعمال الفكر والتأمل العميق؛ كي نستطيع الانتقال بعلم الاجتماع من الاستنبات إلى التأصيل، وبالتالي كيف يمكن الوصول إلى ما نصبو إليه من نهوض وتطوير لعلم الاجتماع؟ وللجواب عن هذا السؤال، نحتاج أولاً: إلى إحداث تغيير في أدوات التفكير، ثانياً: تغيير أدوات التقييم؛ وثالثا: الحاجة لوجود بُحاث من طراز معين.
إذن نرجو من القارئ أن يمعن التفكير جيدًا بأن هناك حاجة ماسة إلى علم اجتماع يتميز بالسمات التالية ( حسين مرجين ، 2015) :
 الفاحص والمتأمل في الظواهر الاجتماعية.
 البعد عن القوالب الجامدة والمتكررة والتحليلات الانطباعية الجزئية والنماذج التفسيرية المنغلقة على اللحظة.
 الحاجة إلى البحث، وإنتاج مفاهيم سوسيولوجية أصيلة لها علاقة مباشرة بالحياة الاجتماعية بالمجتمع العربي.
 إمكان التنظير، وبناء مفاهيم ذات علاقة بطبيعة المجتمع العربي الإسلامي، ومن ثم يمكن تطوير علم الاجتماع.
 الابتعاد عن تأليه أفكار بعض أعضاء هيئة التدريس، حيث لاحظتُ بوجود نوع من التأليه لأفكار بعض أعضاء هيئة التدريس، فعندما يقوم أحد أعضاء هيئة التدريس بنقد فكرة ما، قام بطرحها عضو هيئة تدريس ممن يُصنفون بكونهم الآباء الشرعيين لعلم الاجتماع، تواجهك اتهامات من كل حَدَب وصوب، أقلها توجيه لوم قاسٍ من خلال توجيه تساؤل يتمحور حول: من أنت لتقوم بهذا النقد؟! فهذا النقد مرفوض وغير مرغوب.
 الحاجة إلى انفتاح علم الاجتماع على من هم خارج التخصص، ففي ظل عصر المعلوماتية ومجتمع المعرفة أصبح هناك تنامٍ هائل لإنتاج المعارف، حتى وصل الأمر إلى ما يعرف بـ الثورة المعرفية أو الانفجار المعرفي من خلال الإدماج والتكامل ما بين العلوم، حيث أصبح تقدم أي مجتمع مرتبطاً أساساً بالقدرة على استخدام المعرفة، كما أن المعرفة بالتخصص وحدها أصبحت غير كافية، كونّ الحقائق العلمية متصلة ببعضها، وبالرغم من ذلك كله إلا أن علم الاجتماع لا يزال يصنف من ضمن العلوم المتخصصة، وليس علماً عاماً، مما أضعف إثراءه الفكري والمعرفي وتعميقه من خارج التخصص الدقيق، خاصة مع تزايد الوعي المجتمعي بأهمية علم الاجتماع، ودوره في عمليات الفهم، والتفسير، والتنبؤ، بالظواهر الاجتماعية، حيث أصبح دور الباحث الاجتماعي يناط بالعديد من الكتاب غير المتخصصين، الذين يقومون بعملية النقد المجتمعي، إضافة إلى دور وسائل الإعلام والصحف وشبكات التواصل الاجتماعي، كما أن الإعلام بوسائله الحديثة وبرامجه المتنوعة أصبح يصدر تصورات وأفكاراً ومبادئ، تعمل على إحداث تغيير مقصود في المجتمع.
 الحاجة إلى وجود كتب في علم الاجتماع لها القدرة على مخاطبة أفراد المجتمع بوضوح بشكل عام، وليس موجهة للمتخصصين من الأكاديميين، كما هو موجود حالياً، فحياة الفرد أصبحت تتصف بالتعقيد بسبب تداعيات تأثير التقنية والرفاهية والتصنيع عليها بدرجات كبيرة، كما أصبح الفرد يتعامل في حياته اليومية مع عناصر متنوعة، منها الاجتماعية والنفسية والجغرافية والطبية ...إلخ، وهكذا يستطيع علم الاجتماع تقديم مفاهيم ونظريات مبسطة ودراسات ميدانية، تكشف حقيقة الواقع، وتساهم في النمو الاقتصادي، والتنمية، وتحسين مستوى المعيشة، إضافة إلى تقديم النصح لأفراد المجتمع، ولراسمي السياسات، ومتخذي القرار بشكل خاص حول تصور بدائل للواقع، كما سيساهم علم الاجتماع في مساعدة الفرد على التكيف الاجتماعي في ظل عالم مشحون بالتوترات والتناقضات وسرعة التغير، ويمنحه الثقة في نفسه، وفي مجتمعه، وقيمه، ويساعده في تطوير ذاته، كما يساهم فكريًا في مواجهة المشكلات بواقعية، فأفراد المجتمع لا يهتمون بالنواحي المنهجية أو النظرية التي يهتم بها أساتذة علم الاجتماع، فالمهم لديهم كيفية حل مشاكلهم، وتقليل الفجوة مع محيطهم المجتمعي، حيث بالإمكان مثلًا : إعداد برامج ودورات تدريبية خاصة لغير المتخصصين في علم الاجتماع، وهي دورات يكون هدفها نشر ثقافة علم الاجتماع، وإيضاح دوره وأهدافه في المجتمع، حيث استطاعت بعض العلوم مخاطبة أفراد المجتمع بمثل هذه البرامج، فكانت مثلًا : محاسبة لغير المحاسبين، أو أحصاءً لغير الأحصائيين، كذلك الأمر بالنسبة لعلوم الحاسب الآلي، حيث تم تبسيط وتسهيل علوم الحاسب الآلي، وأصبحت هناك دورات تُعطى على هيئة شهادة، تسمي رخصة الدولية لقيادة الحاسوب، وبالتالي يمكن تبني أيضًا هذه الفكرة، ويتم أعطاء شهادة في علم الاجتماع تحت تسمية معينة.
 خروج علم الاجتماع من أسوار قاعات التدريس إلى المجتمع، والقيام بدوره المناط به، من خلال المساهمة في دراسة وفهم الظواهر الاجتماعية، وتفسيرها، والتنبؤ بها، خاصة تلك التي برزت بعد الحراك المجتمعي منذ أواخر 2010م، والتي لا يزال يتخبط فيها المجتمع، ويسعى لحلها، إضافة إلى متابعة المشكلات التي قد تطرأ على المجتمع نتيجةً لتداعيات ذلك الحراك، والسعي لدراستها وتحليلها، ومعرفة آثارها ومسبباتها، وطرق الحد منها، مثل: تزايد العنف بين الشباب، وانتشار السلاح، وانتشار الحبوب المخدرة، والهجرة غير الشرعية، والتسرب من التعليم، وتعطيل مؤسسات الدولة، والفساد الإداري والمالي، والغش في الامتحانات، وكثرة حالات التزوير في مستندات الدولة، والتعدي على ممتلكات الدولة، والاعتصامات في مؤسسات الدولة، ودور القبائل في المجتمع، والمصالحة الوطنية ...إلخ.
 هناك حاجة إلى فروع جديدة لعلم الاجتماع يحتاجها المجتمع، وسوق العمل، مثل علم اجتماع المستقبل، والثقافة، والأخلاق، والإعلام ووسائل الاتصال، والتطرف، ونحوها من فروع علم الاجتماع، التي تحتاج لا أن يكون "المعلم" أو الأستاذ تقليدياً مجرد ناقلاً ومحفظاً للمعلومات، إنما يقوم بتنمية القدرات الإبداعية وتوظيف مهارات تفكير الناقد والإبداعي، ليصبح بذلك علم الاجتماع عبارة عن تدريبٍ وممارسة بحثية، وتعلم مهارات، فهذه الاهتمامات هي التي تجعل منه علماً واقعياً يلامس الحياة الاجتماعية، ويؤدي دوره الفكري والتنموي الذي أسس من أجله، ومن ناحية المسؤولية الاجتماعية، يمكن أن ينفتح علم الاجتماع على المجتمع، ويشارك أفراده المعرفة بتنفيذ دورات ومحاضرات ومجلات غير محكمة، وتبسيط النظريات، وإعداد برامج تفاعلية عبر التقنية ووسائل الاتصال، فغالبية كتب تطوير الذات، أو ما يُسمى بالتنمية البشرية، إنما هي في الأصل نظريات اجتماعية مبسطة.
ولتطوير هذه الأفكار وقراءتها قراءة صحيحة، قراءةً تقلل من عمليات القفز الضفدعي، أعتقد بأن هناك حاجة إلى وقفة للتدبر في واقع علم الاجتماع في الجامعات الليبية، كما أن بذور الحل تكمن في تبني رؤية جديدة لعلم الاجتماع، ومن ثم يكمن تصحيح المسار، وتحديد مواطن الخلل، والعمل على تلافي أسبابها باتخاذ إجراءات التصحيح المناسبة، ومواجهتها بالأسلوب الملائم من خلال التفكير والرؤية النقدية التقويمية لوظيفة علم الاجتماع، وأخيراً نختم هذه المداخلة بتساؤل، وربما يُشكل تحدٍ، نأمل الوقوف عنده، وهو تكرار التساؤل السابق، ولكن بصيغة تحفيزية، وهو: هل سيقـوم علم الاجتماع لدينا بالدور المماثل والمشابه لما قام به في أوروبا، خاصة بعد التغييرات الحاصلة في المنطقة العربية- والليبية أواخر 2011م ؟ سؤال أو تحدٍ لا يحتاج إلى إجابة، بل إلى وقفة وتدبر مع الذات لضمان علم اجتماع عربي –ذي أهمية.
أهم المراجع :
1- حسين مرجين ، العلاقات البينية بين علم الاجتماع وعلم الحاسب الآلي ، المؤتمر الدولي الثالث لكلية الآداب ، جامعة السلطان قابوس ، 2015م