النمذجة وفعاليتها الخطرة

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 10 / 4

ما المقصود بالنمذجة ؟ ولماذا تُطرح الآن موضوعا للفلسفة ؟ أليس لما فيها من خطر على الإنسانية قاطبة ؟ لكن أين يكمن الخطر إذا ما تأكدنا من وجودهُ ؟ تلك هي المسألة .
النمذجة هي صنع النماذج العديدة والمختلفة في جميع مجالات المعرفة وحتى في مجالات تطبيق هذه المعرفة في ما يعرف لدينا بالصناعات والتكنولوجيات القديمة منها والحديثة ، الكلاسيكبة منها والمتطورة وقد ظهرت النمذجة كقضية فلسفية إثر تفاقم ظاهرة الاختصاصات في هذا العصر الحديث في مختلف العلوم والمعارف وتعددت فيها الرؤى إلى درجة أننا نكاد نجد في كل اختصاص اختصاصات عديدة ما يكاد يحرُمنا من متعة الربط بين الفروع وأصولها في أي ميدان من ميادينها كما تعددت وتنوعت الأهداف والمقاصدُ في هذه التوغّلات في العلوم والمعارف مما لم يعد يسمح للمتأمل في هذه الفضاءات العلمية من وضوح الرؤية كما لو أنه يتجول ليلا في غابة كثيفة فيضطر إلى التوقف ويُصاب بالحيرة والقلق ويصعب عليه بالتالي اتخاذ الموقف المناسب من نفسه ومما يجري في الحياة من حوله وهذه هي مشكلة الإنسان المعاصر. لقد صار يعيش على مدار الساعة وعلى مدار السنة في دوامة من المعارف النسبية والمتغيرة في كل لحظة وحتى في تطبيقاتها الصناعية والتكنولوجية المتحولة دوما وفي نسق متسارع . ولنا في الهاتف الجوال مثلا خيرُ مثال من هذه النماذج المادية المتغيرة دوما والمتطورة ولنا في الدّين الإسلامي خيرُ مثال من النماذج المعنوية المتعددة المذاهب ( بحسب تعدد الملل والنحل ) وهذا ما سهل على العولمة تهميش الإنسان المعاصر وحرمانه من خصوصياته المميزة لتُخضعه بالتالي للهيمنة وهو ما يحدث بالفعل في هذه اللحظة من تاريخنا المعاصر في مختلف بقاع العالم .
وبالفعل فإنما الرؤى كلها نماذج والعقل هو الصانع ، له من الواقع الصّورُ و من الفكر المتخيلُ . و الحياة كلها مُثل لكنها في رأي أفلاطون اليوناني مُثلٌ زائفة متغيرة زائلة و ليست حقيقية. أما المثل الحقيقية فهي في عالم آخر هو عالم الغيب في اعتقاده وهي التي سمّيت لاحقا عند المسلمين ب" الجواهر الفردة " أو الحقائق المطلقة التي لا تتغير أبدا .
لكن لا يهمنا مثل هذا الموقف الأفلاطوني الآن من المُثل ولا موقف المسلمين بعد ذلك من ( الجواهر الفردة ) بقدر ما يهمّنا الآن المقصودُ من " النمذجة" التي صارت تُعرف لدى البعض ب " نظرية النظم" أي أنها تقع اليوم في تصور عام مخالف لما كان عليه في الماضي من الزمن- لأن الرؤى و النماذج المختلفة كانت في الماضي موجودة أيضا لكن لم يكن الاهتمام بها في تصوٌر عام مثل ما هو الحال في زماننا الحالي.
و حتى نضع المفهوم في موضعه ما هي النمذجة في اللغة؟ هي من فعل نمذج أي صنع النموذج و النموذجُ هو في اللغة المثالُ من المادة كان أو من الفكر و المثال هو الذي يمكن أن يُصنع مثله إن كان ماديا كما يمكن اتباعه و النسج على منواله إن كان فكريا. أما المقصود من وراء البحث في النمذجة هو استبعاد - قدر الإمكان - فكرة امتلاك أي شخص أو أية جماعة للنموذج الأمثل و الأوحد كما كان ولا يزال يدّعي بعضُ أصحاب النماذج بروح من التعصّب و التشدّد و بتجاهل متواصل بنسبية الحقيقة في أي مجال من مجالات المعرفة و بأن المرء لا يزال في بداية طريقه في التطور والتحضر ولا يقاس عمرُه الحضاري عند الأنتروبولوجيين مثلا بالنسبة إلى عمر العالم إلا بأقل من الثانية .
و ما دام الواقع متنوعا و ظروف الناس مختلفة فسيكون بالطبع ما ينعكس على الذهن متنوعا أيضا و مختلفا و لنا في الإسلاميين مثال واضح: المصدرُ واحد هو الشريعة الإسلامية و المذاهب في السنة أربعة و في الشيعة عدة و من هذه و تلك تكونت في الدين السياسي نٌظمٌ و حركات عديدة ومختلفة : هذه " قاعدة" و تلك " داعش" و هذه " نُصرة" و تلك " أنصار شريعة" و هذه " عقبة ابنُ نافع" و هذا حزب تحرير راغبٌ في عودة الخلافة من الأول بعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن.
لكن رغم كثرة هذه الرؤى و المذاهب في تفسير الواقع و التعامل معه ليس لأحد أن يدعي امتلاكه وحده للحقيقة لأن الحقيقة التي لدينا كلها نسبية كما أكد لنا ذلك علماء الفيزياء المحدثون بالحجج والبراهين و لأن الحقيقة ذات وجوه كما يقول بعض المفكرين و كل يراها من جهته لكن إذا ما استطعنا جمع كل وجهات النظر بعضها إلى بعض ربما استطعنا أن نقترب من الحقيقة كاملة إذا كانت بالفعل موجودة لأن الشك أكيد في عدم وجودها كحقيقة ثابتة ومطلقة لأنه لا أحد يدري إلى حد الآن و بصفة مؤكدة إن كان للعالم بداية و نهاية أم لا و إن كان ثابتا في وجوده أم متغيرا و حياة الإنسان قصيرة وليس في العلم حتميةٌ مطلقة كما أكد لنا ذلك ألبارت آينشتاين منذ زمن .
لقد أُصيب الكثير من الناس اليوم بالهامشية بسبب الاختصاصات الكثيرة في كل علم و في كل دين و في كل فلسفة و في كل معرفة ما ضيّع عنا الكثير من الجذع المشترك بيننا في ما يعرف لدينا بالثقافة العامة وما كاد يجعلنا جميعا منبتين و غير مستقرّين على أي مذهب أو نموذج. لكن مهما اختلفت آراؤنا و مذاهبنا و رؤانا فإنه باستطاعتنا أن نتثاقف و نتبادل الآراء من أجل المزيد من التطور والقدرة على فهم الواقع والعمل على تغييره إلى الأحسن والأفضل و ليس علينا أن نتعصب لما نرى مهما بدا لنا صائبا لأنه مهما يكن رأينا معقولا فإنه مجرد وجهة نظر خاصة ومحددة و ليس حقيقة مطلقة.
وللعلم فإنه من أهم أهداف الثورة العربية الواقعة اليوم هو البحثُ عن النموذج ، النموذج الأمثل في الحكم و في التعليم و التربية و في الصحة و في الدين و في الشؤون الاجتماعية و في الاقتصاد و في غير ذلك من الشؤون العامة و الخاصة و لا أظن أن يتحقق لنا كل ذلك إلا في ظل الديمقراطية الحقيقية ، الديمقراطية التي نصنعها لأنفسنا بأنفسنا وتكون مناسبة لأوضاعنا الخاصة وظروفنا وغير متناقضة تماما مع موروثنا الثقافي المميز لنا وليست تلك الديمقراطية التي تنوي أمريكا أن تهبها لنا جاهزة مبرمجة لتصنع لنا "شرقا أوسطيا جديدا" وتتدخل لاحقا في "مغربنا" كما تريد وكما تشاء ... يقول جون جاك روسو المفكر الفرنسي في كتابه " العقد الاجتماعي" : (إنه لو كان في هذه الدنيا شعبٌ من الآلهة لاختار الديمقراطية مذهبا في حياته السياسية و الثقافية أيضا ) لكن لابد أن تكون ديمقراطية نصنعها بأنفسنا حتى تكون مناسبة لنا ولا تتناقض مع خصوصياتنا المميزة لنا ولا تجعلنا نذوب في بحر العولمة كما يريدون لنا .