حول التكامل العربي: الاقتصاد ضحية السياسة، ولكن السياسة هي الحل..!

محمد عبد الشفيع عيسى
2018 / 10 / 12

أن ما قد يبدو الآن من تباعد نسبيّ ظاهر بين المشرق و المغرب العربيين، وبين كل دولة عربية والأخرى، سواء في المجال الثقافي أم في الاقتصادي، هو أمر طارئ تاريخيا إلى حد بعيد.
في العصر القديم، توفرت في المنطقة المعتبرة عربية الآن، وشائج عديدة ذات قوة نسبية تربط بين الساكنة فيها، بين بلدان الشرق العربي الحالي وبعضها البعض، في حقب ما يمكن تسميته "قبل الإسلام"، تجاريا ولغويا-ثقافيا، وحربيا أيضا، كما بين الشام و اليمن عبر منطقة شبه الجزيرة والخليج الحالية، وبين العراق وفلسطين عبر سوريا، وكذا بين مصر وسائر الشرق حتى آسيا الوسطى، و بينها وبين جوارها من الغرب –عبر لوبيا- ولو من خلال أحد ملوكها القادمين منها-شيشنق. ونذكر أيضا العلاقات بين ىمصر وسائر البلدان الإفريقية (الزنجية) المجاورة ضمن الرقعة العربية الحالية، انطلاقا من طيبة والنوبة وبلاد "بونت" (الصومال الحالية). كذلك كان الحال في العلاقات بين المشرق والمغرب الحاليين ككل، من خلال تأسيس الفينيقيين على الساحل السوري-اللبناني الحالي لامبراطورية قرطاجنة-ومركزها تونس الحالية. و قد كانت الوشائج التجارية واللغوية وغيرها بين بلدان "الوطن العربي" الحالي وبعضها البعض، مشرقا ومغربا، بلغة الآن، أو آسيويا-إفريقيا، هي من القوة النسبية بحيث أمكن للبعض أن يدّعي بطلان القسمة الثنائية الشهيرة (سامي/حامي) ليرجح تكوّن منطقة حضارية مبتدئة أمكن أن يطلق عليها (أفريقاسيا). وتوطدت العلاقات تلك كلها تحت حكم الإغريق، والبطالمة، والرومان و البيزنطيين، بمدد من روح المسيح أخيرا، ولو على خلاف عقائدي في ذلك، كما بين روما والإسكندرية، حتى الفتح الإسلامي الكبير.
بعد الفتوح، و خلال العصر الوسيط الإسلامي، عبر "الخلافة الراشدة" انطلاقاً إلى الدولة الأموية والعباسية والفاطمية وما تلاها من دول ودويلات مشرقاً ومغرباً، فإن الرقعة االشاسعة للعالم الإسلامي، و خاصة فيما يطلق عليه الآن "الوطن العربي"، كما أشرنا، غدت تمثل ما يمكن اعتباره منطقة حضارية مشتركة، انصهرت فيها مكوناتها البشرية والحضارية السابقة دون أن تفقد مميزاتها في إطار "الكل" الجديد. كانت معالم الإبداع الحضارى شاملة للمجالين "المادى" و "اللامادى". في المجال المادي نشأت "حياة اقتصادية مشتركة" –وفق مقاييس العصر السالف-على أساس المبادلات التجارية المختلطة، من ناحية أولى ، وعلى أساس اداء دور الوسيط التجارى العالمى بين "آسيا البعيدة" و إفريقيا حتى الساحل المتوسّطي في الجنوب والشمال.
عبر الرقعة العربية-الإسلامية كان هناك إذن تطور اقتصادى-تجارى مشترك، انطلاقاً من تقدم نسبى لقوى الإنتاج الزراعى والرعوى والحرفى. و قد امتدّ الإنجاز الحضارى لعدة قرون منذ السابع المبلادى، حتى حدث اختراق أجنبى صاعق من أبرز علاماته إسقاط المغول لعاصمة الدولة العباسية بغداد عام 1258. مُذْ ذاك أعقب الازدهار الحضارى حقبة ممتدة للركود الحضارى عبر قرون عدّة، لم تنقطع خلالها الصلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بي المشارق والمغارب، كما يتضح من أعمال الرحّالة و انتقالات الحجيج من المغارب إلى الاسكندرية فالقاهرة حيث "المحمل" او نقل "كسوة الكعبة المشرفة" إلى مكة ثم يثرب-المدينة.
ولكن مع مجىء الاستعمار الأوروبى الحديث (خاصة البريطانى والفرنسى) خلال القرن التاسع عشر وما بعده، جرت تجزئة المنطقة العربية-الإسلامية وإلحاق كل جزء أو بلد بالمركز الاستعمارى (المتروبول) عبر روابط التبعية الاقتصادية المباشرة، انطلاقاً من علاقة التخصص الإنتاجي (حالة مصر كمزرعة للقطن وتصديره إلى بريطانيا، وحالة الجزائر كمزرعة للكروم لفرنسا). ولم يتغير الوضع كثيراً بعد معارك التحرر واستقلال البلدان العربية عن الدول الاستعمارية.
وبرغم نجاحات الأنظمة "الوطنية" العربية ذات النَّفَس القومي العميق خلال الخمسينات والستينات من القرن المنصرم في تأسيس قواعد تنموية متحررة، فقد بقيت التجزئة والتبعية بشكل أساسى بعد ذلك، على مستوى ما يسمى بالدول القطرية أو (الوطنية)؛ فماذا عن الحاضر؟.
هنا تأتي الفكرة الثانية، وخلاصتها أنه على امتداد مسيرة العمل الاقتصادي العربي المشترك، عقب إقامة "جامعة الدول العربية" عام 1945 ولمدة نحو ثلاثة أرباع القرن حتى الآن، بقيت الآفات الرئيسية المسببة لجمود هذا العمل على حالها تقريبا. ومن ثم لم تزد نسبة التجارة المتبادلة بين الدول العربية وبعضها البعض عن حوالي 10% من إجمالي التجارة الخارجية العربية، رغم كثرة وتنوع الاتفاقات المعقودة في جميع المجالات، من ثنائية أو متعددة الأطراف.
وتجدر الاشارة إلى أنه حتى نسبة الـ 10% تقريبا، الخاصة بالتجارة العربية "البينية"، لم تقمْ على حسابات اقتصادية تنموية من جانب الدول العربية المعنية في الأغلب، وإنما تقوم على حسابات سياسية ظرفية.. ونقصد أن إجراء المعاملات من جانب دولة معينة مع الدولة أو الدول الأخرى –العربية، ومعدل نمو هذه المعاملات، ومستواها، وتركيبتها، تتوقف على مدى توفر "الرغبة" السياسية والثقة في تحقق منفعة جارية من وراء ذلك.
إن ذلك يعني أن "تبادل المنافع السياسية" للدول القائمة كان يسبق في الأولوية دائما "المصالح التنموية المشتركة" والتي هي أوسع وأعمق من مجرد "تبادل المصالح الاقتصادية". أو أن الاعتبار السياسي، فيما يتعلق بحل مشكلات طارئة في هذا البلد أو ذاك Problem-Solving، يسبق الاعتبار التنموي الشامل طويل الأجل. بعبارة اخرى، إن حرص كل دولة عربية على (الوضع القائم) Status Quo و خاصة من الوجهة السياسية، كان أهمّ لديها من إحداث تغيير تنموي شامل.
وفي النهاية، إن الأمر كله لم يخرج عن مجال التجارة. والتجارة هي مبادلة المتوفر لدى الدول من فائض الانتاج المحلي (أو المخصص قصداً للتصدير) مقابل ما تعجز الدولة عن توفيره محلياً. أما تنمية رصيد الدولة من السلع والخدمات، و أما بناء (ثروة الأمم)، فذلك ما يخرج عن طوق التجارة ويدخل في ساحة التنمية، وهو ما لا تتناوله الاتفاقات المنتظمة في سلك (المدخل التجاري). و قد تحاشـــت الدول العربية قدر المستطاع (انزلاق) عملية التكامل إلى الساحة (الخطرة) للتنمية، لأن هذه الساحة تحتمل إقامة صيغة مختلفة ل (تقسيم العمل الانتاجي) أي «توزيع الأدوار» في التخصص السلعي والخدمي بين الدول العربية وفقاً لقاعدة المزايا الديناميكية، النسبية والتنافسية، مقابل الحد من العلاقات الكثيفة القائمة بالفعل حاليا بين كل دولة عربية على حدة وبين الدول الأجنبية، بما فيها الدول الاستعمارية القديمة.
وهكذا فإن تجربة العمل الاقتصادى العربى المشترك تشير إلى أن العلاقات الاقتصادية العربية المتبادلة يحكمها فى المقام الأول العامل السياسى الظرفي، ليس فقط فيما يخص العلاقات الثنائية بين الدول العربية ، ولكن أيضا فيما يخص التجمعات العربية الفرعية التى نشأت خلال العقود الثلاثة الأخيرة .
فيما يخص العلاقات الثنائية وجدنا أمثلة واضحة من العلاقات المتقلّبة بين طرفيْ كل (ثنائى) على حدة، حيث تزدهر "التجارة" إذا ظهر "الضوء الأخضر" من"السياسة"، والعكس صحيح. ولننظر هنا على سبيل المثال إلى ثنائيات: مصر/السودان، سوريا/لبنان، مصر/ليبيا، الجزائر/المغرب، العراق/الكويت، السعودية/قطر ... وهلمّ جرّا. أما على مستوى التجمعات الفرعية فإن العامل السياسى كان السبب الكامن رواء قيام و اندثار، أو تمزّق أو تجمّد تجمعات مثل "مجلس التعاون العربى" الذى قام بين مصر واليمن والأردن والعراق فى 16 فبراير 1989 ليستمر حتى الاجتياح العراقي للكويت في مطلع أغسطس 1990 وتم حله رسميا في الأول من أعسطس 1992، و كذلك "اتحاد المغرب العربى" الذي أعلن قيامه في 19 فبراير 1989 وما زال هيكله المؤسسي قائما حتى الآن دون حراك، بل و "مجلس التعاون الخليجى" الذى هو أقدم التجمعات العربية الفرعية (25 مايو 1981) وأكثرها صموداً حتى الآن، برغم بعض بوادر التصدعات التى قد تهدده الآن على وقع الخلاف بين بعض أعضائه .
وهكذا صار الاقتصاد العربي ضحية "السياسة العربية" على مستواها الضيق من حيث بؤرة الاهتمام "السلطوي" – إن صح التعبير- للحكومات المعنية، و هو "الظرفي" من حيث المدى الزمني المتغير من فترة إلى الأخرى.
وتأتي الفكرة الثالثة التي وضعناها على المحكّ، لنقول إنه لمن الصعوبة بمكان، بل هو من غير الممكن، أن نحقق القفزة المرجوّة لإقامة جماعة عربية تنموية و تكاملية حقا في الإطار الإقليمي والعالمي الراهن والمستقبلي، إلا من خلال قلْب المعادلة، عن طريق تحويل السياسة من عامل مُعيق إلى عامل مساعد او مستجيب. يتحقق ذلك بتوفر الإرادة السياسية التوحيدية لدى النخب العربية، ابتداء من النخب الشابة، ثم ترجمة هذه الإرادة إلى عمل مؤسسي فاعل، ولهذا بالذات حديث آخر.
والمقصود وضع إطار تشريعى و تنظيمى مؤسَّس بقوة وتصميم، لتفعيل العلاقات الاقتصادية العربية، على المستويين الثنائى والجماعى، خاصة الجماعى ، سعيا إلى تعزيز التجارة المدفوعة بعملية خلق أو إنشاء المزايا النسبية والتنافسية الديناميكية للأقطار العربية، والتي تلغي أثر "التنافس" بين الاقتصادات العربية الحالية، وتعزز علاقات "التكامل"عبر الزمن، من خلال آليات مناسبة للدعم والتعويض للأطراف المنخرطة في العلاقات التكاملية المستحدثة. وبذلك يمكن معالجة أثر المصالح القائمة لبعض الجماعات المحلية و التي يمكن أن تقاوم العلاقات العربية المتبادلة الناشئة، لحساب علاقاتها الاقتصادية المترسخة مع الأطراف الأجنبية، عبر الزمن، من خلال أنشطة الاستيراد والتصدير والوكالة والسمسرة و غيرها.
ومن خلال هذه "التجارة المدفوعة بالتنمية المتكاملة"، عبر العمليات الإنتاجية المخططة بعناية من قِبل الجهاز المسئول، يمكن الانتقال بالقطاعين العام والخاص، والمشروعات العربية المشتركة، إلى مراحل متقدمة في العمل الاقتصادي المشترك، و المزج فيما بينها بحصافة في نفس الوقت: الاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة لعوامل الإنتاج، وتنسيق ثم توحيد أُطُر السياسات الاقتصادية المختلفة، بما فيها المالية والنقدية وقضايا العملة، والسياسات الاجتماعية. ومن يدري؟ فقد يمكن في المستقبل إقامة "سوق واحدة" حقا، مصحوبة بسياسة خارجية مشتركة بين الأجزاء العربية، وسياسة دفاعية مشتركة أيضا.!
وهذا هو الطريق إلى التطوير الإنقاذي الحقيقي ل "منطقة التجارة العربية الكبرى" القائمة حاليا عبر خطواتها التأسيسية المتلاحقة (1982-1997-2000-2005) وذلك بجعلها منطقة للتكامل الإنتاجي أيضا."
و في كلمة، إنه من خلال التفعيل الإرادي المؤسِّس لعملية التكامل، و المدفوع ب "سياسة" من جوهر جديد؛ يمكن الانتقال إلى بناء جماعة اقتصادية عربية تمهّد لكيان عربى توحيدى فى مستقبل الزمان .