لكل زمان فلسفته .

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 10 / 5

يبدو أن لكل زمان فلسفته وهذا ما يؤكد لنا أن الفلسفة ابنةُ بيئتها ومتأثرة بظروف المجتمع الذي تظهر فيه و أن العقلية التي تُنتجها ما هي إلا انعكاس للواقع وردّ فعل على ما يحدث فيه في مجالاته المختلفة . .
كانت الفلسفة في بداية ظهورها في العصر اليوناني القديم خلال القرن السادس قبل ميلاد المسيح بحثا عن أصل للعالم وذلك كردّ فعل على ما ساد بين الناس في ذلك الزمن من الاعتقاد في وجود آلهة متعددة بتعدد الظواهر الطبيعية الهامّة مما كان يدعو إلى التفكير في ما عساه يكون أصل هذا العالم المادّي المختلف بعضه عن بعض المتعدد المتكاثر المتلّون والمتحرك دائما دون توقف والمحدثُ لكل هذه الظواهر العجيبة فظهر ما صار يعرف لاحقا بالمدرسة>> اليونية > الماء > مادة << لا شكل لها ولا نهاية وانكسمانس الذي أعاده إلى>> الهواء << حتى جاء اكسنوفنس الذي كان عنده >> اللّه والعالم حقيقة واحدة << ثم انتهت هذه المرحلة بظهور بارمانيدس 514 ق.م الذي اعتقد في أنه ليس هناك غير>> (الوجود Being )<< وهو وحده الموجود الثابت الوجود والذي >>لا يتغير ولا يصير ولا ينشأ ولا يفنى وليس له ماض ولا حاضر ولا مستقبل ولا يقع في زمان أبدا<< وليس له صفات إلا صفة واحدة هي الوجود ومن هنا بدأنا في التجريد وصرنا نبحث في الغيب عن طريق إلى هذا العالم الذي نحن فيه . وتنتهي هذه المرحلة الحسيّة لتنطلق مرحلة جديدة هي مرحلة عقلية صرفة وتبدأ مع أفلاطون وأرسطو وسقراط مع وجود الفارق بينهم ومن بعدهم وبعد ظهور الأديان السّماوية المدعمّة للكثير من أفكارهم وأرائهم ظهر في العقلانية لاحقا ،أواخر العصر الوسيط و لكن بشكل مختلف هيقل وكانط وسبينوزا وغيرهم من العقلانيين المسايرين للفكر الديني والمتعاطفين معه هذا الفكر الذي ساد بين الناس طيلة العصور الوسطى ،هذه العصور التي أبقت على المفكرين في دهاليزهم يعمهون وأغلقت الأبواب على كل فكر تجديدي متحرّر من ربقة التقاليد والمواضعات البالية التي صنعتها لهم الكنائس والأبرشيّات والأديرة والمساجد والجوامع والزوايا والتكايا والخانقهات والرّبط وغيرها على مدى تلك الحقبة الطويلة من الزمن2.
فكانت الفلسفات الدينية والفلسفات العقلانية حينئذ تسيران في خطين متوازيين شبيهين بالسكة الحديدية التي يسير عليها القطار إلى غايته إذ كان لهما نفس الهدف: عقلنة الوجود بوجود آخر
مختلف عنه في الطبيعة و الماهية لا يتمكن ولا يتزمن و يختلف في جوهرة عن كل الموجودات الحسية وكانت في الحقيقة عقلنة اعتقادية أكثر منها عقلنة منطقية أو مؤكدة بالتجربة .
وما أن اكفهرت السماء و ساءت الأحوال الجويّة في المجتمعات الشرقية والغربية معا نتيجة لظهور تلك الطبقة من الإقطاعيين الذين اغتنموا فرصة انشغال الناس بالأمور الدينية وزهد الكثير منهم في الحياة الدنيوية حتى بدأت تظهر هنا وهناك شرارات من الفكر التحريري التنويري يُهيئ للثورة على الظلم والطغيان والجبروت الذي كانت تمارسه تلك الطبقة من الإقطاعيين التي كانت تتخذ من الكنيسة مصدرا لقوتها وجبروتها وهيمنتها على شعوب المنطقة الغربية التي لا يزال ينخر الجهل في أوصالها وكانت خاضعة مستسلمة وعلى الشعوب العربية والإسلامية في المشرق التي كانت منبهرة بالإسلام ومنقادة له في جميع ما يدعو له دون جدل أو مناقشة إلا في ما يؤكده وينشره ؟ وأخذ الصراع الطبقي يحتدم شيئا فشيئا في المشرق والمغرب وفي الشمال والجنوب حتى ظهر كارل ماركس بكتابه >> رأس المال << في أواسط القرن التاسع عشر لينسف صرح ذاك العصر الوسيط برمته ويشرع في تشييد عصر جديد يقوم على الاشتراكية في الحكم وعلى الاشتراكية في الاقتصاد وفي باقي النشاطات الحيويّة الأخرى وذلك من أجل التحقيق الممكن للعدالة الاجتماعية والقطع مع ذلك الماضي المعتّم لكن هؤلاء الإقطاعيين و الرأسماليين انتبهوا إلى ما سيحدّق بهم من الأخطار فقرؤوا >> رأس المال << هذا واستفادوا منه وحوّلوا آراءه وأفكاره لصالحهم حتى لا يقعوا في ما تنبأ به ماركس من سقوط رأس المال هذا لاحقا في أيدي الطبقة الشغيلة وينقلب الحال رأسا على عقب وتسود الشيوعية في العالم آخر الأمر كما يعتقد . لكن ما يهم أن نشير إليه الآن هو أن قيام >> النهضة << la renaissance في أوروبا بدءا بإيطاليا ومرورا بفرنسا ثم انتشارها في باقي الدول المجاورة والتي بدأت معها الأنوار تنتشر وتبدّد الظلمات في الكثير من أنحاء أوروبا هو الذي مهد لظهور كارل ماركس هذا وتأسيسه للاشتراكية العالمية بنظرياته تلك ودفاعه عن الطبقة الشغيلة ومن هنا أخذت الفلسفة تقطع مع تلك العهود البائدة شيئا فشيئا و تهتم بالعلوم تحليلا ومناقشة لتأخذ بأيديها نحو المزيد من التطوّر في جميع مجالاتها للتقدم بالبشرية نحو المزيد من السلام والرخاء الممكنين .